• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

خالد مشعل وفلسفة الرأي والنصيحة حماس إلى أين؟!

خالد مشعل وفلسفة الرأي والنصيحة حماس إلى أين؟!
د. أحمد يوسف

الأستاذ خالد مشعل (أبو الوليد) هو أحد القيادات التاريخية لحركة حماس، ورئيس مكتبها السياسي السابق لعقدين من الزمن، وهو شخصية تتمتع بكاريزما عالية، وله تقدير كبير في الأوساط الإسلامية داخل الوطن وخارجه، ولقد تعاملت معه لسنوات عن قرب وفي مستويات قيادية متقدمة، وأشهد له أنه "نِعم القائد" كما أعلم أنه "نِعم الأخ والصديق"، وله منزلة خاصة في قلبي منذ أن تعارفنا تنظيمياً في مطلع الثمانينيات.
كان الأخ خالد أبو الوليد إلى جانب د. موسى أبو مرزوق من أفضل قيادات حركة حماس في الخارج، وكانا قد تركا بصمة وأثراً في الفهم وحيوية الأداء، وفي حُسن السلوك والأخلاق والطهارة الحركية، وكانت دائرة المشورة لديهما تجرى بشكل جماعي، ونالا من خلالها احترام الجميع، بما في ذلك شخصيات اعتبارية عربية وإسلامية يُعتد بها وبالعمل معها.
بعد الانتخابات التنظيمية الأخيرة في يونيو 2017، والتي شابها الكثير من الملاحظات السلبية، فيما يتعلق بالمنظومة القيمية التي تربينا عليها منذ قرابة نصف قرن من العمل الإسلامي، تراجعت حظوظ طهارتنا الحركية، وتسببت تلك الممارسات الخاطئة – في الحقيقة – بتغييب مكانة بعض الوجوه التاريخية، من حيث القدرة والتأثير الحركي والسياسي، وظهرت وجوه أخرى!! سنترك - الآن - للمستقبل فرصة تقييمها والحكم عليها، وإن كان المشهد الميداني لا يطرح ما يبشرنا بالاطمئنان؛ لأن من هم في صدارة قمة الهرم التنظيمي لا يمتلكون - بأيديهم وحناجرهم - طوق الخلاص، حيث إن أكثرهم - بصراحة - يفتقدون للمكانة القيادية، ولا يرتقون لمفهوم "وجئت على قَدرٍ يا موسى"!! حيث تتحقق الزعامة والمثال، بكل ما يعنيه ذلك من مكانة الأسوة والقدوة الحسنة. 
في المؤتمر الذي عقدته حركة حماس بعنوان "حماس في عامها الثلاثين... الواقع والمأمول" بتاريخ 18 سبتمبر 2018، وهو ملتقى نخبوي حاشد يمثل فكرة طموحة تحتاج إلى التشجيع والتطوير، لتصبح إطاراً فاعلاً للمراجعات المطلوبة للإصلاح والتغير داخل الحركة.. في هذا المؤتمر، تحدث عدد من قيادات الحركة، ولكن ما يهمني هنا في سياق القراءة والتحليل هو ما طرحه الأخ خالد (أبو الوليد) من توجيهات ونصائح، حيث أوضح في كلمته المختصرة للمؤتمر بعض ما يراه "ضرورات المرحلة"، قائلاً: نريد نقلة في مشروع المقاومة تختصر علينا الطريق، وتُقرِّب إلينا الهدف.. وأن مسؤولية القيادات اليوم هي في البحث عن مخارج ابداعية للانقسام، والذي نتطلع لتجاوزه، والعمل بإصرار لإنهائه.. وأضاف بكلمته التي أخذت طابعاً أبوياً: الأمر ما زال مقلقاً، ولقد حاولنا، ولابدَّ أن ننجح في إنهاء الانقسام، وبناء وحدتنا الوطنية، وأن نعيد تعريف المشروع الوطني الفلسطيني، ونعيد بناءه.
وأوضح قائلاً: نريد أن نتحدث عن الواقع والمأمول، وأَختصر ذلك في عنوان عام، وهو في تقديري مسؤولية قيادة حماس والفصائل والأهليَّات الوازنة في الداخل الخارج، من حيث إبداع حلول للتحديات التالية: 
أولاً: صناعة نقلة كبرى في مشروع المقاومة والمواجهة مع الاحتلال على طريق التحرير.
ثانياً: إدارة استراتيجية دقيقة وفاعلة لأربعة ملفات، معركة القدس ومقدساتنا الإسلامية والمسيحية، معركة العودة للاجئين والنازحين، معركة مواجهة الاستيطان وسرقة الأرض، معركة تحرير الأسرى، نريد إدارة استراتيجية تحقق النصر.
ثالثاً: مسؤولية القيادات اليوم أن توجد مخرجاً إبداعياً للانقسام، مستندة إلى ثوابت شعبنا وحقوقه الوطنية، الانقسام مزمن ومشؤوم، نريد أن نتجاوز ذلك ونُصر على إنهائه.
رابعاً: مرتبط بتجديد الفكر السياسي الفلسطيني ليواكب تطورات الصراع ومستجداته، يحافظ على الأصول والثوابت ويشق الطريق إلى الأمام.
خامساً: الجرأة في التغيير والتجديد داخل الفصائل والقوى الفلسطينية، وتجديد دور شبابها، وتعزيز روح الديمقراطية الحقيقية داخلها، تخلصاً من خطر الشيخوخة.
سادساً: مرتبط بمضاعفة جهودنا من أجل استعادة قضيتنا وأولويتها عند الأمة.
سابعاً: مرتبط بإحداث اختراقات مؤثرة على المستوى الدولي وملاحقات أوسع لجرائم الاحتلال في العالم مع توسيع سياسة المقاطعة.
لا شك أن هذه لفتات مهمة تستحق التفكير وإعمال العقل من أجل تحقيقها.. ولكن السؤال الذي يحاصرنا دوماً: من هو الذي يمتلك - الآن - زمام المبادرة لوضع مثل هذه الأفكار موضع التنفيذ؟
هل حركة حماس في ظل ظروفها الصعبة، وخلافاتها الواسعة مع السلطة والرئيس أبو مازن، لديها القدرة على العمل في إطار شراكة سياسية مع باقي فصائل العمل الوطني والكل الفلسطيني، بهدف إيجاد خارطة طريق للخروج من النفق المظلم الذي طال انتظار رؤية نهاية له؟
أم هي الفصائل التي تآكلت، وساهمنا جميعاً في إضعاف شوكتها، وكسر هيبتها؟! لم يعد هناك اليوم في الساحة من يمكننا التعلق بأهداب قيادته، أو الاعتماد على قدرات فعله.
حتى التيار الإصلاحي الذي استبشرنا خيراً في أن يكون له "سهم خير" لاستنقاذ الحالة الوطنية، تباينت المواقف حوله، ولم نمنحه الأريحية الكافية للعمل معنا في مشوارنا الطويل لإصلاح الداخل الفلسطيني؛ لأن هناك من يعترض، ولديه اعتبارات تمنع الانفتاح بالسعة المطلوبة للاحتضان والشراكة الوطنية!!
إن هناك الكثير من المطبَّات التي تعيق حالة الانسجام بين الكل الوطني، وقبل إطلاق الحبل على غاربه، وتعليل النفس بالآمال نرقبها، علينا أن ندرك أن بيتنا الداخلي بحاجة للترميم والإصلاح، وهذا يتطلب الكثير من العمل والتنازلات واحتواء الجميع ضمن البوتقة الوطنية، والتي يبدو حالياً أن مساحاتها لا تستوعب الجميع!!
إن ما تفضلت به – أخي أبا الوليد – في كلمتك للمؤتمر يأتي في سياق "التمني والتحلي" أكثر من حقيقة الوعي بحالة الواقع البائس الذي نحن فيه معيشياً وسياسياً وتنظيمياً، والذي أوصلناه بخلافاتنا وتنابذنا بالألقاب السيئة إلى الدرك الأسفل من التشرذم والانحطاط، وغدا خروجنا منه لنصل إلى ما تنادي به من حالة وطنية يستدعي أن تغيب وجوه من مشهد الحكم والسياسة كانت - للأسف - وراء كل ما لحق بساحتنا من أخطاء وخطايا، أوردتنا ومشروعنا الوطني مورد الهلاك.
أخانا أبا الوليد.. إن حركة حماس مطلوب منها الكثير من المراجعات النقدية لتصويب المسار وإقناع الآخر؛ لأن العمل المشترك يتطلب الاتفاق بين الجميع على رؤية وطنية تمثل القاسم المشترك بين الكل الفلسطيني، وليس التعاطي مع الآخر بزي الأستاذية والقوامة الفكرية.
إن حركة حماس اليوم ليست هي حركة حماس قبل عقد أو يزيد من الزمن، حيث كان مشهدنا في السابق يشد الجميع باتجاه بوصلتنا، ولكننا - اليوم - لم نعد في نفس المكان من الخيرية والكمال.
إن حركة حماس كي تنجح في استجلاب الآخر والتعاقد معه، عليها أن توطن مفهوم الشراكة السياسية في ذهنية قياداتها وكوادرها؛ لأن ذلك هو حجر الزاوية و"مربط الفرس" في تحقيق الإجماع الوطني.
إن التحديات التي تعترض طريق الكثير من النقاط التي تفضلت بتقديمها – أخي أبا الوليد - هي إن حركة حماس لم تعد في الموقع الذي يجعل الآخرين يقبلون عليها؛ لأن هناك في تركيبتها البنيوية أكثر من خلل يستدعي المعالجة، وهذا لن يتحقق إصلاحه إلا بقيام مراجعات جادة لتصويب مسارات الرؤية وأسلوب العمل مع الآخر. 
احترم مكانتك واجتهادك، ولكن ما تتطلع له ليس بمقدور حركة حماس أن تقوم به؛ لأن الإعياء أثقل كاهلها، وتداعى على قصعتها كل من يطلب الخلاص منها، وهي للأسف لم تحسن صنعاً يوم كان بإمكانها فعل ذلك.
نحن اليوم - أخي أبا الوليد - محشورون في الزاوية، وأيدينا مكبلة، وخياراتنا محدودة ومقيدة، ومساراتنا اضطرارية، ولن يكلف الله نفساً إلا وسعها.
آمل أن تأتينا حركة حماس بالمبادرات التي تسد باب الذرائع ولا تترك فرصة لتهرب الآخرين.
سعدنا بإطلالتك يا أبا الوليد.. ولكن الكرة اليوم هي في ملعب حماس، وعلينا أن نختار من يمثلنا في خط الهجوم كما الدفاع، حتى لا تترامى الأهداف تباعاً في شباكنا.
أخي أبا الوليد.. كلماتٌ من محب 
إن حركة حماس كي تعود إلى عين الشمس ولا يُخطئ رؤيتها أحد، فإن هناك الكثير الكثير من الإصلاحات المطلوبة، وذلك كي نستعيد مكانة وأمجاد من يتغنى بذكرهم وتضحياتهم اليوم كل قادة حماس المدنيين والعسكريين.
إن هذه الحركة العظيمة التي صنعت تاريخها بملاحم ودماء خيرة أبنائها، عليها القيام بمراجعات ومحاسبات لأخطاء أدت إلى تراجع مكانتها في قلوب الكثيرين من محبيها، الذين منحوها خيرة أوقاتهم وأموالهم، وهم اليوم يعقبون في حسرة وأسى: رحم الله حماس.. فقد كانت ملء السمع والبصر؛ برجالها وعطائها المتميز، وفي مشاهدات أبي بكر وعمر بين صفوفها.
مجرد ملاحظات لما يتطلب عمله، حتى نحفظ بعض التوازن لهذه الحركة العظيمة في تاريخها وأمجادها، وألخصه في بعض النقاط استكمالاً لسطور كثيرة جاءت في سياق النصيحة ومحاولات الاستدراك، وهي كالتالي:
- الابتعاد عن القراءة الوعظيِّة للأحداث السياسية، فالناس آخر النهار ستقول لك كيف أعيش وكيف أطعم أولادي؟!
- ضرورة اعتماد التثقيف السياسي ضمن مرجعيات مؤهلة أكاديمياً وفي فضاءات مفتوحة، من خلال الندوات والمؤتمرات والورش الخاصة.
- سرعة الفصل بين السياسي والدعوي والعسكري داخل بنيان هذه الحركة العظيمة، وبحسب التخصصات والاهتمامات الحركية والعلمية والأمنية.
- العمل على تشجيع الشباب على الحوار وممارسة النقد؛ باعتباره حقاً واجب الوجوب.
- تقديم رؤية عصرية لمفهوم السمع والطاعة، بعيداً عمَّا تمَّ تكريسه تنظيمياً، من خلال ممارسات تربوية خاطئة (نفِّذ ثم ناقش)!!
- التجديد في آليات العملية الانتخابية لسدِّ الطريق أمام أساليب "الكولسة" وجماعات المصالح.
- الحفاظ على حماية وطهارة القيادات من خلال الأخذ بمبدأ (من أين لك هذا.؟)
أخانا أبا الوليد.. إن حماس العباءة الناصعة البياض دخلها الكثير من الدخن فطهارتها النضالية وخطابها الرسالي تحول إلى "مادة ارتزاق"، ولهاث خلف الشهرة، بعيداً عن أوجاع الناس وهمومهم!! إن حركة حماس اليوم وهي ما تزال في مشهد الحكم حركة سياسية مطلوب منها الإنجاز، وليس حركة على المنابر تطالب الناس بالصبر واحتمال الأذى؛ لأن ما نحن فيه – كما يدَّعي هؤلاء الوعاظ - هو حالة من الابتلاء وتمحيص الصفوف!
إن هذه اللغة يا أبا الوليد، قد نحتاجها لسنة أو سنتين، وليس لأكثر من عشر سنوات كان لنا فيها التمكين، وصارت أمور الناس ونواصيها طوع أيدينا، وكانت معنا تعاني وتتصبر بانتظار فرجٍ قريب، لم أر له حتى الآن باباً يطرقه.
أخانا أبا الوليد.. إن حركة حماس وشبابها وقادتها بحاجة إلى ثقافة جديدة ورؤية في العمل غير تلك التي عهدناها في السنوات التي وصلنا فيها إلى مشهد الحكم والسياسة.
لقد أصاب الكثرين الترهل، ولم تعد لغة ما بيننا من قيادات مقنعة، وإذا لم تشهد هذه الحركة تغييراً جذرياً في مناهجها ولوائحها التنظيمية وتربية ابنائها وتعاملهم من الآخر، فإن نواميس الكون لا تحابي أحداً، وستغادرنا الأيام كما غادرت غيرنا، ممن منحوا أنفسهم ألقاباً لها علاقة بفعل السماء والقدر!! لتنهار ممالكهم وتغادر ذكراهم وأمجادهم وآثارهم صفحات التاريخ.
إن حركة حماس كما تعلم أخي أبا الوليد هي حركة فتية، حيث إن نسبة الشباب فيها عالية جداً، وأكثر هؤلاء هم من ذوي الثقافة الجامعية مما يجعلها إذا أحسنت المراجعة أن تعيد إمساك الخطام، وأن تكون الحادي لقافلة الوطن، التي أنهكها السير في التيه، وكانت تنظر لحماس بأنها واحتها الوارفة الظلال.. لم تكن –للأسف- أكثر من سراب يلوح في الأفق، والقافلة ما تزال تترنح ونحن فقدنا البوصلة ونزعم أن لدينا الخلاص.
إن طريقنا طويلة للإصلاح يا أبا الوليد.. وإلا فإنا حالنا اليوم أشبه بالمنبتّ؛ "لا أرضاً قطعَ ولا ظهراً أبقى"!!