• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

أتلفت عقولهم وأعصابهم

الحبوب المخدرة مصيدة أخرى تلتهم شباب غزة

الحبوب المخدرة مصيدة أخرى تلتهم شباب غزة

فتح ميديا – غزة-تقرير// آمنة غنام ::


بعيون محمرة وجبين متعرِق ووجه يكاد تقفز من قسماته الإعياء ، وقف في ركن الصيدلية يسأل الطبيبة الصيدلانية عن عقار ما، لم أتبين أحرفه التي يتلفظ بها، ولكن نفور الطبيبة وتغير ملامحها دفعتني أن أسالها بعد مغادرة الرجل عن مطلبه وسبب نفورها، وكان الرد: "هذا الرجل مدمن مخدرات ولكنه لا يملك أي نقود لشراء سمومه أصبح يستعيض عن المخدر بنوع من العقار والذي لا يصرف إلا بوصفة طبية ".


الحبوب المخدرة الوباء الذي يبث سمه ببطء في قطاع غزة تزامناً مع ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة وغير مسبوقة ، جعل الأمر أشبه بطاعون يضرب بكل قوة ، فمنذ مطلع عام 2006 م، وبعد أن أخذت الأنفاق طابع اعتيادي بين الناس وأصبحت منفذ لا يختلف في شرعيته - في نظر الكثيرين - عن شرعية الميناء والمطار والمعبر ، ظهر هذا الوباء على السطح دون أن تتمكن جهة من كبحه بشكل تام .


أرتان ، أترمال ، صليبا ، حبوب السعادة ، ليريكا ، أنافرانيل "مارولين"  بالإضافة إلى أدوية السعال عالية التركيز (توسيبال).. أسماء كثيرة ومسميات عديدة يتداولها الغزيين فيما بينهم ولكل عقار استعمال يقضي حاجته ثم تبقى الآثار الجانبية تنهش في جسد صاحبها حتى تنهكه وتلقي به على أسرة المستشفيات أو طليقاً يبحث عن بديل .


طباخ السم


المواطن ( ر. س) في منتصف الثلاثينات من عمره ، كان يعمل سابقاً في الأنفاق التجارية التي امتدت في باطن الأرض بين غزة ومصر، اعتاد على تهريب البضائع التجارية والتموينية لتتغير البضائع فتصبح "حشيش" و " أترمال" و أدوية انتهت تاريخ صلاحيتها ليغير التاريخ وتباع للناس بتاريخ جديد.


يقول (ر.س) :" كانت بدايتي مع الأترمال بنصف قرص كمسكن لآلام مفاصلي بعد عملي طوال اليوم في النفق وحين وجدت أن جسمي دبت فيه طاقة وقوة بدأت أتناول قرصين يومياً حتى وصل بي الأمر بتناول 6 أقراص بقوة 250 جرام ".


بعد فترة من عمله بالأنفاق أصيب (ر. س) بكسر في كلتا ساقيه إثر انهيار جزئي خلال تواجده فيه ، تمكن زملائه من انتشاله ولكن تهشمت عظامه مما استدعى تركيب "بلاتين" لرأب صدع عظامه .


إثر تهشم عظام قدميه وصف طبيبه المعالج "أترمال طبي" لتسكين آلامه ولكن بما أنه كان يتعاطى الاترمال بمقادير عالية لم يستجيب جسده للمقدار الذي وصفه حيث كان "معياره" أقل كثيراً مما اعتاد عليه جسده .


أعراض جديدة لم يعتادها بدأت تظهر عليه كالإرهاق الشديد ، والتعرق والصداع والسيلان في الأنف ، ناهيك عن آلام ساقيه التي لم تتوقف بل أصبح ناقوس الألم يدق في كل أعضاء جسده، ولم يتمكن من توفير "أترمال تجاري" نظراً لارتفاع أسعار العقار وانقطاع (ر.س) عن العمل.


الأمر لم يتوقف هنا فابن عمه يقضي أيامه وراء قضبان زنزانة يقضي محكوميته خمس سنوات إلى جانب غرامة مالية قُدرت بنحو 15 ألف دينار أردني، بعد أن تم ضبطه بألف قرص أترمال و 150 قرص من "حبوب السعادة" بالإضافة إلى "فرشين حشيش" ، لم يفلح أي استئناف في تخفيف الحكم عنه نظراً لاتهامه بحيازة واتجار مخدرات .


درب الجنون


( ي. ع) في الخمسينات من عمره يجوب أنحاء حارته لا يعرف ليله من نهاره ، يتمتم مع نفسه كلمات لا يدري ترجمتها سواه ، يشفق عليه من يراه بعد أن كان ينفر الجميع منه ،حيث غادرته عقلانيته دون رجعة وغاب المنطق عن تصرفاته .


لم أتمكن من تجاذب أطراف الحديث معه فحادثت أحد المقربين منه ليروي لـ"فتح ميديا" القصة من بدايتها قائلاً : "(ي.ع) كان من أفضل المقاولين في المنطقة ولكن انحرفت بوصلته تجاه الأدوية والعقاقير والمسكنات فكانت جيوبه عبارة عن صيدلية متنقلة تحمل كل ما منع من الأدوية لا يبخل على نفسه بأن يبتلعها كومة واحدة إلى جانب الهروين ".


بدأ يفقد تركيزه وضوابطه الاجتماعية ، فقد عمله وتخلت عنه عائلته بعد أن أصبحت سيرته فاكهة المجالس، ولكن هذا لم يردعه بل استمر في إدمانه وتعاطيه حتى أفلس تماماً وباع منزله ليسكن في بيت لا يصلح للحياة البشرية ، وبعد محاولات مضنية حاول ذويه إيداعه مصحة لعلها تحمل له الخلاص ولكن هروبه المتكرر حال بين أي تحسن يرجى فتُرك على حاله ينعته من يراه بـ "المجنون" و "الحشاش ".


دفع الضريبة


( و . أ) صاحب التاسعة والخمسين عاماً، كان يقود سيارته على طريق صلاح الدين وسط القطاع حيث تعرض لحادث سير فقد على أثره الوعي وعند وصول الإسعاف والشرطة تم تحريز 20 جرام كوكايين وفرش حشيش و20 قرص صليبا من سيارته .


كشفت التحاليل التي أجريت له في المستشفى عن وجود نسب من الكوكايين والحبوب المخدرة بتركيز عالي في دمه، الأمر الذي أدى لفقدانه السيطرة على مقود سيارته ، مما جعله يتعرض لكسر في الجمجمة وجلطة أدت إلى شلل نصفي أصاب الجانب الأيسر من جسده .


الأمر لم يقتصر على الذكور فسجل الإناث له دوره بالاتجار والتعاطي ولكن التعتيم الذي تمارسه الجهات المعنية جعل الأمر محصور ونادر جداً أمام وسائل الإعلام ، مع العلم أن العديد من الحالات تم إلقاء القبض عليها داخل المدارس الثانوية والجامعات ..


الوصفة الطبية


في السياق ذاته أشار الطبيب الصيدلي محمد أبو سمعان أنه تعرض للعديد من المواقف المشابهة ، حيث كان يطلب منه بعض الأشخاص صرف أدوية تعتبر ممنوعة التداول بين العامة دون وصفة طبيب.


ويتابع :"في معظم الأحيان اضطررت لنفي وجود هذه النوعية من الأدوية بسبب بعض الحالات التي كانت تستهجن ردي بوجوب جلب "روشتة" طبيب لأتمكن من صرف الدواء"، موضحاً أن منذ 8 أشهر تعرضت صيدليته لاعتداء من أحد الأشخاص المدمنين على العقاقير الممنوعة بعد أن رفض أن يسلمه أي نوع من الأدوية التي طلبها مما دفعه لتحطيم صيدلية أبو سمعان وإيقاع خسائر بالغة فيها، تم لاحقاً القبض على المعتدي وسجنه .


من جانب آخر أوضح أبو سمعان أن هناك العديد من أصحاب الصيدليات الذين أباحوا تصرف هؤلاء المدمنين من خلال بيعهم الأدوية الممنوعة واتجارهم بها على الرغم من البلاغات المستمرة التي تقدم بحق هذه الصيدليات للشرطة إلا أنهم مستمرين في أخذ احتياطاتهم فقلة ما يتم إغلاق صيدلية بسبب تحولها لسوق سوداء .


من جانبها تشدد حكومة الأمر الواقع بغزة عقوبة الاتجار بالمخدرات وترويجها، فأصدرت خلال العام الماضي أحكاما بالإعدام على أربعة تجار، هي المرة الأولى التي تصدر مثل هذه الأحكام منذ سيطرة حركة حماس على القطاع العام 2007، معتبرة قضايا تهريب المخدرات والاتجار بها تمس بالأمن القومي، ولذا تحال هذه القضايا إلى القضاء العسكري ، حيث يحاكم المتهم بالإعدام أو السجن المؤبد كحد أقصى فيما تتراوح المحكوميات الأخرى بين العشر والخمس سنوات بالإضافة إلى الغرامات المالية التي تفرض على المتهم .


يذكر أن وفق دراسة نشرتها وزارة الصحة أن الأدوية المخدرة والعقاقير التي يتعاطاها المدمنون تؤدي إلى الشعور الدائم بالدوخة وعدم القدرة على التركيز ، والهزال والضعف العام، بالإضافة إلى الضعف الجنسي والفشل الكلوي ، واضطرابات في القلب والدورة الدموية، إلى جانب الغثيان والقيء وفقدان الشهية والصداع وقشعريرة والأرق ، كما أنها تزيد من خطر الغضب والعدوان وتعزيز الأفكار الانتحارية.


إن ما يبث حول هذه السموم كونها تحمل الخلاص ما هي إلا أفكار دخيلة مدسوسة لا تخدم سوى جهة واحدة اتفق الكل على أنها تريد الدمار لغزة ألا وهي "الاحتلال" ،  فالواجب الوطني والإنساني يحتم نشر الوعي وتكثيف الجهود المبذولة في سد هذا الثقب الذي لا يتسرب منه سوى الدمار...