المرض النفسي بين الخجل من القيل والقال.. والشعوذة
  • فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

وجه هادئ وعقل عاصف

المرض النفسي بين الخجل من القيل والقال.. والشعوذة

المرض النفسي بين الخجل من القيل والقال.. والشعوذة

فتح ميديا –غزة-تقرير// آمنة غنام::


يقال بأن " الحائط لها أذنان" ، وفعلاً وجدتها صائبة إلى حد ما ، عندما كنت استمع في ساعات الليل الأولى لصراخ لا أعرف مصدره فبوصلة عقلي النائم لم تتمكن من تحديد اتجاه الصراخ الذي بات ينبعث من كل شق في الجدار المتهالك ، لاحقاً حددت مكان الصوت وبدأت الأصوات والأسماء تتضح وكذلك صوت اللطمات المتلاحقة على وجه لم أعرف صاحبه إلا بعد حين.


(أ.ن) صاحبة الستة عشر ربيعاً هادئة أمام أنظارنا ، يعصف داخل رأسها إعصار محجوب عنا ، فقد كانت تعاني من "اضطراب ثنائي القطب" حسب ما شخصته التقارير الطبية ، هذا ما قالته والدتها بعد أن تكرر سؤالي عن حالة ابنتها، لتفتح لاحقاً الباب على مصراعيه أمامي.


رفض العلاج


كان الاضطراب الذي أصابها يجعلها في حالة اكتئاب شديد تهاجم أهلها أو حتى أثاث المنزل ، بالمقابل لم تجد تلك الفتاة سوى شقيقها يتصدى لحالتها المبهمة بالنسبة لهم بالضرب والتعنيف ظناً منه أنها تختلق حالتها رغبة في لفت الاهتمام .


تقول والدتها :" بعد أن عجزنا عن تهدأتها عرضناها على طبيب في العيادة الطبية التابعة لوكالة الغوث حيث نصحنا بالتوجه لمستشفى الصحة النفسية بغزة مما جعل أشقائها ووالدها يرفضون خوفاً من كلام الناس ويقال عن ابنتنا مجنونة ".


بدأت التكهنات بحالة الفتاة من الكبار والعجائز بأنها لا تعاني من أي اضطراب نفسي أو عقلي بل هي بحاجة لـ "شيخ " فقد تكون "ممسوسة أو ملموسة أو عليها جني" ، خزعبلات كثيرة تفوهوا بها لتدخل تلك المغلوبة على أمرها متاهة جديدة.


بين المشعوذين


عانت (أ.ن) ما يقارب السبعة أشهر بين الشيوخ والمشعوذين ، فضرب ونخز رؤوس أناملها بالإبر وأعشاب وخلطات تُحرق، وطلاسم أجبروها أن تضعها تحت وسادتها ما أنزل الله بها من سلطان وغيرها من ممارسات غريبة ، لعلاج بلاء ليس له وجود من الأساس.


هذا كله جعل حالة الفتاة تتراجع للأسوأ فلا تحسن يطرأ عليها ، ولا علتها تشفى بل ازداد الغمز واللمز في أوساط عائلتها وجيرانها ، ليستسلم ذويها وينقلوها لمستشفى الصحة النفسية الذي بدورهم شخصوا حالتها وما تعانيه من اضطراب يستلزم عقاقير ومتابعة واهتمام من أهلها في المقام الأول..وأخيراً تلاشى الصراخ وبات ليلها أهدأ ..


ضحية الضغوطات


حالة أخرى وقع فريسة للضغوط من حوله وكثرة القيل والقال أثرت على مسار عقله وأفكاره، (خ.ش) يخطو نحو عامه الخامس والستين ، كابد خلالها العديد من الصعاب التي أورثته العديد من الاضطرابات العقلية والنفسية .


فبعد زواج امتد لخمسة وعشرون عاماً لم ينتج عنه أي أطفال ، عايش خلالها "تلسين" من حوله، ومشورات خرافية عليه تجربتها لكي ينجب طفل يؤنسه في كبره ، ثم زواجه بثانية لعل العقدة تُحل فوقع بين "كيد الضراير" ، ليبدأ عقله برفض كل ما يدور حوله .


"هلاوس" باتت تهاجم يقظته ، أصوات غريبة تهاجم مسامعه لا يسمعها سواه ، اختلطت عليه الأحداث بين جديدها وقديمها فلم يعد يدرك في أي يوم هو ولا ما يدور حوله ، فبدأ مدعي الفهم بالاقتراح بأن يزور أصحاب البركات _حسب رأيهم_ ليحرقوا ذلك المارد الذي استقر في رأسه وجعله يرى ويسمع ما لا وجود له .


لك أن تتخيل رجل في عمره يقع فريسة للمشعوذين والسحرة الذين استغلوا جهل البعض ليلقوا بحبالهم أمام أعين من رفضوا اللجوء للحل الطبي ، حالياً وبعد فشل أساليب الخزعبلات، يخضع (خ. ش)  للعلاج في المستشفى الوحيد في قطاع غزة المتخصص في علاج الاضطرابات العقلية والنفسية حسب ما أوضح ابن شقيقته .


منبوذة اجتماعياً


أما الشابة (ف.ص) فتروي معاناتها بعد أن تجاوزت محنتها التي هاجمتها فجعلتها منعزلة عما حولها ومنبوذة اجتماعياً ، فتقول :" بدأت مشكلتي عندما بدأت ثقتي تتراجع بمن حولي حتى أهلي؛ تركت المدرسة وأنا لم أتجاوز الصف العاشر ، كان يخيل إليَّ أن هناك عراك دائم في رأسي وأصوات تحدثني بأن هناك مصيبة قد تقوم في أي ثانية ، خوفي من أي شيء كان عميق لدرجة الفوبيا".


وتضيف :" بعد فترة تقدم أحد أقاربي لخطبتي ولكن رفضته بدون أي سبب لمجرد إحساسي أنه قد يسبب الخطر لي، ومن هنا بدأ أقاربي بنعتي بالمعقدة والممسوسة وأشاروا على أهلي أن يصطحبوني لشيوخ ليعلاجوا حالة العزلة والرفض التي أصابتني ".


ذهب بها أهلها لامرأة تقطن المنطقة الوسطى من قطاع غزة ، فكانت طلباتها مبالغ فيها إلى جانب المبالغ المالية التي تطلبها مما جعلهم يتوقفوا عن زيارتها ليبحثوا مرة أخرى عن شخص يعالج عقدتها ، من جديد وجدوا "شيخ" غاب الحياء عنه وطبع الله على قلبه ليستغل حالتها وجهل أهلها فيتحرش بها مما جعلها تتطاول عليه ضرباً وتهرب مستبقة أهلها الباب خوفاً من استمرار أفعاله ، وتم التستر على ما جرى خوفاً من " كلام الناس".


للمرة الثانية يتقدم أحد الشبان لخطبتها فتجبر على الموافقة وتُخفى الحقيقة على الخطيب ، مرت الأيام هادئة ظاهرياً خاصة أن فترة الخطوبة قصيرة وتلاها عرس وزفة ومن ثم كُشفت الحقيقة ، حيث كانت ترفض اقتراب زوجها منها أو حتى نظراته إليها ، تغلق الباب على نفسها ساعات طوال، وترفض أن تشاركه حتى طعامه ضاق بها ذرعاً لتعود لمنزل أهلها مطلَّقة بعد أقل من شهر على زواجها.


إلى أن جاء منقذها وهو أحد أقاربها كان يدرس بالخارج وسمع عن حالاتها من شقيقتها فنصحهم بالتوجه لخبير نفسي لعل ما تعانيه يسكن فقط نفسها وعقلها الباطن، استثقل أهلها الاقتراح ولكن "الغريق يتعلق بقشة " فزاروا أحد الخبراء النفسيين الذي أوضح لهم أن ابنتهم تعاني من مرحلة أولى من "الشيزوفرينيا" .


خاضت (ف.ص) مرحلة تأهيل إلى جانب الأدوية والعقاقير والحقن التي عليها أن تتناولها على الدوام، ولكن على ما يبدو أنها انتصرت على ما أصابها فعادت لدراستها بعد تحسنها الملحوظ وعادت لتمارس حياتها قدر استطاعتها بعد تفهم لا بأس به من أهلها حول مرضها وحالاتها.


لفتة


المرض النفسي والعقلي لا يُجرِم صاحبه ، فالكثير منا يتعرض لضغوطات قاسية في حياته تجعله بحاجة لطبيب أو خبير نفسي يأخذ بيده ليتجاوز عقبات كُثر، فمن خلق الداء خلق الدواء، فلنضع القيل والقال وراء ظهورنا ونجعل صوت العقل هو من يحكم على مسار حياتنا ، بالمقابل السحر والشر الخفي أمر وارد ، ولكن بين العلاج والشعوذة خيط رفيع استغله ضعاف النفوس ، فالشعوذة أيضاً داء اجتماعي أصاب حياتنا فأصبحنا نترك المعقول ونركض وراء من يعتقدون أنفسهم خبراء الميتافيزيقيا .. حَكِّمُوا عقولكم .