• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

أبو جهاد ورحلة الوداع الأخير(وكيف أفلت من الموساد)؟؟

أبو جهاد ورحلة الوداع الأخير(وكيف أفلت من الموساد)؟؟

فتح ميديا – كتب// د.ربحي حلوم ::


بدايه نشهد انك بنهجك الحق يا أبى جهاد أيها المعلم انك كدت للعدو أضعاف أضعاف ما يكيدة سبعون قائد في سبعين اجتماعا أمام كل منهم سبعون مذياع.وهو أشرس مَنْ قاتل الدولة العبرية المستجلبة..كتب الاخ المناضل الدكتور ربحي حلوم قبل استشهاد أبو جهاد ببضعة أسابيع في أواسط نيسان عام 1988م، شاء القدر أن تكون استانبول واحدة من محطات عبور القائد أبي جهـاد، التي زارني فيها لنقضي معاً يوماً وليلة كانت بالنسبة لي محطة تاريخية خبرت فيها الرجل الكبير الفذ عن قرب، حين بهرني ببساطته وعمقه، بإرادته وعزيمته، بثوريته وإيمانه، بقلمه ومسدسه، بشموليته وبروحه الوقادة التي كانت توقن بحتمية الانتصار.


لم يكن رحمه الله محاطاً بمظاهر أمنية خارجة عن المألوف رغم خطورة موقعه باعتباره الأب الروحي للانتفاضة وراعي حجارتها وعصب حيويتها ومفجر شعلتها المتوقدة. ورغم أنه كان يعلم علم اليقين بأن إسرائيل تترصده وتستهدف القضاء عليه لاستشاطتها غضبأً منه كونه النبض الذي يغذي قلب الانتفاضة بالحياة إلا أنه كان قدرياً يؤمن بأن لكل أجل كتاب، يعقل ويتوكل، يحاذر، لكن حذره كان بموضوعية وبلا مغالاة. ولهذا كان يكتفي بمرافق أمني واحد في كل تحركاته التي كان يعتمد فيها على حدسه أكثر من اعتماده على الاحتياطات المرئية. والأغرب من ذلك أنه كان يحرص على حياة الآخرين أكثر من حرصه على حياته وكان يتقصّى المحاذير الأمنية التي تستهدفنا نحن رفاقه ويتصدى لأسبابها ويحذّر منها ويهتم بها أكثر من اهتمامه بأمنه الشخصي.


وكثيراً ما تلقيت منه تعليمات خطية تقضي بتوخي أقصى درجات اليقظة وتوفير المتطلبات الأمنية واتخاذ الحيطة والحذر. غير أن العدو الإسرائيلي الشرس نجح في اصطياده حين اغتالته فرقة الكوماندوس التي قادها مصاص الدماء الشهير (إيهود باراك) بالتعاون مع جواسيس محليين في حادثة الاقتحام الليلية الشهيرة لمنـزله في حي سيدي أبو سعيد في تونس.


أكرر القول، بأن القدر شاء أن تكون استانبول آخر محطة عبور له في أسفاره النادرة قبل حادثة اغتياله الغادرة الشهيرة التي وقعت في منتصف نيسان من عام 1988م. إذ فاجأني يوماً باتصال هاتفي أجراه معي من تونس في شباط من نفس العام ليخبرني بأن لديه مهامَّ يرغب أن أقوم بها وأنه قادم في ذاك اليوم إلى استانبول التي سيصلها خلال بضع ساعات مروراً إلى بغداد، وطلب إليّ أن ألتقيه في نفس اليوم بمطار استانبول ليبلغني بها عند قدومه على الطائرة التركية القادمة من تونس عند الثانية والنصف بعد الظهر. كان علي أن أتحرك على الفور من أنقرة إلى استانبول لأتمكن من الوصول إليها قبل موعد وصول الطائرة، فالمسافة بين أنقرة واستانبول تحتاج إلى 3-4 ساعات للوصول إليها براً كحد أدنى، ولا يوجد لدي متسع من الوقت أكثر من ذلك؛ لملمت أوراقي على عجل واصطحبت مرافقيّ الإثنين وسائقي وتوجهنا على الفور إلى استانبول التي وصلناها قبيل دقائق من هبوط الطائرة المتوقع، لنستقبله مصحوباً بمرافقه المعروف لدينا منذ زمن وهو (سعيد حامد السلوادي) المعروف بوفائه الجم وشجاعته النادرة طيلة مرافقته للمرحوم أبي جهاد.


وببساطته المعهودة بادرني بعد حرارة اللقاء التي عكست تقديري البالغ له منذ أن عرفته في بواكير العمل النضالي وسنواته الأولى التي كنت فيها من كوكبة رجاله، بادرني بطلب التوجه إلى فندق مناسب متواضع قريب من المطار لقضاء ليلة رغب أن يقضيها في استانبول قبل متابعة سفره إلى بغداد مساء اليوم التالي. وشاء حسن الطالع أن نتمكن من إيجاد غرفتين شاغرتين فقط في فندق (تشينارهوتيل) الذي يقع في منطقة (يشيليورت) القريبة من مطار استانبول والمحاذي لمستشفى (انترناشونال هوسبيتال) الذي يملكه رجل أعمال فلسطيني صديق لي اسمه (الدكتور سعيد حيفاوي) الذي قفز اسمه فجأة إلى ذهني فاتصلت به مستعيناً بطلب تأمين غرفة أو اثنتين عنده لاستضافة مرافقينا الاثنين ليلة واحدة لعدم توفر غرفتين إضافيتين لهما بفندق تشينار, فرحب الرجل دون تردد.


ولم نكد نرتح قليلاً- أبو جهاد من عناء رحلته من تونس، وأنا من عناء سفري البري إلى استانبول من أنقرة – حتى حان موعد الإفطار حيث صادف ذلك اليوم واحداً من أوائل أيام رمضان، فاقترحت على الأخ أبي جهاد الذي كان صائماً، أن نتوجه لنتناول طعام الإفطار في أحد المطاعم القريبة وهو مطعم (BEYTI) الشهير في استانبول الذي يعتبر من أرقى المطاعم عالمياً وأكثرها تفضيلاً لدي بسبب الصداقة الحميمة التي تربطني بصاحبه الصديق الحميم للشعب الفلسطيني، حيث رحب بنا المذكور بحرارة وأجلسنا نحن ومرافقينا في ركن خاص كرس لخدمتنا فيه خيرة العاملين لديه، وقد استحب أبو جهاد رحمه الله حرارة ترحيب الرجل بنا عند لقائه بنا وإصراره على أن يطلعنا على مجسم الصخرة الصدفي الذي يحتل مكاناً بارزاً في مدخل المطعم الذي تتصدره واجهة زجاجية ضمت إلى جانب المجسم صوراً لعدد من كبار زعماء العالم الذين يرتادون المطعم؛ وكعادة الرجل الصديق في تعامله معنـا، رفض تقاضي ثمن إفطارنا الرمضاني الشهي بالمطعم، ودهش أبو جهاد حين لمح دموعاً تتحجر في عيني الرجل وهو يتحدث إلينا عن عشقه (لقدسية الصخرة المشرفة ) التي يحتفظ بصورتها ومجسمها (وهو مجسم كنت قد قدمته هدية إليه لخدمته الكبيرة لنا عند استضافتنا لوفد الدول الأعضاء في اللجنة المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني التابعة للأمم المتحدة عند انعقاد مؤتمرها في استانبول قبل بضعة أشـهر)وتشاء الصدف أن تتضمن النشرة التلفزيونية للقناة الرسمية التركية في تلك الليلة برنامجاً خاصاً عن الانتفاضة الفلسطينية التي كانت متأجحة آنذاك، وكان يحتوي من بين فقراته على مضمون مقابلة سبق أن أجراها الصحفي التركي (جنكيز جاندار) مع أبي جهاد نفسه. وقد حرص السيد ( بـيتي) صاحب المطعم أيضاً على دعوتنا لمشاهدة النشرة المذكورة في صالته الخاصة بجناح بيته الذي كان يشكل المطعم جزءاً من بنائه الذي يقوم على شكل قصر ضخم في تلك المنطقة الراقية من أحياء مدينة استانبول.


الموســاد يخـفق في اصطيــادنا


قضينا ليلتنا تلك في فندق( تشـينار) بعد أن انفردنا لبضع ساعات في غرفته المجاورة لغرفتي في الفندق، أبلغني فيها بمهمة طلب إليّ تأديتها. ونظراً لانقضاء ظروفها كونها أصبحت جزءاً من التاريخ، وانتفاء أسباب ودواعي سريتها التي كانت مقتضاة في ذلك الوقت، فإنني لا أجد ضيراً في الإفصاح عنها هنا للمرة الأولى باعتبارها ملكاً للتاريخ الفلسطيني ولمسيرة الراحل الكبير. فقد طلب إليّ استثمار العلاقة التركية الفلسطينية الحارة والود البالغ الذي يكنه الأتراك للشعب الفلسطيني والنفوذ الطيب الذي نتمتع به في أوساطهم، وإمكانية الاستفادة الجيوسياسية من الجزء الشمالي من جزيرة قبرص الواقع تحت السيطرة التركية وتحت إدارة السيد(رؤوف دنكتاش) الذي تربطني به علاقة شخصية حميمة، ومن هذا المنطلق، استمزجني رحمه الله حول: "


...الطلب من الرئيس القبرصي التركي رؤوف دنكتاش المذكور إمكانية إنشاء محطة فضائية تلفزيونية فلسطينية موجهة لفلسطين لدعم الانتفاضة، نتكفل نحن بتغطية كل متطلباتها المالية واللوجستية والإعلامية، إضافة إلى إمكانية قبول دنكتاش باستقبال واستضافة ست طائرات هيلوكبتر فلسطينية كانت موجودة لنا في أوغندا أيام عيدي أمين وإمكانية تشغيلها لديه تحت اسم قبرصي تركي وهي الآن (أي في حينه) موجودة في مكان ما سنقوم بنقلها إلى قبرص إذا ما وافق على ذلك في الحال...". وأضاف رحمه الله قائلاً: "...وإذا ما أبدى صديقك (دنكتاش) موافقـته على ذلك فإننا على استعداد للمساهمة في تطوير اقتصاد الجزيرة من خلال مشاريع استثمارية كبيرة نقيمها هناك ونستقدم للجزيرة قرابة مائتي عائلة فلسطينية من المقيمين في بعض الأقطار للإقامة المؤقتة في الجزيرة إلى حين عودتهم إلى وطنهم الأم فلسطين..."،


ونوه أبو جهاد في معرض حديثه بالتسهيلات التي قدمها دنكتاش لنا في موضوع نقل الأسلحة التي قمنا بنقلها ضمن شحنات بطاطا في قوارب نقل صغيرة إلى أحد موانئ صور على الشواطئ اللبنانية لمقاتلينا هناك خلال حصارهم من قبل التنظيمات الموالية لسوريا ومن قبل إسرائيل في الوقت ذاته، والتي توليت تنفيذها كما سبق الحديث عنه في موقع آخر.


وقد امتد الحديث بيننا خلال تلك الليلة حتى الخامسة من فجر اليوم التالي كان رحمه الله يقطعه بين كل فترة وأخرى بإجراء اتصال تليفوني بأرقام يلتقطها من دفتر ملاحظاته الشخصي الذي كان يحتفظ به في جيبه ويجري خلاله مكالمة قصيرة مع إحدى قيادات الانتفاضة في الداخل (وذلك لوجود اتصال هاتفي مباشر بين تركيا وإسرائيل )، ولم يكن يدور في خلد الإسرائيليين أن أبا جهاد سيلجأ إلى إجراء مثل تلك الاتصالات الهاتفية المباشرة من مكان كاستانبول مع الانتفاضة التي كان يديرها بنفسه من الخارج، وربما كان هذا هو السبب الذي من أجله اختار أبو جهاد أن يتوقف ليلة واحدة في استانبول في طريقه إلى بغداد، نظراً لعدم وجود أية اتصالات هاتفية بين أي من الدول العربية وإسرائيل في ذلك الوقـت، باستثناء قبرص اليونانية التي كانت إسرائيل تعتقد أنها النافذة الوحيدة أمام أبي جهاد أو أي من القيادات الفلسطينية الأخرى.


وقد أجرى رحمه الله خلال تلك الليلة أكثر من عشر مكالمات مع قيادات الانتفاضة في الداخل كان من خلالها يعطي التعليمات ويستقي الوقائع على الأرض أولاً بأول.


وفي نهاية هذه الليلة الحافلة بالاتصالات المكثفة وبالحوار وبالعمل وبالجهد الذي لا يكلّ، أخذ منا النعاس مأخذه، وخلدنا إلى النوم بعد أن استودعته الله وتوجهت إلى غرفتي المجاورة، على أمل أن نلتقي في التاسعة من صباح اليوم التالي للقيام بجولة خاطفةٍ في أسواق المدينة للتسوق الرمضاني الذي تشتهر به استانبول.


مع موعد الصباح المذكور، اقترحت عليه أن أصطحبه في جولة لبعض الأماكن والمعالم الرئيسية في المدينة، لكنه لفت الانتباه لضيق الوقت الذي لا يتعدى سبع ساعات فقط، رغب هو فيها أن نتوجه إلى أحد الأسواق الشعبية المتواضعة للتسوق ببعض الحاجيات التي يرغب أخذها معه لبغداد والتي تحتاجها المائدة الرمضانية المعهودة مما لا يتوفر في بغداد من المواد التموينية الرمضانية الشهيرة. فاصطحبته إلى الحي المصري( مصر تشارجسي ) بمنطقة (أقصراي) بصحبة مرافقينا الأربعة، ولشد ما كانت سعادته بذلك المكان الشعبي المتواضع،


حيث اشترى مجموعة من المواد التموينية التي اشتملت على تنكة جبنة تركية بيضاء وبعض المكسرات والمملحات التركية وقمر الدين والتين والزبيب التركي المجففين وإناءي عسل صغيرين؛ إلى أن أدركنا الوقت وسارعنا إلى الفندق لأخذ بقية حاجياته والانتقال إلى المطار الذي غادره إلى بغداد في الخامسة والنصف من بعد ظهر ذلك اليوم الذي كان هو والليلة التي سبقته حافلين بالذكريات العزيزة على النفس والتي لا تفارق الذاكرة، وقد وعدته بالتحرك الفوري باتجاه ما أبلغني به من مهام بعد أن اتفقنا على وسيلة اتصال بيننا أوافيه خلالها بما أصل إليه من نتائج.


(الانفجار الذي هز مدينة استانبول) ...


قال المناضل د .ربحي حلوم .. عدت بدوري ومرافقيّ وسائقي براً إلى أنقرة، منهكا ًمن عناء سفر وسهر متواصلين في رحلة تظل عزيزة على النفس لأصحو في صباح اليوم التالي على تقريرٍ أمنيّ عاجل حمله إليّ مرافقي عبد الكريم الخطيب، أرسله معه مسؤول الأمن بسفارتـنا ( أبو عرب ) يقول أن انفجاراً ضخماً وقع فجر ذلك اليوم في الطابق الثاني من فندق (تشينار) باستانبول دمر الجزء الغربي من الفندق بكامله وحوله إلى ركام،.... فأذهلتني المفاجأة حين أيقنت أن إرادة الله هي التي أنقذتني أنا وأبا جهاد، وقدّرت لي وله أن تقتصر إقامتنا بالفندق المذكور على ليلة واحدة، ولو أن إقامتنا امتدت لليلة أخرى، لكنا قضينا تحت ركام الانفجار المدبر في الفندق. ويبدو أن أصابع الغدر التي لاحقتنا كانت تظن أننا سنقضي الليلة التالية في الفندق ذاته فهيأت الانفجار الذي أتى ليس على غرفتينا فقط بل على الجناح الغربي الذي كانتا تقعان ضمنه بكامله.


أجريت على الفور مكالمة عاجلة بأبي جهاد الذي كان قد وصل لتوه إلى بغداد لأطلعه على التفاصيل، وكانت ردة فعله السريعة على الهاتف ضحكة مجلجلة وهو يقول رحمه الله: "...سيتلقون الرد من أطفال الحجارة، ونحن وإياهم والزمن طويل (!)....


كانت زيارة أبي جهاد هذه غير معلنة لأحد، ولا يعلم عنها أي مسؤول رسمي تركي ولا أي صحفي أو إعلامي سوى اثنين من مرافقيَّ الأمنيين من العاملين بالسفارة ، الأمر الذي جعل الصحافة التركية تعجز عن معرفة أو استقصاء دوافع الانفجار وخلفياته واستهدافاته، فنسبتها إلى خلافات ربما وقعت بين أصحاب الفندق أدت إلى تدبير هذا الانفجار ربما لإلحاق الأذى بمالكه (!) أو ربما لشجار في حانته الليلية (!)


وحرصت بدوري على التزام الصمت وعدم الإدلاء بأي تصريح أو تعليق قد يؤدي إلى الإعلان عن وجودي وأبي جهاد في المكان قبل ليلة من وقوع الحادث، فيتأكد بذلك أن الانفجار الذي وقع كان يستهدفنا بالتأكيد، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى احتمال مساءلة الخارجية التركية لي وعتبها عليّ بسبب عدم إحاطتها علماً بوجود شخصية هامة في ضيافتي على أراضيها دون إحاطتها علماً مسبقاً بذلك لضمان توفير الحماية الأمنية في مثل هكذا زيارة. وطوي الأمر على هذه الصورة دون أن يتمكن أحد حتى اليوم من معرفة الجهة التي كانت وراء ذلك الانفجار الذي استهدفنا بالتأكيد، بدليل وقوعه وتدميره الكامل للجناح الغربي الذي كانت تقع فيه غرفتانا بالفندق؛ وبقي الأمر أشبه بأحجية لا يعرف خيوطها أحد سوى مدبريها الذين أعتقد أنهم من (عملاء أجهزة المخابرات التركية التابعين لحيرام عباس والمتصلين بالموساد الإسرائيلي) الذين لم تتح لهم الزيارة المفاجئة غير المعلنة، المدة الكافية لإنجاح مكيدتهم البشعة هذه، نظراً لعنصر المفاجأة فيها وقصر وقتها، وظنوا أنهم سيقتنصوننا بمثل هذه المؤامرة الدنيئة التي قضى لنا الله فيها النجاة بمعجزة إلـهية، رد فيها كيد المجرمين إلى نحـورهم...