• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

هل يصبح نتانياهو القربان الأول لـ"صفقة القرن"؟

هل يصبح نتانياهو القربان الأول لـ"صفقة القرن"؟
أحمد فؤاد أنور

كلما اقترب العد التنازلي لإطلاق صفقة القرن ارتفع إيقاع التضحية ببنيامين نتانياهو. مفتاح فهم هذه العلاقة العكسية يكمن في حقيقة أنه كلما اقترب موعد تنفيذ الالتزام الرئاسي الأميركي في شأن صفقة القرن زادت فرص تفجير حكومة نتانياهو من الداخل، فبالتخلي عن الكليشيهات التي ثبت أنها غير صحيحة، مثل مقولة نزاهة ومهنية الإعلام الغربي، وأكذوبة أن إسرائيل واحة الديموقراطية في المنطقة. وبنظرة شاملة وموضوعية وبربط للأحداث سيجد المراقب نفسه أمام سيناريو غير مستبعد.


ويجدر بنا بداية أن نعي أنه من شبه المؤكد أن صفقة القرن لن تُرضي الطرفين الرئيسيين الفلسطيني والإسرائيلي المعنيين بها، إذ إنها ستقوم على تقديم الجانبين تنازلات فيطوي الفلسطينيون صفحة قرارات الشرعية الدولية مقابل الحصول على معظم حقوقهم، في حين ستضطر تل أبيب إلى التخلي عن جدارة القوة العسكرية وفك الحصار عن معظم مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، مع القبول بتبادل أراضٍ بين مناطق التجمعات الاستيطانية الكبيرة، ومناطق في حدود الـ48، مع تفكيك المستوطنات الصغيرة والمتوسطة. وهو ما تخشى إسرائيل أن يكون ثمنه الباهظ في المستقبل المنظور هو الذوبان، والكف عن السياسات العنصرية والتوسعية.


فكيف تفخخ إسرائيل هذه المسيرة؟ وكيف ستسعى لإجهاض المخطط الذي سيفقدها أراضي تحتلها، وفي الوقت نفسه سيفجر خلافات داخلية مؤجلة مع رافضي الصهيونية من جانب ومع عتاة المتشددين من جانب آخر، ناهيك بخلافات قديمة جديدة بين المعسكرين العلماني المؤسس للدولة ومعسكر المتدينين بتصنيفاته الداخلية؟


من يتابع المحطات الرئيسية في التاريخ المعاصر للمجتمع الإسرائيلي سيجد أن تفجير ملفات فساد مؤجلة ضد نتانياهو على يد قائد الشرطة الذي عينّه بنفسه، وبشهادة شهود مقربين لنتانياهو، هي مجرد آلية لتعطيل المسيرة وصرف النظر عن رفض علني صريح لصفقة القرن، وكذلك نجد أن الدولة الإسرائيلية العميقة اختارت الأسابيع الحالية لتفجير قضية تجنيد المتدينين، على رغم أن اتفاق الوضع الراهن بين العلمانيين والمتدينين الذي ينظم هذا الملف يرجع لعام 1947، ومع العلم أن المتدينين الحريديم الرافضين الخدمة بعامة، ولتجنيد الفتيات بخاصة، يلتزمون بطريقة حياة، وسلم أولويات لا يجعلهم صالحين لتجنيد حقيقي، لكن فقط لتجنيد رمزي في وحدات مرفهة. فما الذي يدفع الحكومة الإسرائيلية لاختلاق هذه الأزمة الداخلية وتقديم مقترح بحل وسط صاغته وزيرة العدل وتم رفضه من قبل الحريديم وممثليهم في الائتلاف الحكومي والكنيست، مهددين بعدم تمرير ميزانية 2019 طالما لم يتم إسقاط الفكرة نهائياً؟


الإجابة يمكن استخلاصها بربط ما يحدث وسيحدث بفاتورة يجب أن تسدد بعد نقل السفارة الأميركية للقدس، إذ تجد الإدارة الأميركية نفسها مطالبة بالضغط على حكومة نتانياهو لتقديم ترضية ما من خلال ما يشبه الكتاب الأبيض الذي صدر بعد وعد بلفور، وهو ما قد تقابله تل أبيب بمناورة كبرى تتهرب من تسديد تلك الفاتورة، بخاصة بعد غضبة الرأي العام العالمي إزاء القرار الأميركي والذي تواكب مع مسيرات العودة وسقوط أكثر من مئة شهيد خلالها.


التضحية غير المستبعدة بنتانياهو لتعطيل صفقة القرن و "تسكين" الخواطر العربية والمساندة لها دوليا، تذكّرنا بسابق التخلص من رئيس الوزراء اسحق رابين سواء بالتآمر أو التواطؤ أو الصمت أو التحريض العلني، حين أطلق تعهدات كتابية ثم مفاوضات جادة مع السوريين حول هضبة الجولان، وهي المفاوضات التي وصلت إلى مستوى التفاوض بين رئيسي الأركان في الجانبين على التفاصيل الدقيقة. تمت إزاحة رابين من المشهد باغتياله. وحين استكمل إيهود أولمرت المسيرة بلقاء عابر مع بشار الأسد تعالت أصوات لماذا نعيد الأرض طالما لا توجد حال حرب، واستقال وقتها عضو المفاوضات غير المباشرة يورام تورفوفيتس، أملاً بتغيير سياسات الإدارة الأميركية بعد الانتخابات، وحين لم يتحقق المخطط تم اللجوء للسيناريو البديل بسجن رئيس الوزراء إيهود أولمرت بتهمة الفساد.


سيناريو شبيه تم مع إيهود باراك رئيس الوزراء الذي وصل إلى مرحلة متقدمة في المفاوضات مع ياسر عرفات، لكنه فجأة وبعد عام ونصف من فوزه في الانتخابات على نتانياهو توجه إلى انتخابات مبكرة (عام 2001)، وتلقى هزيمة مدوية من أرييل شارون زعيم الليكود المتطرف، وفجأة قرر اعتزال العمل السياسي.


وإذا عدنا إلى المرحلة الحالية سنجد أن مصر تسعى لاستباق صفقة القرن، واستكمال المصالحة الفلسطينية-الفلسطينية، وسيتعزز دورها الطبيعي كراعٍ نزيهٍ للمفاوضات النهائية، بعد استقرار أوضاعها الإقتصادية. وهو ما يجعل إسرائيل تسارع في تجهيز سيناريو أو مناورة تجاوز صفقة القرن، بخاصة وأن عوامل إسقاط حكومة نتانياهو من الداخل قائمة حتى من دون إدانة نتانياهو وسجنه، ومن دون انفجار أزمة تجنيد طلبة المعاهد الدينية اليهودية، فإذا كان وزير الإحتلال الإسرائيلي أعرب صراحة عن احتمال عقد انتخابات جديدة وإسقاط الائتلاف الحكومي الحالي برئاسة نتانياهو، فإن استمرار دعم نفتالي بينيت زعيم حزب البيت اليهودي (المعبر عن الصهيونية الدينية) ليس مضموناً.


وعلى هذا يكون تعطيل صفقة القرن حتى قبل إطلاقها رسمياً احتمالاً وارداً بقوة وسيكون المتضرر في كل الأحوال هو نتانياهو لأنها ببساطة ستعيد احياء اتفاقية أوسلو بعد موتها الرسمي بسنوات وسنوات، وستمنح قبلة الحياة للمبادرة العربية التي سبق لإسرائيل رفضها.


والسيناريو المفضل هو إطاحة نتانياهو في الانتخابات المقبلة بتحالف بين يمين الوسط واليسار بتنسيق بين وزير الدفاع السابق موشيه ياعلون الغاضب للغاية من نتانياهو، وبين إيهود باراك قائد معسكر اليسار الذي بدأ يخرج من سباته الطويل بسلسلة من التصريحات النارية ضد نتانياهو وسياساته في ظل إصرار الأخير على عدم نقل صلاحياته إلى أحد الوزراء حتى يتم حسم ملف الفساد ضده.


وبالطبع سيظل احتمال إدانة نتانياهو- أو زوجته أو ابنه- قائماً لكونه حدثاً من شأنه إلهاء الرأي العام الداخلي والغربي أيضاً عن الضغط على إسرائيل لقبول صفقة القرن، مع إتاحة فسحة من الوقت لإسرائيل لتعيد ترتيب أوراقها والاستقرار على قيادة جديدة، أملا بردود فعل متهورة من الجانب الفلسطيني على الصفقة، أو تغير الإدارة الأميركية ذاتها سواء بمرور الوقت أو بإدانة ترامب في قضية الاتصال بالروس في الانتخابات، أو ملف التهرب الضريبي المعلق هو الآخر من دون حسم!


ليست لدينا رفاهية عدم الإعداد الجيد لكل السيناريوات المحتملة، ومن المصلحة، بل والمسؤولية التاريخية أن يتم التنسيق العربي المسبق لاستعادة أكبر مقدار من الحقوق على طريقة «خذ ثم طالب»، أو حتى "تقليص الخسائر".