• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

مؤتمر واشنطن .. فهلوة السياسة ....وخبثها..!

مؤتمر واشنطن .. فهلوة السياسة ....وخبثها..!
أكرم عطا الله

في كلمته أمام الحاضرين في مؤتمر واشنطن الذي عقد في البيت الأبيض لنقاش الأزمة الإنسانية في قطاع غزة قام مبعوث الرئيس الأميركي جيسون غرينبلات بتقزيم المؤتمر الذي دعا 20 دولة لحضوره حين خاطب مندوبيها في كلمته الافتتاحية قائلا، "آمل أن نكون في نهاية هذا المؤتمر قد تمكنا من الاتفاق على بعض الاقتراحات التي يمكن أن نقدمها للجنة الاتصال المتخصصة في بروكسل وهدفنا هو دعم لجنة الاتصال".


هكذا بكل استخفاف، 20 دولة قطعت رحلة فوق المحيط لتقدم اقتراحات لا أكثر وكأن الولايات المتحدة الأميركية عاجزة عن فهم ما الذي تريده وأن ليس لديها سيناريوهات معدة وأن حالة الشفقة على غزة دعتها للاستعانة بالعالم كي تضع حلولا لهذه الأزمة، والجميع يعرف أن جزءا من أزمة غزة التي تتفاقم هو بسبب وقف الأموال الأميركية عن موازنة "الأونروا" أو بسبب موافقتها على الحصار الإسرائيلي لغزة وإحداث كل هذه الكارثة الإنسانية بما يشبه حزن القاتل على الضحية.


لكن الأكثر استفزازا في خطاب غرينبلات الافتتاحي هو الطلب من الحضور القيام بزيارة الجانب الإسرائيلي من الحدود للاطلاع كما قال على المعاناة التي يعيشونها بسبب تهديد غزة و"حماس" بل تمادى أكثر عندما طلب منهم أيضا الالتقاء بعائلات الجنود الإسرائيليين دون ذكر الأسرى الفلسطينيين وحرمان المرضى الفلسطينيين ومرضى السرطان من العبور لأسباب أمنية وكثير من المآسي التي يسببها الحصار الإسرائيلي لغزة ما جعل احد الأصدقاء يعلق قائلا، "هذا الخطاب كان يليق بأن يتم تذييله باسم منسق شؤون المناطق بولي مردخاي الذي كان حاضرا للمؤتمر ثم استدرك قائلا، ربما كان مردخاي أكثر رحمة على الغزيين من غرينبلات نفسه.


وإذا كان المؤتمر تم تبهيت نتائجه قبل أن يبدأ فلماذا عقدته الولايات المتحدة بهذا الشكل المفاجئ؟ وهل لتدعو الدول المشاركة بالتبرع في حين أنها من يقوم بحجب الأموال عن الفلسطينيين وعن غزة وعن وكالة الغوث التي تعتبر إحدى أهم مؤسسات الإغاثة في غزة الكثيفة باللاجئين الذين يتلقون المساعدات الغذائية ويصل عددهم إلى مليون؟.


إن نقاش القضية الفلسطينية كقضية إنسانية هو أمر في غاية الخطورة كأنه يعيدنا إلى نقطة الصفر بعد النكبة عندما تحولت قضية فلسطين إلى قضية إنسانية لإغاثة من تم تشريدهم من أراضيهم. ونقاش الأمر الإنساني في غزة منعزلا عن جوهر القضية الوطنية بشكل منفصل ينذر بشيء من الخوف ومع غياب السلطة الوطنية التي رفضت حضور المؤتمر يزداد القلق أكثر وخصوصا مع رأي ليبرمان بحل القضية إقليميا مع الدول العربية وتجاوز الفلسطينيين.


لكن ما حدث في المؤتمر أهم كثيرا من النتائج المتواضعة له وهو ما يجيب عن السؤال لماذا عقد المؤتمر فإن السبب الرئيسي لعقده كان في غاية الأهمية، وهو استدراج السلطة لإنهاء مقاطعتها للولايات المتحدة الأميركية تمهيدا لمسارات سياسية قادمة أي كسر موقف السلطة، وقد كانت الولايات المتحدة ترى أن ذلك ممكن بعد اجتماع القاهرة الذي ناقش أوضاع غزة والذي شارك فيه وفد من السلطة.


قبل حوالي عام وبالتحديد في شباط من العام الماضي عندما كان نتنياهو يتحضر لزيارة واشنطن وللقائه الأول مع الرئيس ترامب اجتمع مع مستشاريه لتحديد المطلب من الرئيس الأميركي وللغرابة فقد طلبوا منه ألا يتحدث في نقل السفارة بل التركيز على موضوعين، الأول الملف النووي الإيراني والثاني الضغط على الدول العربية لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، وهنا كان اقتراح المؤتمر الإقليمي أي استخدام الفلسطيني جسرا للعبور الإسرائيلي نحو العواصم العربية وما حدث في واشنطن وما حدث خلال الأشهر الماضية أن التطبيع كان يسير أسرع مما توقعت إسرائيل وأن الفلسطيني فقد أهميته حتى كمحلل لذلك التطبيع وإن كان لا زال يتم استخدامه وإن ليس بشكل سياسي لينتقلوا إلى الجانب الإنساني المهم هنا التطبيع وإشهار العلاقة مع دول الخليج.


أن يدعي غرينبلات الشفقة على قطاع غزة الذي يستحق الشفقة حقا فإن في هذا ما يصفع الفلسطيني الذي يجب أن يهتز ضميره لما يحدث في هذه المنطقة ولأن الجزء الأكبر من هذه الكارثة الإنسانية هو من صنع الفلسطينيين أنفسهم، والأكثر حزنا هو مستوى الأداء الفلسطيني الذي صنع الأزمة ولكنه أدنى كثيرا من مستوى الخروج منها .. هذا المستوى الذي جعلنا مدعاة للتسول لا يليق بنا وجعل من غزة جسر التواصل بين العرب وإسرائيل.


كيف حدث ذلك وبيد من؟ دعونا نكف عن توزيع الاتهامات الكونية، فالولايات المتحدة ليست راعية الدولة الفلسطينية بل إنها الدولة التي تقف بقوة ضدها في الأمم المتحدة ومجلس الأمن فقد حطمت الأرقام القياسية في استخدام الفيتو ضدنا، ودعونا نتواضع في إلقاء كل التهم على إسرائيل فهي خصم يزاحمنا بقوة على هذه الأرض ويتمنى فناءنا وأن إقامة كيان سياسي فلسطيني جدي هو على النقيض من مشروعها، هي تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية ولكن هل نحن بريئون من دمنا إلى هذا الحد؟
إن أزمة غزة التي استفحلت منذ العام 2007 واشتد حصارها وتحولت إلى حالة إنسانية هي نتاج صراع داخلي على السلطة، هذا كان أمام أعيننا وتلك واحدة من حقائق التاريخ التي لا يمكن تجاهلها، فحركة حماس ارتكبت الجريمة والسلطة بإجراءاتها التي اتخذتها منذ عام أوصلت القطاع إلى حافة الهاوية لتضعا سويا غزة على رصيف التسول والشفقة وتعطيا لغرينبلات وغيره فرصة نقاش غزة كوحدة مستقلة وبشكل إنساني وفي إطارها يتم تمرير كل ما تريده إسرائيل من فصل للقضايا وتطبيع العربي معها، وتلك ربما تفتح على أسئلة إدارة المشروع الوطني والاعتراف بأننا من سهل على إسرائيل كل شيء وأننا أدرنا قضيتنا بمستوى يدعو للرثاء .. الحقيقة أننا أصغر كثيرا من قضيتنا وهنا كلمة السر في كل ما يحدث لنا وما سيحدث وما بين من يقود السياسة بالفهلوة ومن يقودها بخبث شديد، من الطبيعي أن نرى المشهد أمامنا من واشنطن لغزة...!