• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

في تاريخ الجزائر... نقرأ مستقبل فلسطين

في تاريخ الجزائر... نقرأ مستقبل فلسطين
د. سليم قلالة

ليس غريبا أن يتعلق الجزائريون بفلسطين ويتعلق الفلسطينيون بالجزائر تاريخا وشعبا، لأنهما معًا عرفا الاستعمار الاستيطاني ذاته، وكلاهما حاولت القوات المحتلة لأراضيهم التغيير من طبيعة الدين والإنسان والأرض واللغة والثقافة لديهم. الجزائر استعادت سيادتها الوطنية ومازالت تقاوم بقايا الاستعمار الجديد، وبقايا الهيمنة الثقافية، وفلسطين في طريقها إلى ذلك وهي تعلم علم اليقين أنها ستستعيد هويتها وشخصياتها ذات يوم ...


ليس غريبا أن يوصي الراحل ياسر عرفات أبناء فلسطين بالقول، إذا ضاقت بكم الدنيا توجهوا إلى الجزائر، وليس غريبا أن يرفع الجزائريون غداة الاستقلال ذلك الشعار القائل إن استقلال بلدهم يبقى منقوصا ما لم تتحرر فلسطين، أو أن يصدحوا بأنهم معها ظالمة أو مظلومة على حد قول الراحل الرئيس "هواري بومدين"، ذلك أنهما معا عرفا ذات الواقع الأليم جراء استعمار استيطاني ظالم، وكلاهما دفع الثمن غاليا لكي يبقى ويقاوم ويتحرر.


فجر يوم 14 جوان 1830 وضع أول جندي فرنسي غازٍ قدمه على شاطئ سيدي فرج، وتبعه أكثر من 37 ألف من العساكر المدججين بالسلاح، سارعوا من اليوم الأول إلى حفر الخنادق والتمترس بذلك الشاطئ الغربي البعيد عن عاصمة الدولة الجزائر بنحو 25 كلم، ومن البداية كانت النية مُبيَّتة، الإطاحة بهذه الدولة حَامية الدين والحضارة والمورسكيين الفارين من بطش غلاة المسيحية في الأندلس، والتي أبقت القسم الغربي من البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية لأكثر من 05 قرون، وكان الرمز الأول لهذه النية المُبيَّتة مسجد سيدي فرج، حيث ضريح الولي الصالح الذي سُمي باسمه، ففي الساعات الأولى للاحتلال تم تحويله إلى مقر لقيادة الجنرال دوبرمون، واستبدلت به راية الهلال براية الصليب ونُصبت من على مئذنته المدافع رمز القوة التي ستفتك بالجزائريين طيلة قرن وربع القرن.


وإن لم يجر الأمر بنفس الصورة في فلسطين، فإن الغاية منه كانت واحدة. في هذا البلد تسلل الصهاينة إليه منذ أن صدر وعد وزير الخارجية البريطاني "بلفور" بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين سنة 1917، واستمروا هناك يتحيَّنون الفرصة في ظل الانتداب البريطاني محتمين بقواته العسكرية إلى أن اقترب موعد انسحاب هؤلاء سنة 1948، فكانوا يَحلُّون محله بتواطؤ منه معلوم، ليُعلنوا قيام دولتهم فيما احتلوه من أرض في تلك السنة، ثم ليتوسعوا تدريجيا في باقي إقليم فلسطين، إلى أن أصبحوا اليوم لا يعترفون بأي جزء من هذا الإقليم للفلسطينيين ويزيدون على ذلك بإعلان القدس عاصمة أبدية لهم.


هكذا أيضا كانت حلمة الجنرال دوبرمون، احتلال منطقة صغيرة في الساحل الغربي لمدينة العاصمة، ثم احتلال العاصمة في 05 جويلية من العام 1830، ثم الشروع في الاستيطان بقرار ملكي لا رجعة فيه... ثم احتلال كل الجزائر، ثم إعلانها مقاطعة فرنسية وتسميتها بالجزائر الفرنسية...


ألا نُدرك بأن أعداد المستعمرين بدأت في السنوات الأولى محتشمة في الجزائر، أول 50 عائلة جيء بها من ألمانيا، نُصبت لها الخيام بدالي ابراهيم كأول مستعمرة، ثم بضعة عائلات في سطاوالي (حوالي 25) وأخرى في عين بنيان والشراقة، إلى حين صدر مخطط "أوجان غيوت" 1842 المعروف باسم Plan Guyot لإنشاء مستعمرات للأوروبيين على طول الساحل الغربي لمدينة الجزائر. وبدأت تنشأ المستعمرات الفرنسية الواحدة تلوى الأخرى على أرض الجزائر الطاهرة إلى أن عمّت كل ربوعها، وأخذت معظمها أسماء عسكريين غزاة عاثوا في الأرض فسادا، من  (عين بنيان) التي أصبحت تُسمىGuyot ville  باسم أول مهندس للمستعمرات EugèneGuyot، إلى سانت أرنوا (العلمة حاليا) قائد أكبر عملية إبادة ضد القبائل الجزائرية باعترافه الشخصي فيما كتب من مذكرات.


وقد تكرر ذات الشيء مع الفلسطينيين بعد سنة 1948، مُدن بكاملها تأخذ أسماء يهودية، ومستوطنات تنشأ في كل ربوع فلسطين لاستقبال مزيد من المهاجرين اليهود من شتى أصقاع العالم، وتهجير مستمر للسكان الأصليين من قراهم ومساكنهم وتشريدهم وقتل الآلاف منهم لإخلاء مناطق جديدة وبناء مستوطنات أخرى. ووصل الأمر إلى عاصمة فلسطين، حيث جرى تهويدها ومازال يجري في محاولة لطمس كل وجود عربي أو إسلامي أو مسيحي، وآخرها كانت رمزية إعلانها عاصمة للكيان الاسرائيلي، وتأكيد الأمريكيين لذلك منذ أيام في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب.


فهل هناك أكثر من هذا التطابق في تاريخ الاستيطان بين البلدين ليعطي تاريخ الجزائر للفلسطينيين الدليل الحي، بأن النصر قادم بإذن الله وأنهم عائدون ومنتصرون؟ بدون شك الأمر كذلك. إذْ كما عادت المدن التي أنشأها الفرنسيون لأنفسهم وسَمَّوها بأسمائهم، إلى الجزائريين، وكما حَرَّرت ثورة نوفمبر كل الجزائر سيحدث ذات الشيء بالنسبة للقرى والمدن الفلسطينية ولعاصمة فلسطين القدس الشريف.


التجربة الجزائرية هي المَثل الحي بالنسبة للفلسطينيين، وما حدث للجزائريين هو الذي يزوّد أبناء فلسطين بالاستمرار بتلك الثقة في النصر القريب بإذن الله.


مَن كان يعتقد أن تنتهي أسماء تلك المدن الفرنسية من ذاكرة الجزائريين، مَن كان يعتقد أن تلك الترسانة العسكرية الهائلة التي استعانت بها فرنسا أثناء الاحتلال تنهزم؟ من كان يعتقد أن شعبا أعزل سينتصر على قوات جهنمية يساندها الحلف الأطلسي؟  مَن كان يعتقد أن عشرات الآلاف من الأسرى الجزائريين سيُحرَّرون، ومئات الآلاف من المُهجَّرين قسرا سيعودون عبر الحدود إلى ديارهم؟ مَن كان يعتقد أن ملايين الهكتارات المزروعة بالألغام المضادة للأفراد سيتم تنقيتها من بقايا آلة الموت الاستعمارية؟


هي ذي الحقائق التي تشكل اليوم القاعدة الواقعية والصلبة التي تجمع بين الفلسطينيين والجزائريين، إننا نرى في إخواننا الفلسطينيين ذلك القمع الوحشي، وذلك الاستعمار الغاشم الذي عشناها، وهم يرون في حاضرنا تلك الحرية الغالية والسيادة التامة التي أصبحت على أراضينا بعد صبر طويل وتضحيات جسام..


ولعلنا في كل مرة نرى إخواننا في فلسطين يعيشون المأساة نتذكر مأساتنا فنتضامن معهم بلا حدود ونقف إلى جانبهم في كل المواقف، ولعلهم في كل مرة تضيق أمام أعينهم فسحة الأمل، وتسيطر عليهم قوى الظلم  وتضيق بهم الدنيا بما رحبت، يتذكرون الجزائر فيزدادوا صبرا وقوة وثقة في النصر القريب.


هي ذي بعض العناصر الأولى المشكلة للتاريخ  المشترك بين الجزائر وفلسطين، ووحدها كافية لتزيد ذلك الرباط المتين بين الشعبين قوة، ولتؤكد أنهما إذ اشتركا في ماضٍ واحد وابتليا باستعمار استيطاني جوهره واحد، سيشتركان في مستقبل واحد وإن كان الفارق بين احتلال هذا واحتلال الآخر أكثر من قرن من الزمن.


إننا، إذا أردنا أن نستشف مستقبل فلسطين، فليس أمامنا  إلا قراءة تاريخ الجزائر، ولا أظن أنه توجد تجربة يمكنها أن ترشدنا عن مستقبل فلسطين أكثر من تجربة الجزائر، فهي الدليل الحي أن الاستعمار الاستيطاني الغاشم والاحتلال بالقوة مصيره الزوال مهما طال، والظلم مهما استقوى أو قوي فمصيره الانهزام. ولو قرأ اليهود تاريخ الجزائر جيدا ما  تمادوا في ظلمهم للشعب الفلسطيني كإسرائيليين وصهاينة، ولما أصروا على تهويد بلدهم كلها، ولاختاروا العيش معه في ظل سلام عادل مستدام وغير قابل للزوال قائم على حق الجميع في العيش بكرامة وبلا ذل ومهانة مهما كان الدين أو كانت اللغة أو كانت القومية. فلسطين أرض جميع الديانات السماوية، وهي لأهلها الشرعيين مهما كانت هذه الديانات، وليست للذين استولوا عليها عنوة بغير وجه حق، وطردوا مَن سبقوهم بالسيادة عليها قبل قرون.