• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

الاحتراب الطائفى لعبة سياسية وليس اختلافاً دينياً!

الاحتراب الطائفى لعبة سياسية وليس اختلافاً دينياً!
الحبيب علي الجفري

الحمد لله..


الاحتراب الداخلى على أساس طائفى هزيمة محقّقة لسائر الأطراف المتحاربة.


ولا يؤيده من المنتسبين إلى التديّن سوى السُذّج القاصرة أنظارهم عن رؤية المآلات، أو من أعمت العصبية والرغبة فى الانتقام بصائرهم، أو من باعوا دينهم بعَرَض من الدنيا قليل.


ومن النتائج المستقبلية لاستمراره انتشار العلمانية المتطرّفة وتمكّنها فى المنطقة، ولنا فى حرب «الثلاثين عاماً» الأوروبية بين الكاثوليك واللوثريين «البروتستانت» عبرة لمن يعتبر.


والعجيب أنّ «حرب الثلاثين عاماً» كانت سياسية بامتياز، غير أنها أُلبست ثوب الدين لما للعقيدة من أثر فى تحريك عواطف الجماهير، تماماً كما هو حال الاحتراب الطائفى فى منطقتنا!


وذلك أنّ كاردينال فرنسا «الكاثوليكى» ريشيليو دعم فى تلك الحرب «البروتستانت» الألمان والسويديين والدانماركيين ضد سلطة الإمبراطورية الرومانية المقدسة «الكاثوليكية»، لتقوية استقلال فرنسا عن نفوذ الفاتيكان وإضعاف قوة إسبانيا «الكاثوليكية» لكونها المنافس القوى لفرنسا آنذاك.


وهو من قاتل البروتستانت فى فرنسا وجرّدهم من الإمكانيات العسكرية، ثم أعطاهم حقوق المواطنة الكاملة المتساوية مع الكاثوليك، حتى يضع حدّاً لاستغلال بريطانيا معاناتهم فى إثارة المزيد من الحروب الدينية الداخلية فى فرنسا، وهو ما أغضب بابا الفاتيكان وجعله يعتمد الشائعات حول فسوق الكاردينال، ويُلقبه ببطريرك الكَفَرة!


ورغم كون هذه الحرب فى جوهرها سياسية وليست دينية غير أنّ الأوروبيين حمّلوا الدين مسئوليتها، وكانت من مقدمات الثورة الفرنسية الدموية ذات الهوية العلمانية المتطرّفة، التى كان شعارها «سنخنق آخر إقطاعى بأمعاء آخر قسيس».


والأعجب من ذلك أنّ كُتّاباً غربيين نظّروا فى ما سبق لما يحصل فى منطقتنا اليوم، واعتبره بعضهم «ضرورة» لإحداث نقلة حضارية فى منطقتنا، بمعنى تشجيع الاحتراب الداخلى على أسس طائفية!


ومن يقرأ ما كتبه «يوشكا فيشر» أو «توماس فريدمان» وغيرهما حول هذا الموضوع يجد الأمر واضحاً جلياً لا لبس فيه، وكذلك من يقرأ لِمُنظّرى ما يُسمّى بنظرية «الفوضى الخلّاقة creative chaos»، بداية من «نيقولا ميكافيللى» و«جوزيف شومبيتر»، وصولاً إلى «مايكل لِدين» و«صموئيل هَنتِنجتون» و«فرانسيس فوكوياما»، وما سبق ذلك من طرح الفيلسوف «إيمانويل كانْت» لمفهوم «المجتمع الفوضوى»، يدرك حقيقة أنّ ما يجرى فى منطقتنا لا ناقة للدين فيه ولا جمل، وأنه جزء من اللعبة السياسية القذرة.


وقبل أن يتساءل البعض عن كون الدين وسيلة قابلة للاستغلال السياسى، ومن ثَمّ فمن الأفضل تجنيبه الشأن العام، أُذكّر بأنّ كل مبدأ له تأثير فى الناس وقدرة على تحريكهم يمكن استغلاله لغير مقصوده، ومن ذلك العمل الخيرى، وحقوق الإنسان، والسبل الديمقراطية وغيرها.


وإذا كُنّا سنستعيض عن تقويم المُستغِل وردعه بإقصاء المُستَغَل ورفضه فإننا لن نستبقى لترشيد حياتنا ديناً ولا أخلاقاً ولا عَمَلاً خيرياً ولا حقوقاً للإنسان.


فجميع ما ذُكر يجرى استغلاله فى مختلف الاتجاهات، ومنها إراقة الدماء وإشعال الحروب، وكم هى الحروب الظالمة التى أُشعلت باسم قيمٍ علمانية كالديمقراطية! وكم هى الحروب المدمّرة التى أُشعلت باسم قيمٍ ليبرالية كحقوق الأقليات!


لكن كل ذلك لا يُبرّر التذرّع بنظرية المؤامرة فى التخلى عن المسئولية، وإلقاء اللوم على الآخرين فى الشرق والغرب، فلولا ثغرات فينا ما تمكن الآخرون منا.


كما أنه لا يعفينا من مسئوليتنا تجاه تقويم الخطاب الدينى، وانتهاض المفاهيم الأخلاقية، وإعلاء قيمة العمل، وتصحيح الأداء السياسى والاقتصادى.


لكنه يستصرخنا علّنا نفيق قبل فوات الأوان، حتى لا نُخرّب بيوتنا بأيدينا، ونُدمّر أوطاننا بحماقاتنا، ونتحول إلى ألعوبة فى يد ساسة العالم، وأضحوكة بين الأمم.


والعاقل من اتّعظ بغيره، لا من كان عِظةً لهم.


اللهم رُدّ علينا رشدنا يا هادى يا حق.


 *نقلا عن الوطن المصرية