• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

إيران وتركيا .. الوجود من خلال النفى

إيران وتركيا .. الوجود من خلال النفى
د. نصر محمد عارف

في يوم 29 يوليو 1989، قبل وفاته بأربعين يوما نشر أستاذنا الدكاترة حامد ربيع رحمة الله عليه الحلقة الأولى من سلسلة مقالات في صحيفتي الوفد المصرية والخليج الإماراتية تحت عنوان «مصر والحرب القادمة» ونشرت الحلقة الأخيرة بعد إنتقاله إلى رحمة ربه يوم 9 سبتمبر 1989، وبعدها بعام وقعت الحرب القادمة بين التحالف الدولى والعراق، وبدأ تاريخ المنطقة يأخذ منعرجاً جديداً لم يخرج منه حتى اليوم، ولم تزل الأمة العربية تدفع حماقة غزو الكويت وستظل حتى تفيق من غفوتها التى شخصها حامد ربيع بصورة دقيقة فى إفتتاحية المقالة الأولى بقوله «فى تاريخ كل أمة تمر لحظة معينة، فإذا بها تصاب بنوع من الغشاوة الحقيقية: تضطرب مفاهيمها ويصيب مدركاتها عدم الوضوح، ويسيطر على عقلها عدم الصلاحية» المؤرخ يقف إزاء تلك الظاهرة فى حال ذهول: كيف حدث ذلك ولماذا حدث ذلك؟ هذه أمة تملك تقاليدها الواضحة الصريحة المقننة؛ فإذا بها وقد أصاب الاختلال كل مفاهيم الأمن القومي؛ فلم تعد قادرة على تحديد العدو، وفصله عن الصديق، وتنظيم مراتب العداوة وكذلك مراتب الصداقة.


تمر الأمة العربية فى هذه اللحظة التاريخية الحاسمة بحالة تشبه تماما ما قبل دخول العراق إلى الكويت، وارتكاب حماقة كانت فيها نهاية العراق العظيم، وخروجه من معادلة القوة العربية، وخروجه كذلك من التاريخ، وتحوله إلى حديقة خلفية للعرش الفارسى من خلال عصابات من مزدوجى الجنسية؛ سارقى المال العام، الذين جاءوا مع الغزو الأمريكى 2003، من عواصم أوروبا وأمريكا ومن طهران، والذين يضخون ثرواتهم إلى نفس العواصم التى جاءوا منها بعد أن حولوا العراق العظيم إلى ساحة لتفريغ كل عقد التاريخ وأزمات الجغرافيا، وقضوا على أكثر من جيل.


لقد تكرر نموذج العراق بنفس الآليات: الاستبداد يستدعى الاستعباد، القهر الداخلى يستدعى العدو الخارجي، مرحلة جديدة من التبعية الإرادية للخارج، واستدعاء الاستعمار من جديد حتى ولو تم دفع تكاليفه، هذا ما تمخضت عنه ثورات الربيع العربى التى تحولت إلى شتاء، ثم خريف تسقط فيه كل الأوراق، ويصير كل شئ قابلا للاشتعال؛ فتندلع الحرائق فى كل مكانة والمستفيد دائما موجود، والمتربص حاضر ومنتظر الغفلة أو التهورةالمتربص بالعرب عواصم أربع: طهران وأنقرة وتل أبيب، وأديس أبابا، كلٌ استفاد من الربيع العربى بطريقته، وحقق مشروعه العدائى بإسلوبه، والعرب مازالوا حبيسى الشعارات الجوفاء التى كانت سبباً فى هزيمة 1967، وفى ضياع العراق، ثم فى ضياع معظم الدول العربية من سوريا إلى ليبيا إلى اليمن. التحديات التى يواجهها العرب من دول الجوار فى هذه اللحظة التاريخية يمكن توصيفها بأنها «إستراتيجية الوجود من خلال النفى» أى أن هذه الدول الأربع «إيران وتركيا وإسرائيل وإثيوبيا» تسعى لتحقيق وجودها من خلال نفى الوجود العربى سواء فى أكثر من دولة، بحيث لا يمكن التعايش مع المشاريع الإستراتيجية لهذه الدول، ولا يمكن الوصول إلى حلول وسط معها، لانها تضع العالم العربى أمام معادلة صفرية كاملة، إما أن تحقق كل من هذه الدول الأربع أهدافها ومشروعها الوطني، وإما أن تفعل الدول العربية مثل ذلك.


يعود الفضل فى تقديم نموذج «الوجود من خلال النفى» إلى أستاذتى ومعلمتي، الدكتورة منى أبوالفضل رحمها الله تعالي، قدمت هذا النموذج فى أوائل ثمانينيات القرن الماضى حين كانت تدرسنا النظم السياسية العربية فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وكانت رحمها الله تطبقه على النموذج الإسرائيلي، ولم يكن يخطر ببالها أن إيران وتركيا اللتيين تمثلان امتدادا حضارياً للأمة العربية تتحولان إلى قوة تدمير لدول ومجتمعات، من أجل تحقيق مشروعات خيالية تعبر عن غرور وتضخم ذات، وعنصرية قومية مقيتة. ولعل القارئ يتساءل عن السبب وراء هذا الترتيب للدول التى تسعى لنفى الوجود العربي، وتدمير الدول العربية، وتفكيك مجتمعاتها، ولماذا تم وضع إيران أولا، ثم تركيا، ثم إسرائيل، وأخيراً إثيوبيا، والسبب، بعيداً عن العاطفية والشعارات يعود إلى مقدار التدمير والتفكيك الذى حققته كل من هذه الدول للأمة العربية، فإيران هى الخطر الأكبر على العرب دولا ومجتمعات كما يقول الواقع المعاصر، فقد دمرت العراق وفككته، وألحقته بها، ووظفت كل ما تملك من وسائل تأثير ابتداء من العقيدة والمرجعية الدينية، إلى توظيف العملاء، إلى إرسال الجنود والسلاح، حتى صار العراق العظيم لعبة فى يدها يقرر مصيره أحد مواطنيها، وينفذ له ما يشاء نخبة من أصحاب الجنسيتين الإيرانية والعراقية الذين يحكمون العراق، كذلك دمرت سوريا، وقضت على إمكانية العيش المشترك فيها، فحتى إن بقى النظام، وبقيت الدولة، إلا إن المجتمع السورى فقد تماسكه، ورغبته فى العيش المشترك، ونفس الأمر فى اليمن، وأخيرا صار لبنان رهينة فى يديها، أما تركيا فقد أوغلت فى تحطيم الدول العربية من أجل إعادة الخلافة العثمانية الجديدة، سوريا ومصر وليبيا وفلسطين، ثم تأتى إسرائيل التى انحصر تدميرها فى دولة فلسطين والجولان وصارت الثالثة من حيث مساحة التدمير وعمق الضرر الاجتماعي، أما إثيوبيا فقد استهدفت السودان وفككته. الوجود من خلال النفى هو التحدى الحقيقى للعرب ة لن يستطيع العرب الاستمرار فى الوجود مع السياسة الإيرانية والتركية والإسرائيلية والإثيوبية الحالية فعلينا أن نختار..إما أن نستمر فى الوجود دولا ومجتمعاتةوإما أن نترك الحكومات الإيرانية والتركية والإسرائيلية والإثيوبية تحقق مشاريعها وتنفذ استراتيجياتها؟ حين نقدر على الإجابة نكون قد حققنا الأمن القومي العربي.


نقلًا عن صحيفة «الأهرام» المصرية