تشويه معنى التقاعد
  • فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

تشويه معنى التقاعد

تشويه معنى التقاعد

جرى ويجري إقصاء موظفي السلطة الفلسطينية، تحت عنوان التقاعد. ويطبق اللا نظام، وجرت وتجري إطاحة العدالة، وهذه ممارسة سلطوية غير مسبوقة في تاريخ الأمم، ولا تليق إلا بمحمود عباس قاطع السمكة وذيلها. فهو الذي سخرته الأقدار لاختبار قدرة مؤمني فلسطين مع التقصد الشائن لمؤمني غزة، على الصبر المرير، على أن يكون هذا الاختبار  امتحان الدنيا. ومثلما إن هذا البلاء، يبرع في تغليف كل قول وكل فعل، بأي كلام، لكي يوحي للناس أن لديه قانون وأن لدية مسؤولين ساهرين على تنفيذ القانون، ومن بين هؤلاء حاجبه الأثير شحاتة، الماكث في أميته الهجائية، ورُغم ذلك يتسلم رئاسه مجلسه الأمني فيما هو يقترب من سن الثمانين، توخياً للاستفادة من خبرته كحارس سابق لقبو تحت بناية، مخصص لمواقف السيارات. فعباس يتحدث عن قانون إحالة الى التقاعد، أو يمارس هواية استصدار ما يسمى قرارات بقوانين، ولا يكلف نفسه إلقاء نظرة على تاريخ قوانين الإحالة الى التقاعد في الصومال، أو منذ أن ظهرت مثل هذه القوانين، للمرة الأولى، في ألمانيا، في الربع الأول من القرن التاسع عشر!


لكن عنصر الكوميديا السوداء، في كشوف المحالين الى التقاعد، ليس كون هذه الكشوف تشتمل على جنود شُبان ورقباء ومساعدون في الدرجات الأولى من سُلّم الموظفين والرُتب، وإنما في كونها أشبه بالمقالب التي يتسلى الطغاة الرعديدون بافتعالها، طلباً للتلذذ على معاناة البسطاء والأذكياء. فما جرى ويجري ضد أرزاق موظفي غزة، وخبز أبنائهم، يصلح قصة فيلم كوميدي لإسماعيل ياسين، إذ تنقلب قوة مسلحة على سلطته في منطقة غزة، فيعلن أن من يعمل مع العصاة الذين انقلبوا، يفقد وظيفته، ويلتزم الموظفون، ثم سرعان ما تبدأ عملية نحت رواتبهم، ثم تعلو نبرة الكلام بأنهم يقبضون دون أن يعملوا، وكأنهم أُمروا بالوقوف على رأس أعمالهم فامتنعوا، أو استنكفوا مثلما سُمعت الفصحنة الحمساوية فالتقطها المتنفذون في رام الله، عندما راقت اللفظة لحكومة عباس. ويتواصل قضم الرواتب، حتى باتت تغطي كلفة الخبز دون غماس. وتكون خاتمة فيلم ياسين، أن القوة التي انقلبت، وهي شاهدة على ما حدث، تتوسط أو تشترط، إنصاف الحزاني الذين انقلبت عليهم. فهي تعرف أن 35% من شهداء انتفاضة الأقصى، كانت من بين صفوفهم!


 في السياق، كانت سلطة شحاتة، تفتح فمها لتلقي التقارير الكيدية، من أوغاد ومن رمم، عن ممالئين لحماس من بين الموظفين الملتزمين بقرارها، وكان ذلك من نوع التزيد في القضم بالجراحة والقص. وبعد أن تفاقم الإنهاك، تحولت هذه السلطة، الى التعاطي مع غزة كلها، باعتبارها موظفاً متمرداً على شرعيتها، فيما المجتمعات مخازن للفضائل. كل ذلك بينما سلطة شحاتة، تكذب وتزعم أنها تصرف على غزة 65% من موازنتها، كما هي لغتها ومنطقها في تطيير الحِيَلْ. والأدهى، أنه عندما جاء موعد عودة الموظفين الى أعمالهم، بشفاعة المصالحة؛ تأججت غريزة الإقصاء، بذريعة أن الموظفين العسكريين تقدموا في السن، وكأن عباس يتهيأ لمرحلة ستضطر فيها قواته الى تسلق الجبال والاشتباك مع العدو، على مسافة نصف المتر، بقيادة الجنرال شحاته، ما يستوجب الاستعانة بجنود دون سن العشرين!


لا مجال هنا، لشرح أكثر قوانين التقاعد تواضعاً، ولا في شرح معنى التقاعد المبكر، الذي هو طوعي في جوهره وليس إقصائياً. ولا مجال أيضاً لشرح الأصول المحاسبية لتعيين مبالغ الرواتب التقاعدية لكي لا تكون شبيهة الصدقات الضحلة. فما جرى ويجري، جريمة كاملة الأركان، موصولة بالمعنى الذي يراه عباس للمُعطى المالي: مصدره وأسباب وصوله الى يده، والمحددات النظامية للصرف، وحقوق الموظفين منه وحقوق المجتمع. فالمدخن ودافع الرسوم والضرائب، ومن يرزقهم الله بالمواليد ويستصدرون شهادات ميلاد، ومسجلي الأراضي وحافري الآبار والتجار وغيرهم، فضلاً عن جهات الإعانة ودعم موازنة السلطة؛ كل هؤلاء مسهمون في تجميع المال الذي بات في يد عباس. لكن الرجل يكره القوانين مثلما يكره الموالين له بخلاف كراهية خصومه، ويُحب المال حُباً جما.


لم يحدث في تاريخ سلطات الأمم، أن تخطى الاستبداد في الحكم، مربع السياسة والأمن، لكي يستبد ويهجم على جبهة الخبز، ويحتبس حتى رواتب المتقاعدين التي تُصرف من مدخراتهم ومن شقاء أعمارهم!


مثلما يقول مثل فرنسي: إن للآلام جمالها. فليس أجمل من أن تتحول كل هذه المظالم الى مفردات متداولة في المشهد السياسي الفلسطيني، والى وعي يدحض التسحيج، والى معرفة تساعد على الفرز، بحيث يُضمر العارفون العزم، على ألا يشارك في العمل العام، مستقبلاً، المتنفذون الذين ساعدوا عباس في تشويه معنى التقاعد، أو سكتوا على أفاعيله!

كلمات دالّة: