عاجل
عاجل
  • فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

الانسحاب من «يونيسكو»: درس لترامب ونتانياهو

الانسحاب من «يونيسكو»: درس لترامب ونتانياهو
موسى برهومة

 


ما يستوقف في قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو)، ليس فقط أنّ الولايات المتحدة، بانسحاباتها المتتالية من المنظمات والمعاهدات الدولية، تفرض على نفسها عزلة سياسية تتناقض مع طموحها الإمبراطوري، بل أيضاً المبررات التي ترافق هذه القرارات الطائشة.


وكان أول ردود الفعل آتياً من تل أبيب، إذ علق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو على القرار بأنه «شجاع وأخلاقي» لأنّ المنظمة الدولية، بحسب ادعائه، أصبحت «مسرح عبث، وبدلاً من الحفاظ على التاريخ، شوهته».


ويضمر تصريح نتانياهو قضيتين لا بد من مناقشتهما، الأولى أنه يقيّم الفعل أخلاقياً، بمعنى أنّ لدى رئيس وزراء إسرائيل قيماً أخلاقية، أو منظومة فكرية ومفاهيمية لمعنى الأخلاق، بحيث يصف القرار الترامبي الأهوج بأنه فعل شجاع. وأخلاقية نتانياهو هي ذاتها التي تحرّكه وتغذي أفعاله وقراراته في قضم الأراضي الفلسطينية كل يوم، وخنق الفلسطينيين، والزجّ بهم في السجون ونسف البيوت ومصادرة الحياة وأنفاسها.


ويكفي أن يفتح المراقب ملف المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني، ليدرك حجم الفظائع «الأخلاقية» التي يرتكبها هذا الاحتلال الأكثر توحشاً وابتعاداً من الأخلاقية في التاريخ، فمنذ 1948، سجلت مليون حالة اعتقال نفذتها سلطات الاحتلال، وفق تقرير مشترك أصدرته، أخيراً، مؤسسات هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين، ونادي الأسير، والجهاز المركزي للإحصاء. وأفاد التقرير بأنّ عدد الفلسطينيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية يقدر بحوالى 5600 أسير، بينهم 57 امرأة (بينهم 13 فتاة قاصراً) و300 طفل.


ولو أصغى نتانياهو لأنين أهالي المعتقلين والمعتقلات، وأمهات الأطفال والطفلات وراء قضبان العتمة والتنكيل والتعذيب والازدراء الإنساني، لما تفوه بالعبارة الأخلاقية، ولأغلق فمه، واكتفى بالتصفيق لرعونة ترامب الذي يقدم منذ انتخابه الرشاوى لإسرائيل، ظناً منه أنها خير سند له في العواصف السياسية التي تحيط به إحاطة السوار بالمعصم.


أما القضية الأخرى التي يضمرها تعليق نتانياهو على انسحاب أميركا من اليونيسكو، فهي اتهام المنظمة الدولية بأنها تشوّه التاريخ، في إشارة إلى مصادقة المجلس التنفيذي لليونيسكو، العام الماضي، على قرار ينفي صلة الحرم القدسي الشريف باليهود في القدس، ويرفض وصفه بـ «جبل الهيكل». آنذاك، زعم نتانياهو، بتبجحه المعهود: «قول (اليونيسكو) إنّ إسرائيل ليس لها علاقة بجبل الهيكل والحائط الغربي أشبه بالقول إن الصين ليس لها علاقة بسور الصين العظيم، أو إن مصر ليس لها علاقة بالأهرامات».


نتانياهو بهذا الربط التعسفي، يكشف عن جهله بالتاريخ، وعن مواصلته الإنكار بأنّ الحق التاريخي للفلسطينيين في بلادهم التي اقتلعوا منها بالإرهاب، لا يعني سقوطه بالتقادم، ولا يعني أن غطرسة القوة، يمكنها أن تقتلع الذاكرة التاريخية، وتضرم فيها النسيان، وهو ما يتعيّن أن يتذكره نتانياهو وترامب، وكل الذين يتوهمون بأنّ الهزيمة السياسية الموقتة تعني تزوير التاريخ، ونزع الحقائق من سياقها. الدبابة تهدم بيتاً، والطائرة تقصف مئذنة، لكنّ الحق لا يُهزم، ولا يندثر.


ولعل من المفيد تذكير نتانياهو وترامب أيضاً بأنّ الفلسطينيين لن يتحولوا هنوداً حمراً، ما دام ثمة طفل لم يبلغ الحلم تعتقله إسرائيل، لأنه يهدّد أمنها، ويعكّر صفو عربدتها المتوحشة. إسرائيل تخاف التاريخ، وترعبها الحفريات، ويصيبها الشِعر بالهذيان. ولعلنا نتذكر الجنون الذي أصاب إسرائيل بعد قصيدة محمود درويش «عابرون في كلام عابر»، حيث قال رئيس الوزراء الأسبق إسحق شامير، في افتتاح الكنيست في 28 نيسان (أبريل) 1988 «كان بإمكاني أن أقرأ القصيدة أمام البرلمان، لولا أني أربأ بأن أمنحها شرف تسجيلها في محاضر الكنيست»!