• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

"بيت سكاريا" .. قصة قرية صامدة في قلب مستعمرات الاحتلال وبين أنياب مستوطنيه

"بيت سكاريا" .. قصة قرية صامدة في قلب مستعمرات الاحتلال وبين أنياب مستوطنيه

فتح ميديا - متابعات


متشبث بقريته رغم تحولها إلى "خربة"، فبيوتها القديمة المسقوفة بالصفيح "الزينكو" والتي تعود لعهد الاستعمار البريطاني، قد صارت آيلة للسقوط، والمستعمرون الذين يحاصرون بيوتها من كل الاتجاهات لا يسمحون له، أو للباقين فيها من أمثاله بترميم مساكنهم، أو بناء "أكشاك" من الصفيح، فضلا عن بناء بيوت جديدة، وكأنهم يراهنون على الزمن كي يجبره على الرحيل هو ومن معه، والتخلي عن أراضيهم، فيستولي الأغراب عليها.


.. إنه الحاج إبراهيم عطا الله (97 عاما) هذا الرجل الصامد الذي مازال يقاوم صنوف التحديات وألوان المغريات من حوله، دون أن يفرط بأرضه، التي نشأ وترعرع فيها وأحبها وكأنها جزء منه.


                                               أبراج وكاميرات


عندما احتل الصهاينة الضفة الغربية عام 1967، اضطر أغلب أهالي قرية الحاج إبراهيم، واسمها "بيت سكاريا"، وتقع غرب بيت لحم، لمغادرتها، بسبب ممارسات الصهاينة واستفزازاتهم. ومن بين ألفي نسمة هم إجمالي من كان يسكنها في ذلك الزمن، بقي الحاج إبراهيم وإخوانه وأولاده وأولادهم فقط، وكان عددهم آنذاك لا يتجاوز 50 شخصا، محاطين بمستعمرات "مجمع غوش عصيون"، وبالأسلاك الشائكة، والأبراج اللاسلكية العالية، التي تراقب حركات وسكنات من حولها.


الرحلة من "بيت لحم" إلى "خربة بيت سكاريا" لم تكن سهلة، فقد كان علينا أن نقطع بسيارتنا نحو 15 كيلو مترا نصفها في شوارع مجمع مستعمرات "غوش عصيون"، الذي التهم آلافا مؤلفة من الدونمات، من قرى غرب بيت لحم، ليصبح من التجمعات الراقية، التي يسعى الكيان الصهيوني لضمها، ضمن حدود القدس الكبرى، وكان لابد أن يواجهنا المستعمرون بالتقاط الصور لسيارتنا من هواتفهم الخلوية، رغم أنها تحمل إشارة تدل على أنها في مهمة صحفية، مثلها مثل أي سيارة تحمل لوحة فلسطينية، تعد مشبوهة ما لم يثبت العكس.


تقع "بيت سكاريا" على تل جبلي مرتفع، ويستطيع المرء من على مشارفها رؤية قبة الصخرة الأسيرة في القدس المحتلة.. كان الحاج إبراهيم في انتظارنا، تركناه على سجيته يروي قصته الطويلة في مقارعة سلطات الاحتلال والمستعمرين.. يروي الحاج إبراهيم أن مساحة الأراضي التابعة لعائلته كانت تبلغ قبل الاحتلال 800 دونم، ولكنها تقلصت لتصل اليوم إلى 50 دونما فقط، بعد أن استولى على الأرض الغالية على أهلها جنود الاحتلال والمستعمرون على حد سواء، مضيفا أنه "لولا وقوفنا بقوة في وجه الجنود والمستعمرين لما تمكنا من إبقاء هذه الأراضي معنا، ولما تمكنا من أن نبقى في منازلنا شبه المهدومة".


                                            عروض مغرية للبيع


وفي حديثه المسهب عن الماضي المفعم بالذكريات الحية الجميلة والمؤلمة، يستعرض الحاج إبراهيم الجهود التي بذلها للمحافظة على ما بقي له في قريته، فذات مرة توجه الحاج إبراهيم إلى الشيخ "محمد علي الجعبري"، وكان أحد وجهاء المنطقة برمتها، وطلب منه أن يساعده في صد الهجمة الصهيونية على أرضه، فاقترح عليه مقابلة الصهيوني "موشيه ديان"، الذي كان وزير ما يسمى بأمن الاحتلال في حينه، وبالفعل تم ذلك بوجود الشيخ الجعبري في القدس".
ويستذكر الحاج إبراهيم كيف اقترح عليه الوزير الصهيوني "دايان" آنذاك أن يختار أية قطعة أرض في أي مكان يريده ليتاح له بناء "فيلا" كبيرة عليها، مقابل أن يترك مسكنه الحالي، فما كان من الحاج إبراهيم إلا أن رد عليه بالقول "حتى لو أعطيتني كل فلسطين مقابل أن أترك هذه القطعة فلن ألبي ما تريده"، مشيرا إلى أن الشيخ الجعبري ولدى خروجهما أثنى على موقفه وشجعه على البقاء في أرضه.


وبين محاولات الترغيب والترهيب، التي قام بها الاحتلال، في سعيه المتواصل لإرغام الشيخ إبراهيم وعائلته على ترك أرضهم وقريتهم، يتذكر الحاج عطا الله حجم الإغراءات التي قدمت له من قبل الصهاينة، فيقول "تم توسيط مخاتير بعض القرى المجاورة ليقدموا لي عروضا، ومنها اقتراح من قبل قيادة الحكم العسكري للاحتلال في بيت لحم عام 1980 بمنحي مبلغ ثلاثمائة ألف دينار أردني، مقابل إخلاء المكان"، وقد توالت العروض مرارا من الوسطاء، و"جميعها عن طريق فلسطينيين من أتباع الاحتلال الصهيوني" حسب قوله، وقد وصلت إلى ما يربو عن مليوني دولار، منوها بأن رده كان دائما بالرفض. 


وبالانتقال إلى الحديث عن الملاحقات والمضايقات الكثيرة، التي تعرض لها وما يزال هو وأفراد عائلته، على يد المستعمرين وقوات الاحتلال، بموازاة الإغراءات التي لم تتوقف، أشار إلى أن المستعمرين المحيطين بالقرية من كل جانب "كانوا يتوجهون إلى حيث نسكن، ويبدؤون بإلقاء الحجارة علينا مباشرة أو باتجاه منازلنا، كما استخدموا أساليب أخرى منها السطو على مقتنياتنا من دجاج وغنم، وإتلاف المزروعات". ويذكر الحاج إبراهيم أن جنود الاحتلال "أقدموا في العديد من المرات على هدم منازل وأكشاك كنا نقوم ببنائها، ثم ما نلبث أن نعاود الكرة، حتى أصبحت حياتنا كلعبة القط والفأر".


                                           مساكن آيلة للسقوط


ولا تتوقف محاولات التضييق عند هذا الحد، بل تمتد كما يوضح الحاج إبراهيم إلى الاعتقال، الذي تعرض له هو وأبناؤه لأكثر من مرة، إذ كان ضباط الحكم العسكري الصهيوني يحاولون مساومته بين بقائه في السجن أو ترك أرضه، وكان الجواب دوما بالرفض القاطع، حتى لو تم قطع رقبته. ويؤكد الشيخ عطا الله الذي يفتخر كثيرا بصموده، أن أرضه ومكان سكنه أغلى من روحه وروح أبنائه وأحفاده، وسيبقى فيها حتى مماته.. هذا ما كان يردده أثناء الحديث بكل فخر وثبات. 


لرصد صور أخرى من معاناة "خربة بيت سكاريا"، فضل الحاج إبراهيم أن يتحدث عنها ابنه محمد البالغ من العمر ثمانية وأربعين عاما. ويستعرض محمد الكاميرات المنصوبة من قبل المستعمرين الصهاينة في كل الاتجاهات صوب الخربة، وكانت المحطة الأولى التي دار حديثها عنها، موضحا أنها "تقوم بدون توقف بالتقاط كل شاردة وواردة تمر بالقرية، وكل من يدخل إليها أو يخرج منها من السكان والضيوف".


محمد ابن الحاج إبراهيم يستعرض الوضع الصعب لسكان القرية بالقول "إن المنازل مليئة بالرطوبة، وتفتقد لكل المقومات الصحية، على اعتبار أن السلطات الصهيونية ترفض أن نقوم بترميمها"، وحتى مسجد القرية المكون من غرفتين متهالكتين ومئذنة غير مكتملة ومدخل صغير جدا فإن سلطات الاحتلال لا تسمح بترميمه أو توسعته أو إكمال بناء مئذنته". وأمام المسجد مقام لـ "النبي زكريا" الذي كساه محمد "بالشادر" الأخضر للحفاظ عليه، مشيرا إلى أن المستوطنين يأتون مرارا لزيارته، باعتباره مقدسا لديهم، ولكن غالبا ما يتذرعون بذلك من أجل اقتحام القرية والتضييق على أهاليها.


                                               دعوة للدعم


وبخصوص الوضع التعليمي، فقد نجح محمد في تخصيص عدد من الغرف لإقامة مدرسة، يدرس فيها نحو 26 طالبا وطالبة حتى الصف السادس، وقد أصبحت مديرية التربية والتعليم مسؤولة عن هذه المدرسة، قبل عدة سنوات، حيث عينت مديرة وعددا من المدرسات فيها، ولكن بمقومات الحد الأدنى، فهي تفتقد لكل المرافق المطلوبة.
ويقارن محمد وضع ما يمكن اعتباره مدرسة القرية بمدرسة مستعمرة "الون شفوت" المجاورة، حيث الملاعب المتطورة، والمراحيض والمختبرات وبرك السباحة.. مشيرا إلى أن "كل ذلك بني في غضون عشرين عاما أو اقل، أما نحن الموجودون هنا منذ مئات السنين، أبا عن جد، فمرافقنا تكاد تكون معدومة"، موجها اللوم للسلطة الفلسطينية بكل وزاراتها وإمكانياتها، لأنها مقصرة تماما وعاجزة عن تقديم مقومات الصمود لأهل القرية الصغيرة، على حد تعبيره.


وترى اللجان المهتمة بمواجهة مخاطر تمدد الاحتلال على حساب الأراضي الفلسطينية المحتلة ضرورة إيلاء "بيت سكاريا" اهتماما خاصا، وقد وجه خالد العزة رئيس "اللجنة الشعبية للدفاع عن الأراضي ومواجهة الاستيطان" الدعوة إلى دعم سكان القرية وتعزيز صمودهم، لأن ذلك يعني من وجهة نظره "الحفاظ على نحو تسعة آلاف دونم في المنطقة تعود لمواطنين من قرى مختلفة، هذا عدا عن أن ترحيل الأهالي سيؤدي إلى ربط مجمع غوش عصيون الاستعماري بالقدس الكبرى مباشرة، بعد ضم أراضي الخربة وهدم منازلها".