• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

فن الحوار وأدب الاختلاف

فن الحوار وأدب الاختلاف

فتح ميديا - متابعات


في ظل حدة الاستقطاب في المنطقة العربية ، وسخونة الأجواء السياسية واحتدام حدة المنافسة والمشاحنات خاصة بين الطلاب في الجامعات يبرز الحوار كحل وحيد وأساسي يرفض القتل والانقلاب كما يرفض تقويض رأي الآخرين وهدم فكرهم بالاتهام او الظنة أو اشهار سلاح التكفير أو التخوين.
إن أدب الحوار في المؤسسات، المنظمة، التنظيم، بين الأعضاء، و في التعامل مع الآخرين يؤسس لاحترام الاختلاف، واحترام الذات، واحترام الرأي والرأي الآخر، ويكرس المجتمع الديمقراطي فلا حوار دون وجهات نظر ولا خلاف يظهر دون تحاور يجعل من احتكاك الآراء مدخلا للتفكير، وبروز الخيوط واتجاهات الرأي.
وعليه فإن لأدب الاختلاف في الحوار كما نرى أسس ثمانية رئيسة كالتالي:
1- الإيمان بالاختلاف من أصله:
بمعنى أن الأصل ألا يتطابق فكري أو رأيي مع الآخر، فالتنوع في الفكرة وطرق التعبير عنها جائز بل وضروري للإغناء، فلا قوالب جامدة ونصوص محتكرة، فالإيمان المسبق بحرية الفكر وحق الاختلاف يعتبر المقدمة المنطقية لأي حوار أو تساوق مع أدب الاختلاف. وبغير هذا الإيمان تصبح لغة الشتائم والردح والاتهام دون أدلة أو بأفكار مؤدلجة تذهب بهم مذهب الدليل وما هو بدليل، هي اللغة المهيمنة والتي قد تصل بالمتصارعين إلى هدم أركان البناء الديمقراطي.
2- الاعتزاز بالرأي مع مساحة تغيير:
حيث أن الإيمان بالفكرة يجعل من حاملها مشعل إنارة لها، ودرب وصول لتحقيقها فلا تكون مجرد عبث وكلام في الهواء، لذا يعد الثقة والاعتزاز بالرأي من عوامل الاحترام للذات من جهة وللعقل، واحترام لمستوى الحوار. أما مساحة التغيير في عقلي فهي الجانب الذي يمثل حركية الفكرة وعدم جمودها، فهي على قناعتي بها قابلة للتغيير بأن استفيد من رأي الآخر بما يثبت رأيي أو يعدله أو يغيره.
3- اعتماد الشك مدخلا للتثبت:
إن الأفكار تأتي وتذهب وتستقر أحيانا ثم يفد عليها من الجديد ما يزلزل أسسها أو يحركها عن موضعها، لذلك فالفكرة في العقل المحاور قابلة للنقض ومدى استقرارها المرهون بالحجة قابل للتزحزح حال ظهور عوامل جديدة أو آراء أخرى أو حال الحوار بعقل منفتح. والشك هنا مدخل للتثبيت أو التشذيب أو التغيير للفكرة. لم يتناقض مذهب الشك عند علماء الأمة مع استقرار العقيدة على سبيل المثال بل اعتبروا أن طرح المشكوك به أو السؤال الكبير حول كل المسكوت عنه ضرورة لاستقرار الرأي وضرورة للتجاوب مع العقول بمختلف اتجاهاتها، والتعامل مع الإيمان بمنطق العقل لتثبيته، مع عدم إغفال القضايا الروحانية والنفسية.
لقد كان صلاح خلف (أبوإياد) القائد الفلسطيني الكبير ذو المهابة الطاغية والعنفوان رمزا كبيرا للاعتداد بالنفس ومعبرا عن نفس المعارضة الدائم، وهو على قدرته وثبات رأيه كان لا يعدم الوسيلة لتلمس احتياجات واحتجاجات الآخرين والاستماع اليهم وتفهم آرائهم ما يعود عليه بفائدة تحقيق الوحدة الوطنية من جهة،ومن جهة أخرى إثراء مساحة التشكك في عقله تلك التي لم يغلقها أبدا ما يؤدي به إلى التفهم وإمكانية التطوير والتعديل في رأيه.
4- الانفتاح الذهني ونقض القوالب الجامدة:
حيث تشكل المفاهيم المسبقة أو القوالب الجامدة عائقا خطرا في وجه تفهم الآخر، كما يشكل احتكار الصواب أو احتكار تفسير النصوص من قبل الحزب السياسي أو الأشخاص (المقدسون) عائقا كبيرا، تصور شخصا يذهب لحضور ندوة أو مهرجانا أو يقرأ كتابا ولديه اتجاه أي رأي مسبق مناهض للمحاضر أو صاحب المقال... إنه بالضرورة سيتعامل مع الموضوع بشكل دفاعي أو اتهامي ضمن مرجعيته المسبقة لذا يعتبر الانفتاح الذهني مدخلا لأدب الحوار.
5-احترام الرأي المخالف:
إن ثقة الشخص برأيه لا تتناقض البتة مع حضور الذهن حين الاستماع للرأي الآخر، استماعا ملهما بمعنى محاولة تكشف عناصر الجدة والحداثة في حديث المخالف من جهة وعناصر الرد عليه فيما هو حجة ضعيفة....إن أدب المناظرة مختلف عن أدب الحوار والاختلاف فالأول يسعى فيه المتناظرون للتفوق والبروز والتشكيك بالآخر وإبراز مثالب حجته وبالتالي إفحامه أو تعريته أمام ذاته والجمهور، أما المتحاورين فهما وإن اختلفا يبحثان –ضمن منطق أدب الاختلاف-عن العناصر الجديدة والمفيدة والضرورية للتطوير لكل في فكرته. وحتى إن بقي الاختلاف يظل الاحترام متبادلا، ولا يتجه للتسفيه الشخصي حيث الأعراض والشتم كما هو حال عدد من الكتبة، أو من المواقع ذات الطابع التهجمي المسف على الشبكة البينية (الانترنت).
وأحتفظ بعلاقة قوية بأحد قادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ممن أختلف معه أحيانا، وكثيرا ما أتفق معه لأنه لاعب حقيقي يفهم معنى الديمقراطية كما يفهم كيف يحترم رأيه ورأي الآخرين، ولا يحول حائل دون تبنيه للرأي الآخر إن وجده مناسبا من أي جهة جاء.
6- الاختلاف والاستفادة:
إن الفكرة انتزاع لها من جملة أفكار، والفكرة تراوح في مساحات متقاطعة مع أفكار أخرى ولا تستقر بسهولة، لذا فإن منطق الاختلاف في الفكرة منطق السعي للإفادة ما يدعم ويقوي، أو يهدم ويقوض للفكرة.
بمعنى أن العالم الذي يقنع بعلمه ويتوقف ولا يجعل من الأفكار الوافدة محلا في عقله سيتأخر عن ركب العلم حيث العلم مرتبط بالتطور والتقدم، والمفكر الذي يظن أنه صاحب النظرية الأوفى سيقع في منزلق الجمود متى ما اعتقد الثبات لا التغيير في الفكر، والمتعلم الذي يكتفى بقسطه من العلم في أي مجال ستهبط كفاءته وتتناقص قدرته إن لم يضف إليها الجديد بالقراءة والدرس والمران والحوار والاستفادة من المختلف.
7- التوجه نحو الموقف أو الفكرة لا الشخص:
حيث أن الحوار قد يكون بين الشخص وذاته أو بين شخصين أو أكثر في ندوة أو مؤتمر أو ورشة أو في سياق مناقشة عادية منظمة أو عابرة، وفي كل هذه الحوارات فإن الاختلاف أو التعدد أمر طبيعي، وبمعنى أن في ذات الشخص قد يكون أكثر من رأي أو فكرة في الموضوع أو المشكلة فيفكر باتجاهات تعدد الحل أو الرأي.
ومن البديهي أن العقلية المرنة المنفتحة تتقبل الآخر وتسعى فيما هو عنده للاستفادة وربما الاستزادة، ولكن كل هذا لا يمنع أن الرأي المخالف يعبر عن نفسه وهنا يصبح الدفاع عن الرأي أو توضيحه أو عرضه من المتوجب أن يتم ضمن شروط التدرج وحسن العرض والإقناع، وفي مواجهة فكرة الآخر المختلف معها فإن النقد أو التعبير عن الاختلاف يتم بالتعرض لذات الفكرة أو الموقف أو الموضوع لا للشخص نفسه كما دأب يردد المفكر العروبي خالد الحسن (أبو السعيد) ، والتعرض لذات الشخص وحياته الخاصة هو ما يفعله عدد من الكتاب حين يتعرضون للأشخاص في ذواتهم وأشكالهم وأعراضهم ما لا يقبل ولا يتفق مع أدب الاختلاف، وإنما الممكن تصنيفه ضمن مفهوم (الشرشحة والردح).

8-حسن الإنصات والفهم:
هل من الممكن أن نتصور عقلية مرنة منفتحة متقبلة للاختلاف لا تستمع وتصغي بأناة وتتبع للآخر؟ وهل نتصور صاحب فكرة أو مذهب أو رأي يسعى لإقناع الآخرين ينطلق متكلما كالحافلة تصدم المستمعين دون توقف، لملاحظة مدى استجابة وتفاعل الآخرين؟ وللتدقيق في ردود الفعل الكلامية والجسدية؟
إن حسن الإنصات للآخرين سواء فيما يقولونه أو لا يقولونه (الصمت، ولغة الجسد) مدخل للشخص لإثراء فكره، ومدخل للتأثير في الآخرين وفي ذات الوقت فإن حسن الإنصات من أدب المحاور الراغب بإيصال فكرته من جهة أو الرد على أفكار الآخرين.
وإلا كيف ترد الحافلة على متطلبات إشارات المرور إذا لم يكن مقودها بيد سائق ماهر و(منصت حكيم)؟
9- أطر الحوار والاختلاف:
إن أهمية الحوار بأهمية الاستماع لوجهة النظر الأخرى، والاختلاف بمكوناته وتوزعه على الخلفيات والثقافات يحتاج لتأطير بمعنى الاتفاق المسبق على طرق التحاور وتوقيتاته والنتائج المبتغاة، وإن كان الاختلاف يعبر عنه في إطار الجلسة (الندوة، المؤتمر،المجلس التشريعي،الاجتماع...) فيجب أن يكون محكوما بقوانين هذه الجلسة من الدور والوقت والقدسية والالتزام والاحترام المتبادل، وإلا تحول لمعرض يتبادل فيه الفرقاء بضاعتهم دون هدف أو سعي لتحقيق هدف.

10- الصدق
إن المؤمن بالحوار، المؤمن بالاختلاف، المؤمن بالديمقراطية يجب أن يكون صادقا، ولا يمكن أن يتم الاستعانة بالأكاذيب والاختلاقات كأسانيد، وأذكر أنني كتبت مقالا أتعرض فيه لتنظيم سياسي فلسطيني بالدليل فلقي مقالي هذا الشتم والطعن كما هي عادة المراهقين السياسيين أو المؤدلجين دون أدنى وعي ، دون أن يدخل أحدهم في صلب الموضوع، ولكن الأدهى والأمر أن لجأ أحدهم لاتهامي بأنني قلت كذا وكذا مما لم أقل وقام الآخرون بتداول الكذبة كحقيقة.
إن الصدق صفة المؤمن التي لا تسلب كما قال الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور ، والصدق في المجتمعات والأحزاب مدخل نظافة اليد والفرج واللسان،لأن من يلجأ لغير ذلك فهو الضعيف الذي يحاول تغطية ضعفه أو حرجه أو آثامه.

كلمات دالّة: