• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

قواعد المسلكية الثورية

قواعد المسلكية الثورية

فتح ميديا – متابعات


تعتمد الحركات الثورية بخطوطها الجماهيرية و السياسية و التنظيمية و العسكرية على قناعتين راسختين لدى اعضائها. الأولى هي الإيمان بحتمية النصر .و الثانية هي الاستعداد للتضحية.
إنّ تحول النظريات الثورية بمنطلقاتها و أهدافها و أسلوبها إلى قناعات يمارسها الأعضاء عن تفهم و وعي هو الذي يرسم الخط الأول الذي ينطلق منه مقياس النقد . فالخطأ المسلكي هو ممارسة العضو المتناقضة مع قناعاته التي تحددها النظرية . و بما أن معرفة النظرية ليست حكرا على العضو فإن الخطأ المسلكي يتطلب من العضو نقدا لذاته لتصرفه عكس قناعاته ، أو يتطلب من الأعضاء الآخرين نقده لتصرفه عكس قناعاتهم ( التي هي قناعاته ) ، عكس النظرية الثورية التي يؤمنون بها. و تبرز في الحركات الثورية نماذج من المسلكيات التخريبية و الانتهازية و التطهيرية الى جانب المسلكية الثورية. فالمسلكية التخريبية هي تلك التي تؤدي نتائجها الى تقويض الحركة الثورية و تحطيمها سياسيا و تنظيميا و عسكريا سواء أكانت موجهة للجماهير أو داخل الحركة الثورية .
و في هذه المسلكية تكون محصلة الممارسات للعضو المخرب رغم محاولات تغليفها تصب في اتجاه تدمير الحركة الثورية .


و المسلكية التخريبية إما أن تكون مقصودة وإما ان تكون غير مقصودة . و يختلف اسلوب معالجة الحالتين رغم امكانية تطابق نتائجهما . وتكون المسلكية التخريبية مقصودة عندما يكون العضو في الحركة الثورية مدسوسا من جهة معادية للحركة سواء بدوافع و قناعات معنوية أو ماديّة . أو عندما تتولد لدى العضو طموحات ذاتية غير مشروعة فيعمل على خلق مركز قوى أو تجمع كخطوة أولى نحو الإنشقاق .


أما المسلكيّة التخريبية غير المقصودة ، فهي التي قد يمارسها الأعضاء في المستويات المختلفة و ذلك عن جهل أو تطرف أو استسلام لنزعة التصرفات الطائشة .
إن موقف الحركة الثورية من المسلكية التخريبية يجب يكون حازما و حاسما مهما كانت ردود الفعل الآنية . لأن التغاضي عن الأخطاء الكبيرة و حمايتها لا يتم الاّ من ذوي نفس النزعة و الاتجاه و لهذا فإن على الحركة الثورية أن تضرب بيد من حديد على كلّ الندسين في صفوفها و أن تصفيهم دون رحمة .


أما المسلكية الانتهازية فإنها تعبر عن نفسها في الحركات الثورية بمظاهر عدّة . و لكنّها تنطلق أساسا من انفصام في القناعتين الأساسيتين ( الإيمان بحتمية النصر و الاستعداد للتضحية ) لدى العضو .


إنّ الانتهازي يرتبط بالحركة الثورية عن إيمان بحتمية النصر المرحلي خاصة و بما سيعود عليه من فائدة و منفعة شخصية نتيجة تحقيق النصر . ولكنّه في الجانب الآخر غير مستعد لأن يدفع أيّ ثمن فعلي أو تضحية حقيقية ، حيث أنّها تتعارض مع تكوينه النفسي المغرق في الذاتية و الأنانية . إن الدوافع للمسلكية الانتهازيّة إما أن تكون دوافع ماديّة ، أو تطلعات لمواقع المسؤوليّة دون تقديم تضحيات تذكر ، وهي ما يعتبر في الحركات الثورية طموحات غير مشروعة .


إن اخطر ما تعانيه الحركة الثورية هو وصول النوعية الانتهازية من الأعضاء إلى مواقع المسؤولية صاحبة القرار ، حيث تظهر ميولها النفسية للاكتفاء بالنصر الشكلي على حساب الهدف المبدئي ، و هو ما يعرف بالانتهازية اليمينية التي تساوم على الهدف الآجل في سبيل المنفعة الذاتية العاجلة كما تظنها . و تظهر في الحركات الثورية نزعات انتهازية يسارية تزايد على الهدف العاجل في سبيل المنفعة الذاتية الآجلة . و هذه النزعة الانتهازية تجد مكانها الحقيقي في صفوف الحركة الثورية على كافة المستويات .


و يتميز الأعضاء التطهيري ونفي الحركات الثورية بأن مدى استعدادهم للتضحية يكون بقدر ما يرونه من إمكانية النصر . وهم يتحولون إلى ثوار حقيقيين عندما يصلون بقناعة راسخة إلى الإيمان بحتمية النصر . و الأعضاء التطهيريون يعجزون عن استخدام النهج العلمي لتحليل الأحداث . فهم يرون الأمور من جانب واحد و يتأثرون بسرعة شديدة و تنقل مواقفهم من الحياد إلي الإيجاب و لكنها لا تصل إلى الانتهازية و السلبية . و المسلكية التطهيرية تنبع من النزعات الرومانسية لدى بعض الأعضاء و الني تعبر عن نفسها بالابتهاج الشديد لأقل انتصار أو إنجاز و التشاؤم لأقل عقبة أو صعوبة ، و الوقوف عند الأخطاء و الممارسات الانتهازية و عدم القدرة على تجاوزها بالعمل المستمر و بالنضال ضدها . و لذلك فإن التطهيريين لا يستطيعون التعايش مطلقا مع الانتهازيين . و لأن الانتهازيين ينطلقون نحو مصالح ذاتية فإنهم اقدر على التشبث بممارساتهم و طرد التطهيريين من صفوف الحركة الثورية.


إن المسلكيات التخريبية و الانتهازية لا تلجمها و تخرجها من حيز التأثير الفعلي عن مسيرة الحركة الثورية إلا المسلكية الثورية . كما وان المسلكية التطهيرية تتحول بفضل الممارسات الثورية و المهمات النضالية إلى مسلكية ثورية تطرد الانتهازيين بدل أن تظل تطهيرية يطردها الانتهازيون .


إن دور النقد و النقد الذاتي الفاعل يعتمد على ممارستهما من قبل الأعضاء الثوريين الذين لا يجدون غضاضة أو انتقاصا من ثورتهم إذا هم اعترفوا بأخطائهم بشجاعة .وهم ينتقدون مسلكيات غيرهم بنفس الشجاعة و الصراحة .


آن المقياس الإيجابي للمسلكية الثورية هي أن يضع دليلا للممارسات الصحيحة فيصبح الخروج عن هذا المقياس وقوعا في المسلكيات الخاطئة التي يتوجب نقدها .ان للمسلكية الثورية مظاهر لا تعد و لا تحصى .ان كل فعل ثوري إيجابي يشكل مظهرا صادقا للمسلكية الثورية.
يعتمد مقياس النقد في الحركات الثورية على و ضوح و معرفة المسلكيات الثورية في المجالات الجماهيرية و السياسية و التنظيمية و العسكرية كما إن متطلبات المسلكيات الخاصة بالقيادات و الكوادر المسؤولة ،تجعل منها اكثر حرصا على التمسك التام بقواعد المسلكية الثورية التي يتحكم فيها دائما الترسيخ العميق المطلق لقناعتين أساسيتين و هما – الايمان بحتمية النصر مهما حلكت الظروف و تكدست الصعاب –و الاستعداد الدائم و المطلق للتضحية مهما غلت 
و تتحكم منطلقات النقد بقواعد المسلكية الثورية في المجالات المختلفة ..فخط الجماهير هو الذي يحكم قواعد المسلكية الثورية في المجال الجماهيري و هكذا بالنسبة للخطوط السياسية و التنظيمية و العسكرية . و قواعد المسلكية الثورية في المجالات المختلفة تشكل المقياس الذي على أساسه تحاكم ممارسات الأعضاء و تقيم و تنتقد.


في المجال الجماهيري


لم تكن الوصايا العشر كقواعد للسلوك الانساني موجهة الى فئة أو طبقة محددة.. بل لكل الشعب.. وكان الخروج عن هذه الوصايا عصيانا وتمردا على أوامر الخالق.. ويمكن القول ان نقاط الاهتمام الثمانية(1) لماوتسي تونغ، وقواعد السلوك ال21 (2) لهوشي منه، تحمل ذات طابع الوصايا، وان كانت موجهة في الاصل الى المناضلين حتى تحكم هذه القواعد تصرفاتهم مع الجماهير وعلاقتهم بها.


ان طموح ماو في ان تصبح هذه القواعد دليل عمل للعلاقات الاجتماعية قد تكرس من خلال الثورتين الاجتماعية، والثقافية اللتين بلغتا شأوهما بعد ان تحررت الصين. ان قواعد السلوك الثوري في مرحلة التحرر الوطني وليست قواعد لسلوك الجماهير.. وانما لسلوك الطليعة تجاه الجماهير..


وتشكل نظرة الحركة الثورية للجماهير مدى جديتها في قضية التحرير، حيث ان تجاهل الجماهير وعدم اعطائها الدور والاهمية التي تشكلها في المسيرة الثورية، يجعل من الحركة الثورية تجمعا نوعيا لا يمكنه قيادة الجماهير لعدم ايمانه بقدرة الجماهير. وتكون تصرفاته معزولة وغير مقبولة من الشعب. ولكي نعطي مثالا للنظرة الجدية للجماهير نورد نصا من مقدمة النظام الداخلي لحركتنا.


"ان الثورة الشعبية المسلحة التي نخوضها تنطلق من موقف مبدئي، وهو ان قضيتنا هي قضية الجماهير وليست قضية فئة مميزة منفصلة عن هذه الجماهير. وان الشعب قادر على ممارسة النضال بكفاءة عالية وحس صادق وعزيمة قوية، وهو القائد الحقيقي للثورة والحامي المخلص للتنظيم الثوري. ولقد جاء هذا النظام محققا لاشد الالتحام بين الحركة والجماهير، عن طريق البناء الهرمي للاجهزة الثورية بحيث تكون هذه الجماهير هي القاعدة العريضة له.
ومن هذه النظرة الى دور الجماهير في الثورة يبرز دور القاعدة المنظمة في الحركة باعتبارها على تماس مباشر مع الجماهير، تعيش بينها وتحس مشاعرها وتستلم تطلعاتها، وهي لذلك مصدر السلطات في الحركة والوصية الوحيدة الامينة عليها، وهي القوة الحقيقية التي يعود اليها وحدها حق اتخاذ المقررات الحاسمة، وعليها تقع مسؤولية انتخاب القيادات في جميع المستويات، ويتم ذلك عن طريق الانتخاب المباشر على درجات بسبب مقتضيات العمل السري، وبسبب التشتت الجغرافي الذي تعانيه جماهيرنا الفلسطينية.


وقواعد المسلكية الثورية في المجال الجماهيري يمكن تلخيصها بضرورة التوجه الصادق الدائم للجماهير وتعميق العلاقة بينها وبين الحركة الثورية وترسيخ الايمان، بأن هدف الحركة الثورية هو مصلحة الجماهير، وانه بالجماهير وحدها تستطيع المسلكية الثورية في المجال الجماهيري، ان تحقق النصر.


1-احترام الجماهير:


ان المسلكية اليومية للطلائع الثورية تجاه الجماهير هي التي تحدد مدى التفاف الجماهير حول الطليعة أو انعزالهم عنها.. ان الجماهير لا يمكن ان تلتف حول من يسيء اليها ويتكبر عليها ويعاملها بغطرسة وعنجهية، تماماً كما تعاملها القوى المعادية لها. ان الطلائع الثورية لا يمكن لها ان تحقق أية مكتسبات على طريق الثورة، الا اذا استطاعت ان تكسب الجماهير الى جانبها.. ولن يتم هذا لسواد عيون الطليعة وعبقريتها.. وانما بالاحترام المتبادل بين الجماهير وهذه الطليعة.


مهمة هذه هي تعميق احترامها للجماهير يتعمق احترام الجماهير لها.. واخطر ما يمكن ان يقصم عرى التلاحم بين الطليعة وجماهيرها هو شعور الجماهير، بأن هذه الفئة لا تختلف عن الفئة التي ثارت ضدها، والتي تتحكم في الجماهير.. وتغرر بها وتستغفلها وتخدعها لتظل جاثمة على صدرها. وحيث ان المبادرة العملية لتعميق الاحترام المتبادل تقع في يد الطليعة، لان الجماهير تظل محكومة لردود فعل ممارسة الطليعة تجاهها، فان الطليعة هي التي تتحمل أولا وآخرا نتيجة علاقتها بالجماهير.
ان تذبذب العلاقة بين الطليعة والجماهير بالاحترام الواضح حينا والاحتقار والازدراء حينا آخر، يعبر عن انفصام في عقلية ما يسمى بالطليعة. فمن الذين يقفزون الى مراتب المسؤولية نوعيات تتحدث عن الجماهير وعظمتها وفعاليتها حينا.. وعن جهلها.. وغبائها حينا آخر.. وهي تمارس عزلتها الكاملة عن الجماهير، عندما تحقق انتصارا عسكرياً أو سياسياً، وترجع اسباب هذا الانتصار الى قدرتها الذاتية. ان الجماهير لا يمكن ان تحترم الذين يحتقرونها مهما كانت الانتصارات التي تحققت على أيديهم.. ولكن الحقيقة التاريخية تؤكد، ان الذين يحتقرون الجماهير لا يمكن ان يحققوا أي انتصار حقيقي.. ان الانتصارات الخادعة هي التي تكشف نوعية الافراد في الحركة الطليعية.. وتفرز المناضلين الحقيقيين من الانتهازيين والمتسلقين.. وذلك من خلال الموقف الذي يتخذه الفرد من الجماهير.. ومن اتجاه حركة الاحترام المتبادل معها.


ان قاعدة احترام الجماهير تحتم على الثوري ان يعبر عن احترامه للجماهير بالممارسات اليومية. فهو مطالب باحترام تقاليد الجماهير وعاداتها والاستماع الى آرائها والاخذ بها.
والثوري لا يفرض آرائه على الجماهير اذا ما تعارضت مع المفاهيم السائدة قبل ان يمهد لها بنضال طويل وشاق.. والجماهير الحساسة تجاه معتقداتها وتراثها بحاجة الى مناضلين يدركون هذه الحساسية ودرجتها ويقيمون مع الجماهير علاقة من الاحترام العميق، الذي يسهل لهم مهماتهم الثورية مهما صعبت.


2- الاعتماد على الجماهير :


يعرف كل مناضل حقيقي انه يثور من اجل الجماهير، وانه لا يستطيع ان يحقق للجماهير طموحها دون ان يجعلها تتحمل المسؤولية الاساسية في النضال. ان العضو في الحركة الثورية يرى نفسه باستمرار مرتبطا بالجماهير مشدودا لها، غير قادر على التحرك وانجاز المهمات بدونها، مما يجعله يرى دائما ان الجماهير هي التي تصنع الثورة، وان الطليعة التي تفجرها تقوم عمليا بتحريك الجماهير وايقاظها وارشادها طريق الثورة.. اما التصعيد الثوري.. والمهمات العظيمة للثورة، فانها من صناعة الجماهير.. وان نجاح الطليعة يقاس في كل مرحلة من مراحل الثورة بمدى استقطابها وتلاحمها وتفاعلها مع الجماهير، ومدى التفاف الجماهير حولها وتبنيها للقضية الشعبية، التي تبرزها الطليعة.. ان الحركات الثورية في العالم، والتي تناضل من اجل التحرر الوطني خاصة، ملزمة باستخدام حرب الشعب طريقا وحيدا لطرد العدو وتحرير الوطن.. وحرب الشعب هذه لا يمكن لها ان تتجسد الا بالشعب. فهي ليست اسلوبا تقنيا خاصا. وانما هي تحرك لكل فئات الشعب، واذا لم تعتمد الطلائع الثورية على الجماهير، فكيف ستكون قادرة على الارتقاء بنضالها الى مستوى حرب الشعب ؟.. ولهذا فان الاعتماد على الجماهير كقاعدة اساسية من قواعد السلوك الثوري، تحتم على العضو في الحركة الثورية ان يعطي كل جهده لاعداد هذه الجماهير ورفع مستواها النضالي، حتى يصبح اعتماده عليها اعتمادا على قوة قادرة على انجاز المهام المطلوبة بقدرة وفعالية.


فمن الجماهير ينمو جيش الشعب، ومنها تنبع قوات الميليشيا الشعبية، ومن الجماهير تتحرك فصائل الدعاية المسلحة ومجموعات الانقاذ والامداد. والاسعاف والحماية ومن الجماهير تنطلق مجموعات الاعلام والهداية وكوادر التثقيف والتوعية الحركية.. ان الفرق بين الحركة التي تعتمد اساسا على الجماهير وخط الجماهير وتبني تنظيما جماهيريا، وبين الحركة التي تعتمد على بناء التنظيم الانتقائي تنظيم النخبة، هو ان الأولى تصنع ثورة شعبية حقيقية.. والثانية تهدف في احسن حالاتها لتصنع انقلابا. ومراحل التحرر الوطني لا تنجز مهماتها بالانقلاب، وانما بالثورة الشعبية المسلحة التي تعتمد اساسا على الجماهير.


3- تعبئة الجماهير :


لكي يكون الاعتماد على الجماهير حقيقيا وليس شكليا، فان اعضاء الحركة الثورية مطالبون بالعمل في صفوف الجماهير لرفع قدراتها وكفاءاتها السياسية والعسكرية، حتى تستطيع ان تسترشد في نضالها اليومي بالخط السياسي والخط التنظيمي والخط العسكري للحركة.. ان التنظيم الثوري لا يستطيع ان يستقطب كل افراد الشعب، ولذلك فانه يعمد الى انشاء التنظيمات الجماهيرية، التي تربط بين افرادها طبيعة المهنة أو السن أو النو ع، مما يجعل لها نضالات مطلبية مشتركة. والمنظمات الجماهيرية تشكل مدخلا للتعبئة السياسية والعسكرية لقطاعات واسعة من الشعب. فالعمال والطلاب والمعلمون.. والشبيبة والفلاحون.. الخ.. لا ينتظمون معا في مرحلة التحرر الوطني من اجل مطالب نقابية محضة، وانما من اجل مبادرات الجماهير الفعالة في كافة المجالات النضالية... ان طبيعة المهمات التي يمكن للمنظمات الجماهيرية القيام بها هي من حيث النوع والكم، مهمات لا تستطيع الثورة ان تحققها بدونها. فالمنظمات الجماهيرية والمؤسسات الشعبية تشكل الركيزة والرابطة للحركات الثورية، الى جانب الركائز التنظيمية والعسكرية والادارية.


واعضاء الحركة الثورية في المنظمات الجماهيرية يتحملون العبء الاكبر في الثورة، حيث انهم يرفدون التنظيم والقوات والميليشيا والمكاتب الحركية بالطاقات والقدرات الخلاقة. وهم الذين يلتحمون بصورة اكثر فعالية مع كافة الجماهير، حيث انهم يعايشون الجماهير يوميا، وهم المطالبون بحل مشاكلهم وتحقيق مطالبهم، الى جانب انهم القيادة المحركة للجماهير، والتي تتحمل جزءاً كبيرا من مهمة التعبئة السياسية والتنظيمية والعسكرية للجماهير.. ان تعبئة الجماهير كقاعدة من قواعد السلوك الثوري، تفرض على اعضاء الحركة الثورية ان يعيشوا مع الجماهير ويعايشوها في كافة افراحها واتراحها، وان يبنوا بينهم وبين الجماهير جسرا من الثقة المطلقة، حتى يصبح افراد الشعب آذانا صاغية لهم، وبذلك تسهل مهمة التعبئة الجماهيرية ويصبح مردودها اكثر ايجابية وفاعلية.


4- الثقة بالجماهير:


ان الجماهير لا تعطي حياتها وكل ما تملكه للطليعة الثورية، الا عندما تتعمق ثقة هذه الطليعة في نفوس الجماهير، ولكن الجماهير، بحاستها المرهفة لا تعطي ثقتها هكذا لكل من اطلق شعارا أو رصاصة. فالجماهير تدرك ان طريق الخلاص لا يأتي الا عن طريقها... الا اذا قامت هي بتحرير نفسها بنفسها بمساعدة الطلائع، التي هي من بين صفوف الجماهير والتي تتميز بانها الاكثر وعيا والاكثر ايمانا بحتمية النصر والاكثر استعدادا للتضحية... ان هذه الصفات في الطليعة هي اساس لكي تكتسب ثقة الجماهير. والطلائع بهذه الصفات، تعمق دائما ثقتها بالجماهير وبقدراتها على العطاء وبامكاناتها اللامتناهية، حيث ان الطلائع، التي تدرك انها بحرب الشعب، تصنع النصر، تثق بقدرة الشعب على التحرك، وعلى صناعة النصر. ويصبح مفهوم السلاح في حربها ضد العدو هو الانسان... العنصر البشري القادر على التصدي لكل التفوقات التكنولوجية والمادية والتعبوية لاعدائه. ان فقدان الثقة بالجماهير وبقدراتها وبامكانياتها، تجعل الافراد في مواقع المسؤولية يشعرون بالعزلة وبالضعف وبعدم القدرة على الاستمرار وانجاز مهمات مرحلة التحرر الوطني. وهذا الشعور يدفع القادة الى الاستسلام لشروط العدو، والاكتفاء باقل منجزات.. والتحول الى اداة قمع للجماهير للمحافظة على مواقعهم.


ان اعداء الحركة الثورية يحاولون بشتى الاساليب نزع ثقة الجماهير من قيادتها، لكي تأخذ هذه القيادات موقفا مشابها من الجماهير، فتنعزل الطلائع عن الشعب. والاعداء باساليبهم المختلفة وشائعاتهم المغرضة وادعاءاتهم الكاذبة، انما يدركون، ان الثقة المتبادلة بين الشعب وطلائعه، هي ضمانة التحام لصفوف واستمرار الثورة.. ولذلك، فان مهمة تعميق الثقة المتبادلة بين الطلائع والجماهير، يجب ان تأخذ اهتماما خاصا من الطلائع، حيث ان عليهم ان يمنحوا الجماهير ثقتهم المطلقة بقدراتها وبامكاناتها، ليس بالالفاظ وانما بالممارسات، التي تتجسد بالعمل الحقيقي على تنظيم وتسليح هذه الجماهير وتكليفها بالمهمات النضالية المختلفة، حتى تتعمق في صفوف الجماهير ثقتها بنفسها وبقياداتها.
5- حب الجماهير:
ان قانون المحبة الذي يربط بين اعضاء الحركة الواحدة يظل جزئي التأثير، حتى تتحول هذه المحبة في قلوب الاعضاء لبعضهم بعضا الى محبة شاملة للجماهير... فاعضاء الحركة الثورية، الذين يضحون بارواحهم في سبيل مصلحة الجماهير واهدافها وطموحاتها، لا يجوز لهم التواني عن تعميق روح المحبة بينهم وبين الجماهير، حتى يضمنوا محبة الجماهير لهم... وعطفها عليهم ودعمها لهم في معترك النضال الوعر. فمحبة الجماهير قاعدة من قواعد السلوك الثوري، وليست لفظا في قصيدة أو جملة في خطاب.. انها تعبر عن ذاتها بالممارسة، التي تشعر الجماهير بها، ان اعضاء الحركة الطليعية يضعون بالممارسة جماهير شعبهم في قلوبهم... فالعضو في الحركة الثورية حين تتعارض راحته مع راحة الجماهير يتنازل عن راحته في سبيل راحة الجماهير، وعندما يلعب مع الاطفال يجعلهم يشعرون بالعطف والحنان الابوي، الذي قد لا يجدونه عند آبائهم وامهاتهم.. والنساء والمسنين عندما يعاملهم عضو الحركة الثورية، يشعرون انهم مع اخ أو ابن يحرص على راحتهم ويغمرهم بالحب والاحترام والعطاء.. انه بالممارسة فقط تنمو المحبة في قلوب الثوار للجماهير، وفي قلوب الجماهير للثوار، ويتميز بذلك الثوار عن اعداء الجماهير، الذين يقتلون الاطفال ويغتصبون النساء ويسيئون للمسنين ويذلون الشعب باسره. ان عضو الحركة، الذي يمارس فعلا على اساس قاعدة المحبة للجماهير تنقي ذاته من كل الامراض، التي تتعارض مع هذه القاعدة فالمحبة للجماهير تقتل الانانية. والغرور والتعالي... والتباهي والذاتية والفردية والعجرفة. وتزرع الى جانب محبة الجماهير الحقد على اعدائها الذين يسيئون لها، فيصبح المناضل جياشا بالحب للوطن والاهل والهدف.. متوقدا بالحقد على كل من تسول له نفسه الاساءة للوطن والاهل أو يقف عقبة في سبيل تحقيق الهدف...


ان حب الجماهير يتناسب طرديا مع كره العدو.. والاستعداد الدائم للنضال.. فكلما تعمقت محبة الجماهير كلما اصبحت دوافع التضحية اقوى.. والايمان بحتمية النصر أكبر والطريق الى النصر أوضح، وبالمحبة تتقوى الحركة الثورية وتلتحم ذاتها بالجماهير لتصنع الثورة.. والنصر.


6- التعلم من الجماهير وتعليمها:


ان الفرد بخبراته الذاتية ومدى اطلاعه النظري مهما عظما، فانه يظل الى جانب الخبرات المكدسة للملايين من جماهير الشعب في حاجة الى التعلم. ولا يستطيع الفرد ان يتمثل حكمة الشعب ومنابع قدراته وابداعه، الا بالتعايش الدائم والدائب، وبالصلة التي لا تنفصم مع الجماهير. فالتجارب الجماهيرية المكدسة والمبعثرة، والتي يستوعب منها افراد الشعب بدرجات متفاوتة عندما تصبح في متناول عضو الحركة الثورية، الذي يمتلك المنهج العلمي السليم في المعرفة، فانه يستطيع ان يستوعب ما تبعثر من هذه التجارب والافكار ومعطياتها، ويعيد ترتيبها وصياغتها، بحيث تصبح اكثر تماسكا ووضوحا عندما يقوم بتعليمها للجماهير.. ان التعلم من الجماهير وخبراتها، ونتائج ممارستها العفوية، تعطي المادة الخام للثائر ليصوغ منها الافكار ودليل العمل اليومي لممارسة الجماهير، مما يجعل نتائج هذه الممارسة اكثر فعالية وايجابية. ولكي يصل العضو الثوري الى درجة القدرة على تعليم الجماهير من نتائج افكارها وعقليتها وآرائها، وكيفية التعامل معها وتفهيمها بشكل عام. ان هذا التفهم للجماهير لا يتم من خلال الاطلاع النظري على التقارير والاستمارات والاحصائيات، وانما من خلال التماس المباشر، حيث يستطيع الثائر ان يتحسس بذاته الصدق من الزيف. والحق من الضلال.. والتجربة الحقيقة من التجربة الزائفة. ولكي يقوم الثائر بالانتقاء الفكري الذي يتناسب مع طموحات الجماهير من جهة، ومع خطوط الحركة الثورية من جهة اخرى، فان عليه ان يقوم بالنقاشات والحوارات الدائمة مع جموع من الجماهير، والاستماع الى مختلف الاراء حول القضايا المعنية، حتى تصبح القناعات متوافقة، وبذلك يكون العضو قد قام بعمليتي التعلم والتعليم في آن واحد.


ان مرحلة التحرر الوطني، التي تعتمد حرب الشعب كأسلوب اساسي لتحقيق النصر، تعتمد على قدرات الشعب الابداعية في مجال حربه ضد عدوه.. ان بعض القوانين العامة لحرب الشعب، هي التي يمكن ان لا تكون معروفة لدى الجماهير.. اما القوانين الخاصة لحرب الشعب، فان الطليعة تستنتجها وتتعلمها دائما من خلال الممارسات اليومية النضالية للجماهير، ومن ابداعها المستمر لخلق الوسائل المختلفة لقتال العدو، ضمن حدود منهجية حرب الشعب وهذا الابداع الذي يكرسه انطلاق مبادرات الجماهير في حربها ضد عدوها، يجعل قوانين الحرب الخاصة في حالة من التطور الدائم، والتي تستطيع الطلائع الثورية تعلمها أولاً، ثم تعليمها للجماهير ثانياً، ومن ثم رفع الكفاءة النضالية لكل فئات الشعب. ان على عضو الحركة الثورية ان يكون دائما متحفزا للتعلم من الجماهير بقدر ما يكون مستعدا لتعليمها.. وهذه قاعدة للمسلكية الثورية تجعل العضو دائم الاستنفار للعطاء الثوري.


7- الالتحام بالجماهير:


ان فعالية الطلائع الثورية تعتمد على مدى قدرتها على التلاحم مع الجماهير كحركة وكأفراد. لانه مهما كانت النظرية الثورية سليمة، فان حالة الانفصام بين حامليها ومنفذيها (الجماهير) تحولها الى حبر على ورق.. ولهذا فان أولى مهمات الطلائع الثورية بعد استنباطها الأولي للنظرية، هي تنمية التنظيم الثوري من اجل مزيد من الاحتكاك والتماس مع الجماهير الشعبية. وكلما ازدادت الانجازات الثورية، كلما توجب ان يزداد التلاحم بين الطليعة والجماهير.. ان بعض الافراد في الحركات الثورية ينظرون الى ذاتهم نظرة استعلاء على الجماهير، ولا يربطون مصيرهم ولا يرون ان مصير الجماهير مربوط بمصيرهم.


هذه العقلية الانفصالية لا يمكن لها ان تقود الجماهير الى النصر. ولهذا فانه يجب ان تكرس المسلكية الثورية، التي تدفع باستمرار الى مزيد من التلاحم بين الطلائع الثورية والجماهير.. والتي تؤكد دائماً، مزيداً من التلاحم في مراحل الانتصارات ومراحل الانتكاسات، حتى تصبح الجماهير هي الثورة.. وهي التي تتحمل اعباء المسيرة بايجابياتها وسلبياتها، مما يجعل الطلائع قادرة على تقييم تجاربها والاستفادة من الاخطاء، وليس الهرب منها والقاء تبعتها على الجماهير.


ان الجماهير لا تلتحم بالحركة الثورية الا عن وعي، بان ما تهدف الحركة لتحقيقه، هو ما تهدف الجماهير اليه.. ان تطابق الطموح الحركي والجماهيري، هو الرباط الصلب، الذي يجعل الجماهير والطليعة ينظران الى الامور نظرة واحدة، ما دامت كل منها تشعر في قرارة نفسها ان الاهداف والتطلعات لكليهما واحدة. وان هذه النظرة هي التي تعطي دفعا من القوة في نفوس الطليعة.. وفي نفوس الجماهير تحولها الى قدرة خارقة لا تقهر وتفجر فيها منابع الابداع الجماهيري المتدفق.. وان أي مسلكية تتنافى مع تأكيد التحام الحركة الثورية بالجماهير هي مسلكية منافية لقواعد السلوك الثوري، ويجب على الاعضاء نقدها ومحاربتها.


8- وحدة الجماهير:


اذا كانت المسلكيات الثورية في المجال الجماهيري قد كرست مفاهيم احترام الجماهير والثقة بها والاعتماد عليها، فان العلاقة بين الفئات المختلفة من الجماهير والتناقضات بين صفوف الشعب تحتاج من الطليعة الثورية ان تكرس مسلكية ثورية تهدف دائما الى جمع الصفوف ووحدة الجماهير الشعبية، حتى يقف الشعب كله صفا متراصا في وجه اعدائه. ويعتمد مفهوم وحدة الجماهير على طبيعة المرحلة الثورية، التي تخوضها الحركة. فعندما يكون التناقض العدائي مع عدو مغتصب، فان حركة التحرر الوطني ملزمة بتجميع كافة صفوف الشعب لانجاز مرحلة التحرر الوطني. وعلى الحركة ان تعالج بصورة صحيحة كافة التناقضات الثانوية بين صفوف الشعب، بعد ان تعزل كل اعدائه من فئات أو افراد ارتبطوا مع العدو.


ان وحدة الجماهير.. هي وحدة الذين يرون مصلحتهم في تحرير الوطن من العدوان والاغتصاب.. واذا كانت هذه المصلحة متفاوتة بين طبقة واخرى فان أي تناقض بين صفوف الشعب يظل ثانوياً، اذا ما قيس بالتناقض مع اعدائه، ولهذا فان عملية وحدة الجماهير وتعميق مفهوم الجبهة الوطنية المتحدة، هو الذي يعزز قدرة الحركة الثورية على انجاز مهامها النضالية.
ان القول بان جزءا من الجماهير هو صاحب الثورة وان الاخرين ليست لهم مصلحة فيها قد يكون صحيحا في مراحل ثورية اخرى. كمرحلة الثورة الاجتماعية.. ولكن دروس التاريخ تؤكد ان الثورة لا يمكن انجازها، الا اذا التحمت كل الجماهير الثورية فيها للتصدي للعدو المغتصب.


ان مسلكية اعضاء الحركة الثورية تجاه الجماهير، يجب ان تنطلق من مبدأ الوحدة الوطنية.. ويجب ان تكون كل ممارسات الاعضاء تاكيدا لهذه الوحدة وتجسيداً لها، حيث ان الجماهير بحاجة الى طليعة تجمعها وتقودها تتعلم منها، وتعلمها.. ان الجماهير ترفض دائما ان يكون لها طليعتان أو ثلاثة... ان الحركات الثورية اذا تعددت في مرحلة التحرر الوطني، فان أولى مهام الحركة الاكثر ثورية والاكثر ارتباطا مع الجماهير.. والاكثر ممارسة حقيقية، هي ان تسعى الى خلق صيغة لتوحيد القوى الطليعية حتى لا تتبعثر ولاءات الجماهير وتتمزق انتماءاتها.. ان الجماهير تعرف بحسها، الغث من السمين، وتعرف الفرق بين الاقوال المتشدقة والالفاظ الطفولية المزايدة، وبين الممارسات الحقيقية، التي تنبع من قضية الجماهير وتسعى لتحقيق اهدافها.. فوحدة الجماهير مطلب اساسي، والمسلكية الثورية هي التي تؤكد هذه الوحدة ضرورة دائمة، حتى يتحقق النصر.


في المجال السياسي

يتطلب العمل في المجالات السياسية قدرات خاصة، يجب ان يتمتع بها اعضاء الحركة الثورية، وحيث ان امتلاك هذه القدرات تتفاوت بين عضو وآخر، فان طبيعة المهمات الثورية، سواء السياسية أو التنظيمية أو العسكرية، يجب ان تتناسب مع قدرات الافراد والذين يكلفون بالمهمات المختلفة، ولكنه يتوجب ان يمتلك كافة اعضاء الحركة الثورية حدا ادنى من الفهم الواعي للنظرية الثورية، حتى لا يقعون في النزعات العسكرية أو التنظيمية المحضة، والتي تفصل بين الخط السياسي والخطوط الثورية الاخرى. ولهذا، فان العضو في الحركة الثورية مطالب بالتزام قواعد المسلكية الثورية في المجال السياسي، حتى يستطيع ان يعبر داخل الحركة وخارجها عن فكرها.. وعن استراتيجيتها وعن اهدافها ومبادئها. وحتى يستطيع ان يعبىء الآخرين ويستقطبهم لعضوية الحركة عن وعي وتفهم.
ان معرفة الخط السياسي السليم للحركة الثورية، والذي يوضح المنطلقات في المرحلة النضالية للثورة الى جانب الاهداف الاستراتيجية والاهداف التكتيكية المرحلية واسلوب ووسائل تحقيق كل منها، هو الذي يعري كل الممارسات المنحرفة يمينا أو يسارا عن الخط السياسي الصحيح.


ان الانحراف اليميني والانحراف اليساري الطفولي، هو خروج عن الالتزام الثوري بنظرية الحركة. ولهذا فان اعضاء الحركة الثورية مطالبون من خلال تمسكهم بقواعد المسلكية الثورية، ان يكشفوا الانحرافات، أياً كان شكلها ومصدرها، ويعملوا على تصحيح الافكار الخاطئة، حتى يظل الخط الثوري الصحيح هو دليل العمل لمجمل اعضاء الحركة.


ان الانحراف اليميني، الذي يقع في خطأ التفريط بالاهداف الاستراتيجية، والخط الصحيح في سبيل تحقيق مكاسب آنية، ينبع في الاصل من فقدان الثقة بالجماهير وبقدرتها على استمرار النضال.


ان الانحرافات اليمينية تكرس داخل الحركة الثورية مجموعة من الامراض، كي تضمن سهولة تحقيقها لاغراضها الذاتية. فهي تعمل على تسيب التنظيم وتكرس فيه ظواهر مرضية، 
كالشللية والاستزلام والوظائفية والبيروقراطية الى جانب تكريسها الامراض ذاتها داخل القوات المسلحة، مما يجعلها اداة قمع للجماهير.
ان الانحراف اليميني يحطم خط الجماهير والخط التنظيمي والخط العسكري، وهو عاجلا أو اجلا يحطم الثورة ويقودها الى الاستسلام للعدو، اما الانحراف اليساري الطفولي، الذي يتميز باصوات مجلجلة فاقدة للمنهجية العلمية فيوقعها اسيرة اهوائها وطموحاتها الذاتية ويقذفها في مباريات الجمل الطنانة والمزايدات المفضوحة، ويجعلها تغوص، في تحليلات ابعد ما تكون عن الموضوعية تتركز في جانب واحد من القضية يفرط بكل مكتسباتها الانية في سبيل ما تظنه الفئات الطفولية اليسارية مكاسب استراتيجية. وتكون تحليلات الفئات المنحرفة للقوى المتصارعة مبالغ فيها بالسلب أو الأيجاب، ولا تقوم على أية اسس سليمة من المنطق والمعرفة.


ان الحركة الثورية تحمي نفسها من الانحرافات اليمينية واليسارية الطفولية، بتأكيد الممارسة على اساس مفهوم قواعد المسلكية الثورية في كافة المجالات، وخصوصا في المجال السياسي..


ويتطلب هذا المجال التمسك بالقواعد التالية :


1. الوعي والمعرفة :


ان الانسان الذي يضع على عاتقه التصدي لتغيير الواقع، الذي يراه كما تراه الجماهير فاسدا.. مطالب بان يتعرف على هذا الواقع بالتفصيل، حتى يستطيع ان يفهم أين يقف.. ومن معه ومن ضده... ان أولى متطلبات النظرية السياسية هو معرفتها... والذين يريدون العمل في هذا المجال عليهم ان يعرفوا جيدا كل مكونات وركائز النظرية، الثورية حتى يصبح دليل العمل لممارستهم واضحاً، وحتى يستطيعوا اغناء هذا الدليل بنتائج الممارسة.


ان المعرفة فضيلة... والجهل رذيلة، وفي العمل السياسي يكون الجهل مصيبة تجر على الحركة الثورية الدمار والخيبة...
والمعرفة الواعية بالنظرية الثورية التي ترقى الى درجة القناعة، هي القاعدة التي تتطلبها المسلكية الثورية، اما المعرفة السطحية.. وترديد العبارات الثورية عن ظهر غيب، دونما تفهم حقيقي واع لكيف وعلى أي اسس انبثقت النظرية.. وكيف.. ستتحقق الاهداف.
... ان هذه المعرفة السطحية ليست سوى مظهر من مظاهر الجهل المخادع. والذي تكشفه الممارسات الثورية أولا بأول.


ان الالتزام الواعي بالنظرية الثورية لا يتأتى الا بمعرفتها الحقيقية والموضوعية، ولكننا لا نفترض ان هذه المعرفة وهذا الوعي يتم دفعة واحدة. لان النظرية بتعقيداتها تفرض ذاتها على اعضاء الحركات الثورية خلال مرحلة طويلة من الممارسة، وعند ذلك يصبح تبني النظرية مبنيا على اسس علمية مسندة بالبراهين والاثباتات التي تؤكد صحتها، ويصبح تبنيها عن قناعة وقدرة على الاقناع وليس بموقف معاند مشاكس. لان الموقف الأول هو الذي يغني النظرية بالتزام الاخرين بالاقتناع بها. والموقف الاخر ينفر الاخرين منها.


كما وان المعرفة الواعية بالنظرية، هي التي تجعل العضو قادرا على النقد للممارسات الخاطئة، التي تتعارض مع مفهوم الخط السياسي.. والمعرفة الواعية تقدم نقدا واعياً وبناء. اما المعرفة السطحية فانها اعجز من ان تقوم بعملية النقد البناء، وانها قد تضطرب في تشكيل مفهومها عن الممارسات، فتقع في الانحرافات، أو تخطىء في تصنيف الظواهر سلبياً وأيجابياً، مما يكرس في الحركة الثورية مفاهيم احادية الجانب، أو ضيقة الافق، فتحرم النظرية من التطور وتقع اسيرة التحجر الفكري.


2- المنهجية :


ان الممارسة السياسية بمنهجية تختلف عن المنهجية التي استنبطت على اساسها النظرية الثورية، تقود حتما الى التخبط والاخطاء والوقوع في السلبيات القاتلة، فالمنهج هو الذي يحكم طبيعة التفكير لكافة ابناء الحركة الثورية الواحدة، وبهذا يكون افراد هذه الحركة قادرين على مواجهة نفس المشاكل السياسية، بنفس المواقف مهما تباعدت المسافات بينهم، لانهم يمتلكون منهجا واحدا للتحليل.


وان تعميق مفهوم الخطوط السياسية للحركة الواحدة عند افرادها، يجعلهم يواجهون القضايا الجماهيرية السياسية والتنظيمية والعسكرية بعقلية واحدة. ان غياب المنهج العلمي للتحليل ولاتخاذ المواقف اللازمة، يلقي باعضاء الحركة الثورية في احضان المناهج الفكرية المختلفة والمتعارضة مع المنهج العلمي.. الذي يتميز عن غيره باعتماد الانسان وقدراته اداة اساسية لتحقيق الاهداف، ضمن الشروط التي تفرضها النواميس والقوانين الطبيعية، ان غياب المنهج الصحيح من حياة الحركة الثورية اليومية يوقعها في احضان المنهج الشكلي أو الليبرالي . فتصبح نظرة ابناء الحركة الواحدة للقضية مختلفة باختلاف الزاوية التي ينظر كل عضو منها الى القضية، فتتعارض بذلك اساليب التصدي للقضايا الجماهيرية والسياسية والتنظيمية والعسكرية.. ان غياب المنهج الواحد للحركة الواحدة، يعني عمليا غياب النظرية الثورية.. وبالتالي غياب الحركة الثورية نفسها، لانه ليس المهم ان تمتلك نظرية ثورية صحيحة، وانما الاهم ان تمارس على اساسها، وبما ان الحركة الثورية تكون لها نظرية ثورية واحدة، فان الممارسة يجب ان تنبع من وحدة النظرية وبالتالي وحدة المنهج.


ان تعدد المناهج في الحركة الواحدة يحولها الى كم عفوي متراكم من الايجابيات، التي تلغيها السلبيات. ويصبح واقعها كالحوار الذي يدور بين افراد لا يفقه أي منهم الا اللغة التي يتحدث بها.. وكلهم يتحدثون بلغات مختلفة.. ان واقع حوار الطرشان داخل الحركة الثورية ينميه ويؤكده غياب المنهج الثوري داخل التنظيم الواحد، وان الممارسة الصحيحة.. والنظرية الصحيحة تدفعان الحركة الثورية نحو تحقيق اهدافها، فقط عندما يمتلك اعضاؤها منهجا واحدا للتفكير.


3- الالتزام :


ان الدعائم التي تقوم عليها الحركة الثورية تتكون من القضية، التي تتحمل الحركة مسؤوليتها لصالح الجماهير أولا، والنظرية الثورية المتكاملة التي تشكل دليل عمل الممارسة لتحقيق الاهداف ثانيا، ثم اعضاء التنظيم الثوري الذين يتحملون مسؤولية النضال من اجل انجاح القضية ثالثا... ان الترابط بين هذه الدعائم الثلاث يعتمد اساسا على التفهم الواعي للقضية وللنظرية لدى الاعضاء والتزامهم الكامل والدائم بهما.. ان القضية مهما كانت عادلة دون ان تجد من يلتزم بها ويناضل من اجل تحقيقها، تظل قضية ضائعة.. والنظرية مهما كانت صحيحة ومهما آمن بها وتفمها الافراد، فانها دون التزامهم بتنفيذها، تظل نظرية هائمة.. ولهذا فان الالتزام بالقضية وبنظريتها يضعانهما امام الممارسة في ارض الواقع.


ان المفهوم الثوري للالتزام يعني :


أـ الايمان المطلق بالقضية وباهداف الحركة الثورية والاستعداد الكامل للنضال حتى الموت في سبيلها.
ان الحركة الثورية التي تسعى لتغيير الواقع، بحاجة الى ثوار يضحون بكل شيء في سبيل تحقيق اهداف الثورة، نتيجة أيمانهم المطلق بها... وبعدالتها... وبما تحققه من مصالح للشعب.. ان الأيمان بالقضية من جهة، والاستعداد للموت في سبيلها، يشكلان اساس مفهوم الالتزام الثوري الاصيل.


ب ـ الحرص الدائم على الانسجام الكامل مع النظرية الثورية للحركة والتقيد بخطها السياسي تكتيكيا واستراتيجيا. ان خروج الممارسة عن الخط السياسي للحركة، يعني عمليا خروجاً عن الحركة وانحرافاً عن مواقفها.. ويجب ان يفرق الاعضاء بين الانحراف عن الخط الثوري وبين تطويره واغنائه بالممارسة العملية... ان الانحرافات تنتج عن الممارسات التي تتعارض أو تتناقض مع الاسس والمبادئ التي تقوم عليها الحركة، اما عملية التطوير، فانها تعتمد على تنظير الممارسات اليومية وتحويلها الى دروس تغني النظرية ولكنها لا تنقضها.


ج ـ التقيد التام بقرارات الحركة الثورية والدفاع عن مواقفها... ان الحركة الثورية تعتمد على اعضائها كمدخل اساسي لارتباطها بالجماهير.. وان قرارات الحركة تكون دائما في مصلحة الجماهير، ولذا فان الاعضاء مطالبون بتنفيذ قرارات الحركة... والتقيد بها دون افساح المجال للاجتهادات الشخصية والقرارات والمواقف الذاتية، ان عضو الحركة الملتزم من حقه ان يناقش قرارات الحركة ويوافق أو لا يوافق عليها ضمن الاطر التنظيمية. ولكن عندما تصدر القرارات بالاغلبية، فان على الجميع الموافقون والمعارضون التقيد بها والالتزام بتنفيذها وعدم مهاجمتها أو اظهار التعارض معها خارج الاطر، لان هذا ينمي المواقف الفردية والانشقاقية، التي تضر بالحركة الثورية وتضعف فيها مواقف الالتزام الثوري، كما ان الالتزام يتطلب من كافة المستويات التنظيمية الدفاع عن مواقف الحركة الثورية وتوضيحها وشرح ابعاد المصلحة التي تحملها للجماهير.


4- الشمولية :


يتطلب العمل السياسي من المناضل ان يتميز بسعة الافق والنظرة الشمولية العامة للواقع، حتى يستطيع عند تركيزه على الخصوصيات ان يحدد طبيعة علاقتها وتفاعلها بكافة مكونات القوى، التي تؤثر فيها أو تتأثر بها، مهما كان هذا التأثر والتأثير ضعيفا.. ان النظرة الشمولية للقضايا السياسية ترفع المناضل الثوري الى مستوى من المعرفة بطبيعة الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية العالمية وأثرها على القضية السياسية، التي يناضل من اجلها. ان النظرة الضيقة، التي تجعل المناضل يرى ان قضيته الوطنية هي القضية الاساسية، التي يجب ان يتوجه العالم كل العالم معه لحلها، قد تجعله يسقط في النظرة الاضيق التي تجعله يرى القضية الوطنية من خلال نظرته لذاته... فتنقلب على مواقفه السياسية صبغة الانا... ويتميز بنرجسية تجعله يرى مصلحة الثورة من خلال مصلحته وقضية الثورة من خلال قضيته. وتصبح نظرته الى الواقع مرتبطة بما ينجزه شخصيا.. فالانجازات في كافة المجالات ان لم يكن على رأسها، تصبح قابلة للنقد. وللبحث عن الخطأ فيها وما ينجزه هو شخصيا يشكل انجاز الثورة.. وفقدان النظرة الشمولية والوقوع في النظرة الضيقة تجعل المناضل يرى الثورة والتاريخ ظلا له يتحركان اذا تحرك، وينامان اذا نام.. وينتهيان اذا انتهى.. ان تعميق مفهوم النظرة الشمولية ضرورة اساسية للمناضل الثوري، حيث ان قضايا السياسة، التي تتعارض فيها برامج الثورة مع برامج اعدائها، تشترط على المناضل ان يكون على اطلاع كامل، ليس ببرامج الثورة وحلفائها فحسب، وانما ببرامج اعداء الثورة وحلفائهم.. وبطريقة ممارساتهم وتكتيكاتهم السياسية، وكيف ومتى يمكنهم استخدام الاسلوب نفسه ضد الثورة؟ وكيف ومتى يجب التصدي له.


5- الجذرية :


الثورة حتى النصر... هذا هو اساس المسلكية الثورية في المجال السياسي، ان عضو الحركة الثورية يجب ان يفهم بانه مطالب بالقيام بالثورة حتى النهاية.. حتى تحقيق كل الاهداف. وان أية اهداف مرحلية لا يجوز ان تكون على حساب الاهداف الاستراتيجية للثورة...
ان الجذرية تربط بالثورة، مناضلين يتميزون بصفات هي ضمانة لاستمرار الثورة.. ضمانة سيرها في الخط الصحيح مهما صعبت الظروف ومهما تراكمت الانتصارات.. فالمناضل الجذري يرى مصلحة الجماهير وقوتها ويستمر في النضال معها، حتى تخضع لها كل القوى، التي كانت تحاربها.. ان فقدان الجذرية في النضال السياسي تدفع الى الانحرافات، التي قد تسلم بسهولة تصل الى درجة الاتفاقات مع العدو الاساسي.
ان تعبئة الجماهير... ومناضلي الحركة الثورية في اتجاه الثورة الجذرية الثورة حتى النصر، يجب ان لا يتعارض مع تعبئة الجماهير والمناضلين للتحفز لتحقيق الانتصارات المرحلية.. ان المهمة التي يمكن ان يكلف بها أي عضو في الحركة الثورية، تكون لها اهداف محدودة.. ولكنه يتفانى في سبيل تحقيقها، فقط اذا كانت الاهداف التي تحققها العملية أو المهمة هي في خدمة الهدف الاكبر وتشكل جزءا منه... فالانتصار الكبير هو مجموع الانتصارات الصغيرة.. والثورة حتى النصر هي مجموع المهمات الناجحة التي يتراكم عطاؤها، فتحول قوة العدو الى ضعف، وتجعل الثورة في وضع يفرض شروطها على العدو وتجعله يستسلم لها.
هذا هو مفهوم الثورة الجذرية.. وهو الى جانب التفاني في القيام بالمهمات الصغيرة على طريق الانجاز الاكبر، فانه يتطلب عدم التصدي للمهمات الكبيرة قبل الاستعداد لها. فالثورة تستمر اذا استمر تواجد كوادرها واعضاءها... اما اذا وقعت الثورة في مأزق المقامرة.. فخسرت كوادرها.. واعضاءها، فانها قد تصاب بنكسات تمزق نظريتها.. ولذلك فان خطورة الانحرافات اليسارية التي تغفل دراسة الواقع جيدا.. ولا تتعمق في حسابات القوى الذاتية والموضوعية للثورة ولاعدائها، قد تجر الثورة الى كوارث نهايتها.. فالمهمات المطلوبة مرحليا يجب ان تكون واضحة للجماهير، يناضلون من اجلها نضالا يومياً، شريطة ان يكون هذا النضال واضحا للجماهير أيضاً، بانه خطوات على طريق اهدافها الاساسية، طريق الثورة حتى النصر.


6- الجدية :


ان فعالية الحركة الثورية وسرعتها في انجاز مهماتها على طريق الثورة، تتطلب من كافة أعضائها التوجه للعمل بروح جادة تعطي الامور حق قدرها وتضعها في نصابها دون اهمال أو لامبالاة، بأن المسلكية الثورية الجادة تدفع المناضل الى وضع كل امكانياته في خدمة الثورة وخدمة الجماهير، وتجعله يتوجه بنضاله للقضأيا الصغيرة بنفس الروح التي يتوجه بها للقضأيا الاساسية، مع اعطاء كل قضية حجمها الطبيعي من الجهد والوقت والامكانيات الضرورية. ان المناضل الجاد يرى ان عليه واجبات تجاه نفسه يجب ان ينجزها.. فهو دائم التعلم.. والتثقيف لذاته، ودائم الرفع من مستوى وعيه.. الى جانب الجدية التي يتوجه بها تجاه تنظيمه وتجاه الجماهير... وهو يعالج القضأيا السياسية بروح المتمكن من حلها والواثق من قدرته على تحقيق اهدافه، والمناضل الجاد يسعى دائما.. وعبر نضالاته المستمرة، الى تعميق روح الانتماء والارتباط المصيري بالثورة... فهو يرى انه موجود لان الثورة موجودة.. وان بقاءه ومصلحته مرهونان باستمرار الثورة وبانتصارها وبقدرتها على تحقيق مصالح الجماهير. والجدية تفرض على المناضل ان يكون جادا في اقواله، فلا يخلط المزح والهزل بالجد... ولا يأخذ مواقف اللامبالاة من اقوال غيره والتي تكون في غير موضعها... كما ان على المناضل ان يكون جادا في افعاله وممارساته وفي طبيعة العلاقات التي تربطه باعضاء الحركة الثورية أو بانصارها أو بالجماهير... وهو مطالب ان يحارب وبدون هوادة، كل مظاهر الاستهتار التي قد تبرز بممارسة غيره، من الاعضاء.
ان تعميق المسلكية الجادة لدى المناضلين، هو تعميق للثورة في صفوف الجماهير.. وللثقة المتبادلة بين اعضاء الثورة انفسهم. وفقدان هذه المسلكية هو تغييب للروح الثورية من العمل النضالي، مما يوقع العمل الثوري في افخاخ المزاجية الفردية، التي تقوم بالمهمات حسب اهوائها وتعالج القضايا وتطرحها حسب الحالة النفسية الشخصية التي تمر بها.. فهي متحمسة حينا ولا مبالية احيانا.. مما يفقد المناضل الثوري صفة الثائر القدوة للجماهير..


7- الوضوح :


ان ما يميز النظرية الثورية الصحيحة، هو وضوحها وقدرة استيعاب الجماهير لها دونما لبس أو غموض.. وان بساطة النظرية الثورية تتطلب من المناضلين ان يجعلوها مدخلا لعلاقاتهم بالجماهير.. ولذلك، فان أعضاء الحركة الثورية يوضحون الواقع السياسي للجماهير ببساطة تتفق وقدرة الجماهير على التقبل. ان الوقوع في امراض الاستعراضية الكلامية واستخدام الكلمات والعبارت الثورية البعيدة عن واقع الجماهير وغير المفهومة لها سياسياً، تعبر عن أوضاع ليست موجودة لدى الجماهير أو غير مالوفة لها أو خارجة عن نطاق قاموسها اللغوي يعقد مفهوم الثورة لدى الجماهير، ان مخاطبة الجماهير باللغة التي تفهمها، هو اساس لتعميق مفهوم الحركة السياسي لدى الجماهير..
وان التركيز على واقع الجماهير والانطلاق منه بالامثلة الحية المالوفة، يعمق مفهوم الثورة لدى الجماهير..
ولهذا، فان اعضاء الحركة الثورية مطالبون دائما بالتعبير عن منطلقات الثورة واساليبها واهدافها بصورة واضحة وغير منفرة. كما وان عليهم الابتعاد عن الخوض في التعقيدات النظرية لغة وفكراً، حتى يضمنوا الروابط التي تشدهم للجماهير. ان نضال الحركة الثورية السياسي وارتباطه بالواقع القومي أو الاممي، يجعل من الضروري أيضاً، ان يسود الوضوح طبيعة علاقة الثورة باصدقائها.. ان تعميق الثقة بين المعسكر الواحد.. ينبع من المعرفة الواضحة للدوافع التي تتحكم بالمواقف السياسية لاطراف المعسكر.. ولهذا، فان على المناضل ان يجعل علاقة الثورة ومصلحة حلفائها، والذي يعتمد على نوعية الحلفاء.. وشروط التحالف معهم والمدى الزمني والمكاني الذي يحكم طبيعة التحالف.


8- الصراحة :


عندما تكون اهداف الثورة واضحة، وقضيتها عادلة.. فان على المناضل في الحركة الثورية ان يناضل في المجال السياسي ويطرح آراء الحركة بصراحة.. ودون سرية مواربة أو لف ودوران.
ان افكار الحركة الثورية ليست سرية المحتوى، فهي ملك للجماهير، ويجب ان يطلعوا عليها، ويجب ان تعرف الجماهير حقيقة الواقع السياسي كاملة... وان القول بأن الحقيقة كل الحقيقة للجماهير، يجب ان لا يدفع الاعضاء الى طرح قضأيا تتعلق بأمن الثورة، فالصراحة في المواقف السياسية هي ضد الثرثرة في القضأيا الامنية.. ولهذا يجب التفريق بين الحالتين..
ان تنمية علاقة الثورة مع القوى التي تناضل الى جانبها، يجب ان تتسم الى جانب الوضوح بالصراحة، وان يوضع اصدقاء الثورة في صورة الواقع الذي تناضل فيه، حتى تستطيع الثورة ان تحصل بعلاقتها مع حلفائها على كل احتياجاتها الممكنة. والصراحة التي يجب ان يعامل بها اعضاء الحركة الثورية الجماهير، مرتبطة بصدق الطرح... لانه اذا كان عدم اطلاع الجماهير على حقيقة الموقف السياسي بصراحة، يعتبر مسلكا غير ثوري... فان اطلاع الجماهير على موقف سياسي غير حقيقي.. يهدف الى تضليل الجماهير وانتهاز عدم معرفتها للحقيقة هو انحراف عن خط الثورة... ولهذا، فان على المناضلين الثوريين ان يعمقوا روح الصراحة في علاقاتهم السياسية مع الجماهير ومع كافة القوى التي تدعم الثورة وتناضل الى جانبها.


9- التطور :


ان ضرورة النظرية الثورية للحركة الثورية مرتبطة اساسا مع ضرورة الحركة للنظرية الثورية.. والحركة هنا تعني ديناميكية العلاقة بين النظرية والممارسة، بحيث لا تصبح مقولات النظرية نواميس مقدسة، وانما تظل فرضيات تثبت الممارسة تأكيدها وتطويرها واغناءها.. ومفهوم النظرية في العلوم الاجتماعية يختلف عنه في العلوم الطبيعية، حيث ان اكتشاف القوانين والنواميس التي تضبط حركة الاشياء وان لم تكشف بكاملها بعد، فالعلم قد قطع اشواطا بعيدة في سيطرته على معرفة الواقع الطبيعي.. ولكن العلوم الاجتماعية.. بالرغم من خضوعها لمجمل القوانين الطبيعية، الا ان واقعها يتطور باستمرار مطرد ليؤكد، ان امام الانسانية مجالات شاسعة لم تكتشف بعد، وان تطور النظريات الاجتماعية يخلق ظروفا جديدة تدفع الى تطور جديد. ولهذا، فان عضو الحركة الثورية مطالب بان يكون منفتحا على العالم.. قادرا على تفهم التطور الاجتماعي والاقتصادي، وان انجازات الحركة الثورية بنضالها على طريق الهدف الاساسي يخلق معطيات جديدة تفرض النظرية الثورية تحليلها واغناء النظرية بها، حتى لا تصبح المسيرة الثورية قفزة الى الامام وقفزات الى الخلف، ان ضرورة تطوير النظرية تنبع من ضرورة الممارسة، التي بتغييرها للواقع مهما كان التغير ضئيلاً، فانها تعطي آفاقا جديدة للنضال وتدخل في حساب العمل معطيات جديدة لا ينكر تأثيرها على ممارسة المستقبل، الا كل ذي فكر جامد متحجر. ان المسلكية الثورية المتطورة تجعل من واجب العضو ان يحارب وبشدة كل النزعات الى التحجر والجمود الفكري، لان اصحاب هذه النزعة يقفون حائلا دون انجاز الثورة لمهماتها، ويعيشون على امجاد الانجازات الأولى، أو الافكار التي انطلقت على اساسها الثورة.. وهذه النزعة لا تدفع الثورة الى الامام، وانما تكون سببا في النكوص بها وتحجرها وفشلها.
ان الجمود العقائدي في الثورة يحرمها من الميكانيكية والفعالية، التي يجب ان يتصف بها العمل الثوري، ويوقعها في احضان الركود والانعزال عن الواقع، الذي يفترض به ان يشكل دائما نقطة انطلاق جديدة على طريق النضال.. ان التطور لا يمكن ان يتم الا باستمرار الصراع بين القوى المتعارضة.. وقوى الثورة تتصدر دائما بمنجزاتها وبتعلمها فن انتصاراتها وانتكاساتها على حد سواء.


1.- الموضوعية :


اذا كانت الحركة الثورية تملك حرية وضع برنامجها لتحقيق اهدافها. واذا كان بامكانها اختيار الشكل الذي يريده للنضال وتطوير قواها الذاتية، فانها لا تملك وضع البرنامج المعادي للثورة، ولا تتحكم فيه مباشرة.. وان الحركة الثورية تواجه دائما ظروفا موضوعية خارجة على ارادتها. ان من مهمة الثائر ان يكون موضوعيا في نظرته الى الواقع، فلا يرى القوى الذاتية للحركة فحسب، وتكون حساباته على اساس انه يملك القوة لتغيير العالم.. وفي نفس الوقت، فانه لا يجوز ان يرى قوة اعداء الثورة فقط، وبذلك يستسلم للاعداء. ان الثائر الموضوعي، هو الذي يحسب القوى على حقيقتها ويعمل جاهدا لاختيار الاساليب الاكثر ملاءمة، حتى تصبح محصلة صراع القوى الى صالح الثورة. ان الظروف الموضوعية ومعرفتها والنضال على اساس اعتبارها في المجال السياسي والعسكري، تفرض على الثائر ان يكتشف الاساليب والطرق، التي بواسطتها يستطيعون ان يتغلبوا على هذه الظروف وان يخلق ظروفاً موضوعية جديدة تشكل مناخا اكثر ملاءمة لمسيرة الثورة. ان معرفة الثائر بالمبادئ الاساسية لمفهوم النضال، تجعله لا يستسلم لاصعب الظروف التي تفرضها عليه الأوضاع الموضوعية. وانه باعتماده دائما على تطوير وتقوية موقفه الذاتي وسلامة الجبهة الداخلية للحركة، يستطيع ان يتصدى لاعتى المؤامرات واصعب الظروف، وكلما حققت الثورة انتصارا في الواقع الذاتي أو الموضوعي فانها تحقق خطوة جديدة على طريق النصر النهائي.


ان النظرة الاحادية الجانب توقع المناضلين في اخطاء ونتائج قاتلة، حيث انها لا تفقدهم جزءا اساسيا من قواهم فحسب، وانما تعرضهم الى تلقي ضربات من جهات لم يحسبوا حسابها. ولذلك، فان اسس النضال تتطلب ان تدرس القضايا السياسية من كافة جوانبها، وان تعرف كافة ابعادها، حتى لا تصبح النظرة الذاتية هي التي تقود الحركة الثورية بديلا عن النظرة الموضوعية الشاملة.. والتي هي الضمان الاساسي لاستخدام المنهجية السليمة في التفكير، والتحليل واتخاذ المواقف.


*(1) نقاط الاهتمام الثماني: 1ـ تحدث بأدب 2ـ ادفع ثمنا لما تشتريه 3ـ اعد كل ما تستعيره 4ـ ادفع تعويضا عما تتلفه 5ـ لا تضرب الناس وتشتمهم 6ـ لا تتلف المحاصيل 7ـ لا ترفع الكلفة بلا مبرر مع النساء 8ـ لا تسء معاملة الاسرى.
*2ـ قواعد السلوك ال 21:
1ـ ان لا تاخذ ابرة ولا خيطا من الشعب.
2ـ عندما يكون لك تجارة مع الشعب فيجب ان تكون عادلا وان تدفع نقدا.
3ـ عندما تريد اقتراض شيء عليك ان تطلبه أولا وان ترجعه بعد ان تنتهي من استعماله، واذا حدث له تلف فعليك ان تدفع تعويضا عنه.
4 ـ عندما تنزل في بيت من بيوت الشعب فلا تزعجهم وعليك ان تبقي البيت نظيفا ومرتبا.
5 ـ لتطبيق السياسة الوطنية الخاصة بالاقليات بصورة صحيحة، يجب ان تحترم حرية العقيدة عند الجماهير وان تحترم عاداتهم وتقاليدهم.
6ـ احترم كبار السن واحب الاطفال وكن متحدا مع الشباب ومستقيما مع النساء.
7ـ لا تهدد الشعب ولا تشتمهم ولا تضربهم.
8 ـ عليك ان تحمي ارواح وممتلكات الناس وممتلكات التعاونيات وممتلكات الدولة.
9ـ ان تتحد مع الشباب وتحترم وتدعم جميع الادارات والهيئات العسكرية والمدنية والحزبية.
1.ـ ان تكون مثالا في تنفيذ سياسة وقوانين الدولة.
11ـ ان تكون نشيطا في عمل الدعاوي وفي عمل التعبئة وفي مساعدة الجماهير بتطبيق الخط السياسي للحزب والدولة وسياستها.
12. ان تحافظ على السرية وان تعبىء الناس للمحافظة على اسرار الدولة.


قواعد المسلكية الثورية في المجال التنظيمي

ان اكتساب الحركة الثورية لصفة الطليعة وممارساتها على هذا الاساس، يتطلب منها ان تكون واعية للواقع السياسي وقوانين التطور الاجتماعي أولاً، وان تكون منظمة مترابطة صلبة البناء والتكوين يشد اعضاؤها بعضهم بعضا بوثائق من المبادئ والمفاهيم الثورية ثانيا. ان اهمية التنظيم في الحركات الثورية ليست بحاجة الى توضيح. ولكننا يجب ان نركز على المفهوم الحقيقي لمعنى التنظيم الثوري... ان مواجهة القوى المعادية للجماهير، والتي تستغلها.. وتغتصب حقوقها، تتطلب من طليعة الجماهير ان تكون رأس الحربة الحديدي المتماسك، القادر على توجيه الضربات المؤلمة لاعداء الثورة. ان متانة الروابط التنظيمية بين اعضاء الحركة تضمن صلابة التنظيم من جهة وصلابة ارتباطه مع الجماهير من جهة اخرى.. فبناء التنظيم يعتمد على اسس وقواعد يتطلب التمسك بها ويصبح تجاهلها وعدم الالتزام بها انحرافا عن الخط التنظيمي الثوري وتدميرا للحركة الثورية بكاملها.. ان اهمية الحركة الثورية لا تتوقف على عدد اعضائها، وانما على درجة التنظيم والترابط بينهم أولا.. وعلى قدراتهم الذاتية وطليعتهم ووعيهم ثانيا. وعلى تمثيلهم لخط الجماهير وقيادتهم لها ثالثا. ان البناء التنظيمي على الاسس والقواعد التنظيمية والتمسك بها، يضاعف قوة التجميع العفوي عشرات المرات، حيث انه يعطي للمجموعة ارادة موحدة تحولها الطليعة ارادة للمجتمع الثوري بكامله. ولهذا، فان الطاقة الاساسية الفاعلة والموجهة لكافة القوى الثورية تتمثل بالتنظيم الثوري الذي تزداد طليعته بازدياد صلابته ومتانة بنيانه الداخلي.
ان امكانية التلاحم الحقيقي بين الحركة الثورية والجماهير، لا تتحقق الا بخلق التلاحم الذاتي للحركة الثورية، وعلى أسس سليمة وذلك بالتمسك الدائم بالنظام الداخلي، الذي يحدد قواعد المسلكية الثورية للاعضاء وطبيعة العلاقات في اشكال التنظيم المختلفة نتيجة الظروف والمهمات المتغيرة. ان التمسك بقواعد المسلكية الثورية في المجال التنظيمي، يضمن للحركة الثورية حياة داخلية صحية ونموا تنظيميا سليما وتنفيذا صحيحا لكافة المهمات.. وحيث ان الانظمة الداخلية للحركات الثورية تعطي اهتماما خاصا للقواعد الاساسية للتنظيم، فان مجمل حياة الحركة الثورية يرتبط بأساسيات النظام الداخلي وبكافة الفرعيات والتفصيلات، التي تتضمنها اللوائح التنظيمية الملحقة بالنظام الداخلي.. ان اعضاء الحركة الثورية بالتزامهم بقواعد المسلكية الثورية، فانهم يحافظون على كافة الخطوط الثورية للحركة في المجالات المختلفة، ويطورون بمبادراتهم وفعالياتهم قواعد التنظيم، وذلك بتصديهم الدائم لكل انواع الامراض المستفحلة في المجتمع، والتي يحاول اعداء الثورة تسريبها الى صفوف التنظيم الثوري. ولهذا، فان التمسك الدائم بقواعد المسلكية الثورية، التي تحكم طبيعة العلاقة بين اعضاء التنظيم الثوري، يشكل الاسمنت الذي يشد لبنات الهرم التنظيمي بعضها الى بعض. وتلعب هذه القواعد دور القوانين العامة في المجتمع، وان كانت تفوقها اهمية، لان الاعضاء يرتبطون بالتنظيم باختيارهم، وهم بذلك يوافقون على ان يخضعوا للقوانين والقواعد التنظيمية بمحض ارادتهم.
ان اعداء الجماهير يعملون جاهدين لفصم العلاقة التي تربط الجماهير بطليعتها الثورية، ويستخدمون شتى الوسائل والاساليب لعزل الثورة عن الشعب. ويدرك اعداء الثورة اهمية تحقيقهم لهذا الهدف. ولكنهم يدركون أيضا انه ليس من السهل ان يتم عزل الحركة الثورية عن الجماهير، ما دامت الحركة الثورية بخطوطها الواضحة تجسد طموح الجماهير وغاياتها. ولهذا، فان القوى المعادية تركز على ضرب التنظيم الثوري في الصميم، وذلك بان تحاول احداث شروخ وامراض تتفشى داخل التنظيم، فتجعل ممارسات اعضائه اليومية منفرة للجماهير ومتناقضة مع مصالحها واهدافها ومنحرفة عن قواعد المسلكية الثورية في المجال الجماهيري والتنظيمي على حد سواء.
ان خطورة غياب الالتزام بقواعد المسلكية الثورية، يشل قدرة الحركة جماهيرياً وسياسياً، ويجعلها اعجز من ان تؤدي مهماتها القتالية .. ومع غياب هذا الالتزام، تتأصل في الحركة الثورية امراضا تكفي لانهائها أو لالهائها في الصراعات الداخلية، مما يجعلها تصبح ابعد ما تكون عن السير نحو الهدف الذي انطلقت من اجله. ولهذا، فان الالتزام بالنظام الداخلي واللوائح التنظيمية وما تتضمنه من قواعد للتنظيم، يشكل الضمانة الحقيقية لاستمرار الثورة حتى النصر. وقواعد المسلكية الثورية في المجال التنظيمي كثيرة، ولكنها تشكل بمجملها السد، الذي يحمي الحركة من تسرب امراض المجتمع. ومعظم هذه القواعد يشكل الضمانات السلمية للعلاقات التنظيمية، وبعضها يشكل الصفات الاساسية، التي يجب ان تتوفر في العضو الحركي، ليكون قادرا على تحقيق القواعد الاساسية. وتوضيح هذه القواعد وشرحها ليس الهدف منه معرفتها، وانما العمل على تطبيقها. ان معرفة هذه القواعد يساعد الحركة الثورية على تصحيح الممارسات المتناقضة لها، وذلك عن طريق النقد والنقد الذاتي، الذي يجب ان ينصب وبلا هوادة ليحارب كل انحراف أو اهمال لقواعد المسلكية الثورية. وفيما يلي عرض لاهم قواعد المسلكية الثورية في المجال التنظيمي:


1. الانتماء :


ان دور التنظيم الثوري هو خلق روابط جديدة توثق العلاقات بين الافراد وتجعلهم يشعرون بان انتماءهم للحركة الثورية يشكل المبرر الاساسي لوجودهم.
ان تعزيز هذا الانتماء يقوي ويمتن الروابط بين الاعضاء والحركة الثورية روحيا.. ومادياً، كما انه يمتن الروابط بين الاعضاء بعضهم بعضا، مما يرفع بالعلاقات التنظيمية لان تحل محل العلاقات الاجتماعية أو علاقات القرابة الاخرى. ان الانتماء والروابط المتوارثة لا تتناسب في قوة ارتباط المرء بها مع الانتماء والروابط المختارة، حيث في الحركة الثورية يلتقي الافراد على طريق الثورة، يجمعهم منطلق واحد.. وهدف واحد، ويمارسون اسلوبا محددا للكفاح يخلط بين امانيهم ودماءهم وعرقهم وجهدهم.. ان هذه الروابط المتينة، التي يؤكدها الانتماء الثوري للحركة، تجعل العضو يشعر بانه جزء من كل. وانه شريك في الثورة.. شريك في الهدف الجماعي، الذي لا يتحقق الا بالنضال المشترك لكافة الاعضاء.
ان شعور الانسان بالضياع.. وباللاانتماء يجعله هامشيا لا يدرك طبيعة الدور الانساني، الذي يتوجب عليه القيام به.. وفي الحركات الثورية لا يجوز مطلقا ان يصل أي عضو من اعضائها الى درجة فقدان الشعور بالانتماء للحركة... للتنظيم.. للجماهير.. للثورة.. فهذا الشعور، هو الذي يخلق عند المناضل روحا معطاءة تجعله يعرف، ان الفرد في مصلحة الجميع.. في مصلحة القضية.
واذا كان الانتماء للحركة الثورية يتم باختيار الافراد، فانه أيضا يتم بشروط الحركة الثورية. فالحركة الطليعية لا يجوز ان يكون اعضاؤها وكوادرها غير طليعيين.. غير انقياء.. فلكي يحمل العضو شرف الانتماء للحركة الثورية، يجب ان يتمتع بالمواصفات التي تفرضها هذه الحركة، وكلما ازداد اهتمام الحركة الثورية بنقاء صفوفها وبجدارة اعضائها وكفاءتهم وفعاليتهم ووعيهم، كلما ازدادت اهمية الحركة الثورية وقدرتها على تحمل مسؤوليتها كطليعة للجماهير. اما اذا اصبحت الحركة متسيبة التنظيم منفلشة البناء، فان الانتماء لها يصبح امراً سهلاً، والخروج منها يصبح اسهل، فتميع فيها الروابط التنظيمية، وتموت فيها الدوافع الثورية لانجاز المهمات. ولهذا، فان أولى قواعد التنظيم في الحركة الثورية، هو تعزيز ورفع اهمية الانتماء والانتساب للحركة، وذلك بالاختيار السليم دائما لانصار الحركة، والتأكد من مطابقتهم للشروط قبل ان يصبحوا اعضاء. وذلك برفع روح المسؤولية لديهم وجعلهم يشعرون باهمية الوصول الى درجة العضوية في الحركة الثورية.
ان شرف الانتماء للحركة الثورية، يتطلب من العضو ممارسة كل واجباته، حتى يصبح من حقه ان يطالب بحقوقه كعضو. وبما ان واجباته العضوية الثورية ليست سهلة وتتطلب جهدا وتضحية، فانه ليس كل افراد المجتمع قادرين على تحمل مسؤولية الانتماء للحركة الثورية. فالافراد يتعاونون في قدراتهم الذاتية على تحمل المصاعب واستعدادهم للتضحية في سبيل تحقيق اهداف الجماهير. ولهذا، فان الحركة الثورية تنمي عند اعضائها الشعور القوي بالاستعداد لتحمل كل الصعوبات، بما فيها الموت في سبيل الحصول على شرف الانتماء للحركة الثورية، طليعة الجماهير .. طليعة الثورة.


2-الانضباط :


ان اهمية الخط التنظيمي للحركة الثورية تنبع من قدرة التنظيم على تحويله الى ارادة جماعية لكل اعضاء الحركة، وذلك عن طريق الانضباط الصارم للنظام الداخلي واللوائح التنظيمية روحا ونصا. ان هذا الانضباط، هو الذي يفرق بيين الاعضاء الملتزمين بالحركة وغير الملتزمين بها، كما ان درجة الانضباط تحدد درجة الالتزام الثوري لدى العضو، والذي على اساسه، تستطيع الحركة ان تفرز الاعضاء الاكثر التزاما ليتحملوا مسؤوليات الكوادر والقيادات.. كما ان الانضباط يفرض على كافة الاعضاء ان يتقيدوا بالقرارات التنظيمية، التي تصدرها اللجان القيادية، وان يعملوا بكل جهد واخلاص في سبيل وضع هذه القرارات موضع النفيذ. ان عدم الانضباط للقرارات القيادية يشل قدرة الحركة على تنفيذ مهماتها، ويجعل مفهوم المسؤولية فيها متسيباً، فتفقد اهميتها التاريخية.. ان القرارات والأوامر القيادية يجب ان تنفذ بدقة وحماسة، حتى وان كانت تتعارض مع القناعة الذاتية للعضو. ان ديمقراطية اتخاذ القرارات تفرض مركزية خضوع الاغلبية أو اللجان القيادية، كما وان وحدة الحركة الداخلية، تتطلب ان تتم مناقشة كافة الامور التنظيمية والحركية داخل الاطر التنظيمية. ان الخروج عن هذه القاعدة، هو خروج عن الانضباط الثوري ووقوع في أشراك المسلكيات الخاطئة التي تضر بأمن الثورة.
ان الانضباط يفرض على اعضاء الحركة الثورية ان لا يتخذوا مواقف فردية وقرارات مزاجية. حيث ان مواقف الحركة وقراراتها لهاصفة المركزية، والتي هي من حق القيادة. ان عضو الحركة مطالب بأن يأخذ موقف الحركة وان ينفذ قراراتها. وحيث ان القضايا اليومية التي تصادف العضو هي، اما قضايا تنظيمية أو قضايا سياسية أو قضايا عسكرية.. فان النظام الداخلي للحركة وقراراتها السياسية واللوائح الداخلية المختلفة ترد على كافة التساؤلات التي تطرحها الممارسة على ساحة النضال. ظهور بعض القضايا التنظيمية أو السياسية والتي لا يوجد لها نص واضح في النظام الداخلي واللوائح والقرارات السياسية، تتطلب من عضو الحركة ان يرفع هذه القضية الى القيادة ليتلقى رأيها فيها، وليس من حقه ان يجتهد أو يفتي عن غير علم. وان كان من حقه الاجتهاد ورفعه للاطر التنظيمية الاعلى، على اساس وضع الرأي امام القيادة للاستنارة به. ويحتم الانضباط على الاعضاء ان يحترموا الاطر التنظيمية فلا يتخطونها، سواء بالاتصال بالاطر الادنى أو الاعلى متخطين المسؤولين عن هذه الاطر. ان اهمية التسلسل التنظيمي في الاتصالات، هي التي تعطي للعضو اهميته، كموصل جيد بين القيادة أو القاعدة والجماهير. وان تخطي العضو يجعله يشعر بالهامشية وتنمي فيه نفس المرض، مما يحول الحركة من حالة انضباط صارم الى حالة تسيب يشلها ويضعفها.


3-المركزية الديمقراطية :


ان المبدأ الرئيسي في البنيان التنظيمي لأية حركة ثورية هو المركزية الديمقراطية.. وترجع اهمية هذا المبدأ الى انه يشكل القاعدة الاساسية للمسلكية الثورية، اذ عليه تعتمد كافة المسلكيات الاخرى. وتجمع هذه القاعدة بين مفهومين متعارضين، ينفي احدهما الاخر، ولكن هذا التعارض الجدلي بين المركزية والديمقراطية، هو الذي يجمع بصورة عضوية متلاحمة بين التطور الواسع للديمقراطية وبين الانضباط الصارم. ان طغيان أي من المفهومين على حساب الاخر، يؤدي بحياة الحركة الثورية، ويجرها الى الدمار..
فالديمقراطية وحدها، اذا ما سيطرت على طبيعة العلاقات والروابط داخل الحركة الثورية، فانها تنمي حالة من التسيب والفوضى والبلبلة، فتحل فيها الثرثرة محل العمل، ويصبح المزاج الشخصي هو الحكم على الخطأ والصواب. واذا كانت الحركات السياسية تعتبر الديمقراطية غير الممركزة مرضا خطيراً، فان هذا المرض يكون اكثر خطرا أو اشد فتكا في الحركات الثورية المسلحة. حيث ان الفوضى والسلاح، اذا ما اجتمعا دونما التزام وانضباط صارم، فانهما يجران الحركات الى التهلكة الحتمية.
ومن جهة اخرى، فان خنق الديمقراطية داخل الحركة الثورية، أو اعطائها اهمية ثانوية، وسيطرة المركزية المطلقة على اجواء الحركة الثورية، تجعل الحركة فاقدة لشروط نموها وعاجزة عن القيام بمهامها. ان تحول الحركة الثورية الى كم يحركه رجل فرد مهما أوتي من عبقرية، يحولها الى دمية في يد الفرد، فتسودها العلاقات الذاتية والفردية، وتصبح احادية الجانب في نظرتها للامور، ويتحول الاعضاء فيها الى تجمع من العبيد ينفذون ما يؤمرون به، كالآلات الصماء. ان الحركة الثورية تفقد مبرر وجودها اذا هي تحولت الى فرد، تطيعه مجموعة من الافراد طاعة عمياء وينفذون ما يؤمرون به دون مناقشة أو تفهم. وبذلك تنعزل هذه الحركة عن الجماهير وتتقوقع على ذاتها، ثم لن تلبث حتى تتلاشى.
ان التوازن بين درجة الديمقراطية ودرجة المركزية في الحركة الثورية امر ضروري، على ان تكون القيادة الجماعية هي التي تقرر درجات التكامل بين المتناقضين.. ان ضرورة التركيب النسبي للديمقراطية والمركزية في كل مرحلة من مراحل الثورة أو شكل من اشكال التنظيم أو المهمات، يحدده المظهر الرئيسي للتناقض على اساس كل طرف وحسبما تفرضه طبيعة المرحلة.
ان تراجع الديمقراطية لافساح المجال امام مزيد من المركزية والقرارات القيادية الحاسمة يبرز في أوقات النضال وفي المراحل الحاسمة، للثورة. بينما يتطلب اتخاذ القرارات السياسية المصيرية اعلى درجة من الاجماع والاتفاق، مما يعطي الديمقراطية مدا على حساب التقلص المركزي، ويحل الحوار الديمقراطي الهادىء بين كافة المراتب التنظيمية، حتى يتم الاستعانة بكل الاراء والافكار لمواجهة الصعوبات أو حل المشكلات السياسية القائمة.
ويفهم من المركزية الديمقراطية في الحركات الثورية المسلحة، انها ديمقراطية الرأي دكتاتورية التنفيذ.. وهذا يعني ان من حق العضو في الحركة الثورية ان يقول رأيه بصراحة ودونما وجل، وهذا يعني ان من حقه ان يشارك في النقاش والجدال ما دام الموضوع مطروحا للنقاش، ولكن العضو يصبح ملزما بالتنفيذ عندما يؤخذ القرار بالاغلبية، وهذا يعني ضرورة خضوع الاقلية للاكثرية.
كما ان عضو الحركة من حقه ان ينتخب قياداته على كافة المستويات.. وان انتخاب القيادة العليا يتم في المؤتمرات، التي هي اعلى سلطة في الحركات الثورية، ولها تخضع كل القيادات الحركية. كما ان كل اللجان الحركية تخضع لقرارات اللجان في المراتب الاعلى. ان القيادات المنتخبة، والتي تعطي الصلاحيات الكاملة من المؤتمر العام، ملزمة بتقديم تقاريرها الدورية للمؤتمر وللهيئات المركزية، حتى يتم محاسبتها ومتابعتها باستمرار.
ان مهمة القيادات المنتخبة، هي تأكيد وحدة الحركة الثورية من خلال التمسك الدائم بان للحركة قيادة واحدة.. ونظام داخلي واحد، وبرنامج سياسي واحد، على الجميع التقيد بهما.. ان تجاوز النظام والخروج عن البرنامج وعن الانضباط للقيادة، يجعل الحركة الثورية تخضع لحالة من الليبرالية الهدامة. ولهذا فان التمسك بالمركزية وبالديمقراطية معا داخل البناء التنظيمي للحركة الثورية، هو التمسك الحقيقي ببقاء الحركة الثورية، وبتأكيد قدرتها على تحقيق اهدافها.
4-النقد والنقد الذاتي :
يختلف مفهوم النقد والنقد الذاتي في الحركات الثورية، عن مفهومه لدى الفئات غير الملتزمة بخط الثورة. والاختلاف ناجم ليس فقط عن التغاير في مناهج التحليل، وانما عن التناقض في المنطلقات والاهداف والاشكال والضوابط للنقد والنقد الذاتي في المجالين. ان مفهوم حرية النقد في المجتمعات الرأسمالية، حيث تتحكم في السلطة فئات مستغلة، يهدف الى امتصاص نقمة المستغلين واضفاء جو الديمقراطية على المجتمع. وخطورة التمازج بين النقد الليبرالي والنقد الثوري في الحركات الثورية، تكمن في الانحراف الى النزعات التبريرية، التي يتحول فيها النقد الى هجوم على الآخرين، والنقد الذاتي الى الغير، او الى الاقدار والظروف. ويهمنا ان نركز على المفهوم الثوري للنقد والنقد الذاتي وعلى اهدافه واشكاله وضوابطه، في الحركات الثوري.
ان تكامل موضوعية النقد والنقد الذاتي تجعلها وحدة متكاملة في المنطلقات والاهداف، وان كان تفسيرها يلزمنا بالفصل ما بين نقد الاخرين وبين النقد الذاتي. ويمكن تعريف النقد بانه: التدخل في لحظة ما وبشكل مناسب، بين الافعال او الاقوال ونتائجها، او بعد وقوع النتائج، وذلك بغية تأكيد النتائج الايجابية ودحض النتائج السلبية وتحديد حركة الافعال او الاقوال وتوافقها مع المنطلقات وكشف التناقضات، التي كانت فيها، والتي لا تزال، والتي نشأت فيها من جديد.
وتتميز عملية النقد الذاتي عن عملية نقد الاخرين، بامكانية التدخل، ليس فقط بين الافعال أو الاقوال ونتائجهما، وانما التدخل أيضا بين الافكار وتنفيذها. ومنع الافكار من التحول الى افعال أو اقوال، قد يأتي التدخل ما بينها وبين نتائجها متأخراً.
وواضح من مفهوم النقد الثوري، انه لا يستهدف فقط تقييم السلبيات، وانما يستلزم تقييم الأيجابيات أيضاً، الى جانب ضرورة تقديمه المقترحات البناءة لدحض السلبيات وتأكيد الايجابيات وتصعيدها.
يشكل النقد والنقد الذاتي في الحركات الثورية الضمان الحقيقي للحرية، وذلك عندما تمارس عملية النقد ضمن الشروط والضوابط الثورية. ان مهمة النقد والنقد الذاتي ليست تقويم الاخطاء ومنعها من الاستثراء فحسب، وانما هي امضى سلاح في يد الحركة الثورية، يقويها ويرفع قدراتها وفعاليتها القتالية، ويعمق جذورها التنظيمية، ويطور خطها السياسي، ليجعلها ترى الامور بمنظار سليم، فتصنع الاحداث ولا تلهث وراءها. ولما كانت منطلقات النقد هي الخطوط الاساسية للحركة الثورية جماهيريا وسياسياً وتنظيميا عسكرياً، فان اهداف النقد، هي التأكيد على صحة وسلامة هذه الخطوط وحمايتها من كل محاولة مقصودة أو غير مقصودة، تستهدف تشويهها أو الانحراف عنها والاستفادة من كل محاولة تستهدف اغناءها وتطويرها.
ان تحقيق عملية النقد الثوري لاهدافها يتوقف على درجة التزامها بالشروط والضوابط الثورية، التي يجب ان يتم النقد فيها. ان غياب هذه الضوابط والشروط، يحول عملية النقد الى سلاح مضاد للعمل الثوري. فعندما يصبح النقد هداما لا يلتزم بالروابط النضالية، التي تشد الافراد الى بعضهم، فانه يعمل على تقويض المؤسسات الثورية بدل ترميمها وشد ازرها وصيانتها. وعندما يصبح النقد الذاتي مباهاة وانتزاعاً للتصفيق والتهليل عندما يمارسه المسؤولون، الذين يعلنون في زهو وكبرياء عن استعدادهم لتحمل المسؤولية الكاملة عن الاخطاء، التي وقعوا فيها، والتي يلمحون دائما بانها كانت رغم ارادتهم وما كان يمكن تلافيها. ان ضرورة النقد والنقد الذاتي في الحركات الثورية، تكمن في ضرورة ضمان عدم اتخاذ موقف منحرف من الاخطاء ونتائجها. والانحراف يكون انانياً ذاتياً، حيث يصر الافراد، والمسؤولون منهم خاصة، على المكابرة وعدم الاعتراف بالخطأ والتثبت بانه صواب، وذلك من منطلق تأكيد عصمتهم الذاتية من الخطأ. هذا الانحراف المسلكي يصبح فيه كبرياء الفرد وحساسيته الذاتية اهم من مصلحته الحقيقية، التي هي مصلحة الحركة الثورية بشكل عام.
اما الانحراف الاخر، منطلق من الجبن والخوف من تحمل مسؤولية الخطأ والعمل على الصاقه بالاخرين والبحث عن اسباب ومبررات، تجعل المسؤول خارج دائرة الفعل المؤدي الى الخطأ. ان انحراف التبريرية قد يؤدي الى جريمة الصاق المسؤولية بكبش فداء، هو في الواقع اضعف حلقات الفعل المؤدي الى الخطأ.
ومن هنا، فان الحركات الثورية تعطي اهمية لشروط النقد وضوابطه، توازي اهمية النقد ذاته، لانه كسلاح ذو حدين، اما ان يكون بوجود الضوابط سيفا في يد الحركة الثورية، واما ان يصبح سيفاً مسلطا في وجهها بغياب ضوابط النقد والنقد الذاتي.


5-الفعالية :


لا تقاس الممارسة دائما بالجهد الذي يبذله العضو، وانما بالمردود الأيجابي لهذا الجهد. ولهذا، فان المسلكية الثورية للعضو تجعل نتيجة ممارساته مطابقة، ان لم تزد عن الجهد الذي يبذله. ان تضييع الكثيرين من الاعضاء لجهودهم وأوقاتهم في ممارسات ليس لها أي مردود فعلي يعود بالخير على الحركة الثورية، انما هو اهدار لطاقات الحركة وجهودها. ولهذا، فان الفعالية كقاعدة للمسلكية، الثورية تتطلب من العضو ان يحسب جيدا ضرورات التنفيذ ونتائجه، ليس لنفسه فقط، وانما للاعضاء الاخرين، حتى يستطيع ان يدفع بالحركة الثورية الى الامام. ان الوقت هو من اهم الاسلحة التي تضيع في الحركات الثورية دونما استخدام حقيقي فاعل، حيث ان الكثيرين من الاعضاء والانصار بحاجة الى مزيد من الندوات التثقيفية والمحاضرات، التي تعمق لديهم المفاهيم السياسية والتنظيمية والعسكرية. ومع ذلك، فاننا نرى الكثيرين من الكوادر المؤهلة لتعليم هؤلاء الاعضاء، لا يهتمون باعطاء ساعات محددة في الاسبوع من وقتهم لهؤلاء، بينما نراهم يستنزفون الساعات الطوال يوميا في نقاشات ومجادلات لا تغني، ناهيك عن تفشي الامراض البيروقراطية التي تلهي المسؤولين في قضايا فارغة تستنزف أوقاتهم وجهدهم ولا تعود بأي مردود فعلي على الحركة الثورية..
ان الفعالية تتطلب من العضو ان يعطي اهتماما خاصا لذاته كفرد.. وان يخص خليته ومرتبته التنظيمية اهتمامه الثاني، كما ان عليه ان يؤدي مهماته باهتمام جاد، يستمد من مردود اهتماماته الدائمة، نجاحاً للمهمات وتأكيداً لتنفيذها بصورة فاعلة. فالفعالية تحول مردود الجهد الى اضعافه من النتائج الأيجابية... وبذلك تحول الحركة الثورية الى قدرة يزيد تأثيرها الفعلي في ساحة النضال عن حجمها الطبيعي، مما يجعلها محط انظار الجماهير وقبلة توجهاتهم، فتحتل مركزها الطليعي عن جدارة. ان حجم الحركات الثورية يقاس دائما بفعاليتها الى جانب ارتباط الجماهير بها، اما حالات الترهل، التي تحول الاعضاء الى كم متراكم غير فاعل، فانه اذا اعطى للحركة الثورية في مرحلة المد الثوري اصواتا تلعلع وتجمد، فان ساعات الضنك والخطر تحجم الحركة الثورية وتعيدها الى واقعها الحقيقي، مما يجعل قياداتها أول من يصاب بخيبة الامل والارتماء في احضان اليأس . ان الحركات الطليعية تعطي للفعالية كقاعدة للمسلكية الثورية اهمية خاصة، وعلى اساسها توزن الحركة الثورية نفسها، وعلى اساسها تتصدى للمهمات في الوقت المناسب، والمكان المناسب وتعمل على تنفيذها بالشكل المناسب وهي متأكدة ان النتيجة ستكون كما رسم لها وخطط. ما دامت الفعالية الثورية للمنفذين محددة ومؤكدة.


6-المبادرة :


ما من حركة ثورية تستطيع ان تحدد في انظمتها ولوائحها وبرامجها كل صغيرة وكبيرة. ان ما تحدده الحركات الثورية هو الخط العام جماهيريا.. وسياسياً وتنظيميا وعسكرياً.. كما ان الانظمة واللوائح تعطي اهمية خاصة لبعض القضايا الاساسية، ويبقى امام الممارسة مجالات واسعة للتطوير والابداع.
ان التشبث بالنصوص.. وقراءة الحرفيات، تحول الاعضاء الى آلات ميكانيكية لا تتفهم روح القوانين والانظمة وتغرق نفسها في جدالات حول معاني الالفاظ، اكثر مما تعطي من الجهد للانجازات الحقيقية.. ان الاعضاء الذين يدفعون بالحركة الثورية الى مزيد من الانجازات.. ومزيد من الابداع، هم الذين يتميزون بالحس المتوقد والعقل المتفتح.. الذين يفهمون الخط العام ويتقيدون بالتوجه الصحيح، تاركين لانفسهم حرية اختيار الوسائل الملائمة، وهم بذلك يفرزون مفهوم المبادرات الفردية، التي تغني النظرية الثورية بنتائجها. ان المبادرة كقاعدة للمسلكية الثورية، لا تتعارض بصورة أو بأخرى مع القواعد الاخرى، التي تشترط التمسك بالانظمة والقوانين. حيث ان مفهوم الانضباط والالتزام ليس مفهوما ضيقا مغلقا قاتلا للمبادرات، وانما هو مفهوم يدفع بالعضو الى تفهم هذه الانظمة نصا وروحا والعمل على تطويرها، وليس تجميدها والقيام بأي مبادرة تضيف الى انجازات الحركة الثورية مزيدا من الانتصارات، والى نظريتها مزيدا من التطور. ان التقوقع في ظل الحروف والالفاظ والتمسك باهداب الانظمة كمقدسات، لا يجوز مساسها أو الحياد عنها قيد انملة، يدفع بالاعضاء الى الاغراق في جمود عقائدي وتقوقع تنظيمي وكبت للمبادرات وقتل للمواهب واهدار للفعاليات الثورية بكاملها. ولهذا، فان الحركة الثورية تنمي عند افرادها وكوادرها روح المبادرة.. روح التطلع للخلق والابداع، روح التوجه للعمل المجدي دونما تعليمات أو أوامر.. ان العضو المبادر في الحركة الثورية، هو الذي يشعر في كل لحظة وفي أي مكان يتواجد فيه، بانه يمثل الحركة الثورية. وان أي عمل يقوم به هو عمل للحركة الثورية. ولهذا، فهو يتحسس حاجة من هم حوله من الجماهير، ويتصرف على هذا الاساس، فيكون مردود ممارساته اغناء للخط الجماهيري ومزيدا من الربط بين الحركة الثورية والجماهير.. والعضو المبادر لا ينظر لكل مهمة امرا.. فهو رجل دعاية أينما وجد.. وهو ناشر لافكار الحركة الثورية في كل مجال يراه مناسبا.. وهو عندما يجد نفسه مواجهة امام العدو، يجد نفسه مستخدما لعقله وامكاناته، قافزا الى ممارسة العنف الثوري ضد اعداء الثورة والجماهير.. ان الخط العام للثورة، هو الذي يتمسك به العضو المبادر لا يحيد عنه.. وما دون ذلك فهوالذي يتصرف ويبادر دونما انتظار ان تضيع الفرص الثورية..


7-السرية :


تبدأ الحركات الثورية سراً، ثم تمر في مراحل نضالها بدرجات من السرية متفاوتة، ولكنها لا تصل الى اهدافها الحقيقية، وهو السلطة، وتحقيق طموح الجماهير الا بعد وصولها الى درجة من العلانية والشعبية والالتفاف الجماهيري.. ان مراحل نمو الحركة الثورية تفرض عليها درجات من السرية مختلفة، فمرحلة الدراسة والاستقصاء تتطلب من الطلائع درجة عالية من السرية، حتى يستطيعوا ان يتعرفوا على الواقع بصورة حقيقية دونما لفت لنظر القوى المستفيدة من وجود الواقع، الذي تسعى الطلائع لتغييره.. وفي المرحلة التي تبدأ فيها الطلائع الاحتكاك بالافراد لاكتساب اعضاء جدد.. ولنشر الافكار السياسية والاهداف الجماهيرية للحركة الثورية، فان الحرص في الممارسة وانتقاء اكثر الافراد ثقة لمصارحتهم هو ضمان السرية.. ولهذا، فان هذه المرحلة تشكل خطورة على الحركة الثورية، حيث ان فيها تبدأ القوى المعادية للفكر الطليعي من تحسس وجوده، فترص العيون والعملاء لاقتلاعه من جذوره قبل ان يستفحل .. ولهذا، فان الحركة الثورية مطالبة بان تختار دعاة فكرها من اقدر الافراد على الكتمان والتحمل واشدهم صلابة وايمانا باهداف الحركة الثورية.. ان طبيعة مرحلة نشر الفكر الثوري ومرحلة بناء التنظيم السري، تتطلب درجة عالية، ليس من السرية فحسب، وانما من الوعي الثوري الحقيقي، الذي يجعل الافراد يموتون في سبيل استمرار الحركة الثورية. 
ولهذا، فان طابع الانتقاء الشخصي الدقيق، هو الذي يغلب على ضمان السرية في هذه المرحلة. ومنع نمو التنظيم.. ووقوع افراد منه في أيدي سلطة الواقع الفاسد، وتعرضهم لانواع التعذيب والاعتقالات وسقوط بعضهم وصمود البعض الاخر، تنشأ اشكال اخرى من السرية، تتطلب من بعض الافراد، الذين يكشف امرهم لدى السلطة، ان يعيشوا باسماء مستعارة، وان يختاروا ظروفا يختفون فيها. وهكذا تتفاوت درجة السرية بالنسبة للافراد في هذه المرحلة، فالبعض يعيشون في الظلام مختفين مطاردين من السلطة، والبعض الاخر يمارس حياته الطبيعية كواجهة شرعية لنضالها اليومي. ومع انطلاقة الكفاح المسلح تتشكل انواع السرية فتضم، ليس فقط الافراد، وانما الاسلحة التي يستخدمها. واماكن تخزينها والمهمات التي ستستخدم فيها وهكذا..
وفي كل مراحل النضال تتطلب الحركة الثورية، الى جانب السرية، استعدادا للعمل الدائم مهما كلف الامر.. ان السرية والعمل يمكن ان يتعايشا معاً، ولكن العمل كلما تصاعد وكلما ازداد، اصبحت السرية معرضة. والحركة الثورية لا تستطيع ان تتقوقع في سريتها دونما عمل.. فالسرية لا يمكن ان تكون هدفا.. ان الهدف هو العمل.. وهي وسيلة للمحافظة على الحركة الثورية، حتى تنجز اعمالا اعظم وافعالا تدفعها الى تحقيق النصر.
ان الحركة الثورية مع تصاعد نضالها المسلح ومع التفاف الجماهير حولها، تصبح قيادتها رموزا للجماهير ويصبح الشعب فاتحا لهم صدره وقلبه، وتتلاشى بعض قيود السرية شيئا فشيئا، ويصبح عملاء السلطة هم الذين يتخوفون، لانهم اصبحوا هدفا للجماهير.
ورغم ارتفاع درجات العلنية في النضال اليومي للحركات الثورية، فان المهمات والافراد والتنظيم وعلاقاته واجتماعاته واتصالاته، يجب ان يظل سرا على الاعداء. لان الحركة الثورية ما دامت لم تحقق اهدافها، فانها معرضة باستمرار لضربات القوى المعادية. ولهذا، فان عليها ان تحيط نفسها بدرع صلب من المكتومية. ان اخطر ما تحملت مرحلة النضال العلني هو تسلق الافراد، الذين يغرقون في مرض الثرثرة. فيقدمون للعدو من المعلومات عن الحركة الثورية ما يعجز كل عملائه عن تقديمها له.
ان مرض الثرثرة هو من اخطر الامراض، التي يحملها التنظيم الثوري من المجتمع، ويعني مرض الثرثرة.. الحديث غير المسؤول المتعلق بالتنظيم.. أو المهمات لغير ذوي العلاقة والتخصص وخارج الاطر التنظيمية، بغض النظر عن مصدر المعلومات التي تطرحها الثرثرة.. ويرتبط مرض الثرثرة ارتباطاً اساسياً بمرض التباهي والاستعراضية وبمرض الفضول وحب الاستطلاع، وهو بذلك يصل في خطورته بطريقة غير مباشرة الى حد العمالة. فالعدو الذي يعمل جاهدا على معرفة نوايا الحركة الثورية واهدافها وخططها من اجل احباطها، يعتمد على عملائه بتزويده بالمعلومات، وليس من السهل على العدو ان يغرس عملاءه في التنظيم خصوصا في المراتب التنظيمية المسؤولة، ولهذا فهو يعتمد على وجود مرض الثرثرة داخل التنظيم.. ذلك المرض الذي يحطم قاعدة اساسية من قواعد الامن، وهي ان المعرفة يجب ان تكون على قدر الحاجة.
فمن جهة يتوجب على كل عضو ان يحجب المعلومات، عن كل من ليست هذه المعلومات من اختصاصهم، مهما كانت مراتبهم التنظيمية، ومن جهة اخرى يجب على العضو ان لا يحاول الاطلاع على أية معلومات ليست من اختصاصه. والثرثرة والوشوشة والكولسة، حيث يتحدث الافراد الى بعضهم بدافع الثقة في موضوعات هامة تتعلق بمهماتهم.. وفجاة ينقطع الحديث ويقترب الثرثار من صاحبه هامسا.. (خذلك هالخبر.. بس أوعى.. خليه بيني وبينك..) وبعد دقائق يكون الثرثار في كولسة اخرى مع شخص اخر ليعطيه الخبر، مع التأكيد على عدم افشائه، وهكذا يفعل الذين سمعوا الخبر، فينتقل كالنار في الهشيم.. وقد يتحول الى اشاعة عندما ينتقل من الارصفة الى الاذان في معادلة هندسية، فيصبح ليس في خارج الاطر التنظيمية فحسب، وانما خارج التنظيم في المقهى والشارع ولدى الاعداء. والخبر الذي يعجز العدو عن الوصول اليه دفعة واحدة، يصله من خلال الثرثرة بالتقسيط، حيث تتقاطع المعلومات.. فتنتفي أو تتأكد.
وهنا يجدر بنا ان نفرق بين ما يجب ان نتحدث به بطلاقة وانفتاح ودون تحفظ، سواء في الاطر التنظيمية أو خارجها، وبين ما يجب ان نحافظ عليه من اسرار.. فالنشرة الداخلية ليست سرا داخل التنظيم، ولكن توزيعها خارج الاطر هو نوع من الثرثرة.. وكذلك التعميم التنظيمي. اما ما يتعلق بالمهمات داخل التنظيم، أو أية مهمات نضالية يوكل للاعضاء تنفيذها، فهي سر يجب ان لا يطلع عليه اقرب الناس لهم حتى زملاءهم في الخلية والمجموعة.
وبنفس الحدة التي يمنع فيها تسرب المعلومات لغير ذوي الاختصاص، على الاعضاء ان يمنعوا انفسهم من الاطلاع على ما ليس من اختصاصهم، بدافع حب الاستطلاع والفضول.. فالذين يطلعون على معلومات ليست من اختصاصهم يجهلون اهميتها ولا يشعرون بالالتزام بالمحافظة عليها وقد يندفعون في تضخيمها بالثرثرة بدافع الامتعاض والاستياء لاخفائهم عنهم وهم يرددون: (ليش اخي هو احنا مش ثقة)، وكما تقدم تصل هذه المعلومات الى العدو.. وبذلك قد نمده بمعرفة عن مخططات الحركة، الذي يعجز أي عميل له على الوصول اليها، ان ضرورة السرية تقتضي القضاء على كل الامراض التي تحاربها وتتناقض معها.


8. التخطيط :


تتميز الممارسات الثورية، بانها تحدد الهدف الذي تسعى اليه، وتختار لذلك الوسيلة الامثل منطلقة من الامكانات المتوفرة.. ان النظرية الثورية هي عملية تخطيط متكامل للحركة الثورية، ولهذا فان انعكاسات منهج النظرية الثورية على الممارسات اليومية، هو الذي يجعل تراكم الانتصارات بعد الانتصار الكبير، انتصار الحركة الثورية. ان الحركات الثورية ترفض الوقوع في اشراك التجريبية، وان كانت تشجع المبادرات ضمن الخط العام للنظرية الثورية.. ولهذا، فان التخطيط السليم هو من قواعد المسلكية الثورية في معظم المجالات. وان كان اثره يبدو اكثر وضوحا في العمل التنظيمي والعمل العسكري. ويتطلب التخطيط السليم لتنفيذ المهمات، دراسة ومعرفة واقعية للامكانات اللازمة.. ان اغراق بعض الاعضاء في التخيل بالقيام بالمهمات المعجزة.. مهمات الطفرة، التي تحول الحركة من الواقع الى النصر، وان هذا التخيل هو خروج عن التخطيط السليم كقاعدة ضرورية للمسلكية الثورية. ان دراسة الامكانات المتوفرة دراسة علمية سليمة، هي التي تحدد طبيعة المهمات، التي يفترض على الحركة الثورية ان تنجزها على طريق هدفها الاساسي الكبير.. هدف النصر النهائي ان الخطأ في تقييم الامكانات أو تبسيط أو تصعيب الاهداف، يقود الى الوقوع في الفشل، الذي اذا تراكم، فانه يدفع بالحركة الثورية خطوات الى الوراء. ان الحركة الثورية، التي لا تقوم بالمهمات، التي تتوفر لديها امكانياتها تقع في خطأ لا يقل عن خطأ الوقوع في التصدي لمهمات لا تتوفر امكانياتها.. ومهمة التخطيط، هو تحديد هذه الامكانيات وتحديد متطلبات المهمات بدون مبالغة أيجابية أو سلبية.
ان تعميم المنهجية العلمية الصحيحة للتصدي للمهمات تحمي الحركة الثورية من الوقوع في مطبات الارتجال والتناقض، سواء في القرارات أو في الممارسات، ويضمن التخطيط للمهمات تراكما في التجارب الثورية، التي تجعل ممارستها ضمن الظروف المشابهة، تعطي مردودا ايجابيا بعد الاستفادة من النتائج السابقة ومعطياتها.. ان وضع الخطة العامة، التي هي من مهام المؤتمر العام للحركة، تتطلب من العضو أو المجموعة أو الجانبين ان يتصدوا للمهمات الخاصة، بوضع خطة لها بنفس الروحية والعقلية والمنهجية، التي يتصدى المؤتمر العام لوضع الخطة العامة، وبهذا يصبح فكر الحركة الثورية سائدا واسلوبها يشدها بالممارسة نحو تحقيق اهدافها الكاملة.


9. التنفيذ والتطبيق :


ان اهمية الخطة في الحركات الثورية، هو وضعها موضع التنفيذ، والقرارات لا تعني شيئا بدون تنفيذها، وتصبح كالنظريات بدون ممارسة.
ان التنفيذ والتطبيق للمهمات اليومية التي يتطلب انجازها، يشكلان الممارسة الثورية، بشكل عام بالنسبة للنظرية الثورية التي تتمثل يوميا بالتخطيط للمهمات. ان واجب العضو في الحركات الثورية، ان يعطي اهتماما كبيرا لممارساته اليومية، بحيث تكون في مجملها تنفيذاً أو تطبيقاً للمهمات التي يتفق مع اخوانه على ضرورة انجازها. ان التوجه للقيام بمهام سهلة على حساب الخطة المرسومة، لانه لا يجوز مطلقا ان نتوجه لانجاز عمل معين وانجاحه على حساب عمل اخر اكثر ضرورة والحاحا.. ولهذا، فان التنفيذ والتطبيق كقاعدة للمسلكية الثورية، تحتم على العضو التقيد بأساسيات الخطة المرسومة. ان القرارات التي تتخذها اللجان الحركية، دون ان تعطي اهتماما بالغا لوضعها موضع التنفيذ، تعطي انطباعا عن مدى الجدية، التي تعطيها هذه اللجان للحركة الثورية بشكل عام. فالحركات المتسيبة المريضة تأخذ مئات القرارات القابلة للتنفيذ وغير القابلة وتحضر مبررات ومسوغات عدم التنفيذ في اللحظات التي تصوت فيها على القرار.. اما الحركات الثورية الجادة الصلبة المتماسكة، فانها تعطي لتنفيذ القرارات اهمية تفوق اهمية اتخاذ القرارات نفسها. وهي بهذا تهتم في متابعة التنفيذ وتتعلم بالممارسة، كيف تأخذ القرارات المناسبة الممكنة التنفيذ والتطبيق، وكيف تتجنب اتخاذ القرارات في الأوقات أو الظروف الملائمة.. ان التنفيذ والتطبيق للقرارات، هو الذي يكسب اعضاء الحركة الثورية القدرة على انجاز المهمات بفاعلية وقدرة متواصلة، تتزأيد تجربتها يوميا ويتضاعف حماسها الثوري مع كل انجاز يضيف التنفيذ للحركة الثورية نصا وروحاً تدفعها الى الامام على طريق الانتصار الكبير.


10-المتابعة والمراقبة :


تتطلب الانجازات الثورية اهتماما بالغا من المراتب التنظيمية المسؤولة، والتي تضع الخطط وتحولها للاعضاء لتنفيذها.. ان وضع الخطط مهمة. على القيادة ان تضمن انها تسير بصورة فاعلة وايجابية، كما ان تنفيذ هذه الخطط لا يتم فقط بالاعتماد على الروح الثورية للاعضاء، وانما بالزامهم بالقيام بالمهمات. ان مهمة اللجان المسؤولة متابعة قراراتها ومراقبة التنفيذ، حتى تضمن الانجاز الذي وضعت الخطة من اجله. ان وقوع الحركات الثورية في شرك التواكل، بحيث يعتمد كل عضو على العضو الاخر لانجاز مهمة أو القيام بمتابعتها، يجعل المهمات تتراكم بدل الانجازات ويحول الحركة الثورية ان تنمي لدى اعضائها روح المتابعة والمراقبة وروح اعطائهما الاهتمام اللازم، حتى يصبح كل عضو يعمل وهو يشعر ان الاعضاء الاخرين، الذين يقومون بواجباتهم، ينظرون اليه بعين فاحصة ناقدة ينذرونه ان هو قصر أو اخطأ.
ان هذا الشعور لدى العضو ينمي فيه روح الابداع في المهمة الموكلة اليه، الى جانب انه يدفعه من جهة اخرى الى مراقبة الاخرين وكيفية انجازهم لمهماتهم. ان روح المراقبة المتبادلة والمتابعة من المراتب العليا للمراتب الدنيا، تشكل لدى الحركة الثورية نوعا من الروابط، التي تضمن درجات الانجاز القصوى، وتعطي للمهمات نوعاً من القدسية، التي تشد الاعضاء الى التلاحم الذاتي داخل الحركة عن طريق التفاعل والتلاحم في النتائج من انجازاتهم وانجازات غيرهم من الاعضاء.
ان عيون الحركة الثورية عندما تنظر الى المرآة لتشاهد نفسها، فانها تسعى دائما الى الوصول الى المنظر الاحسن والانجاز الافضل. وبهذا تكون نظرة المراقبة والمتابعة داخل الحركة الثورية.. نظرة تهدف دائما الى رفع المستوى الى الابداع.. الى مساعدة الاعضاء، وليس الى تأنيبهم أو الشماتة بهم لانهم قصروا.. أو.. الخ.
ان نظرة المراقبة في الحركات الثورية، نظرة الاخذ بيد العضو ودفعه الى ارقى مستويات الانجاز الذاتي، الذي بتلاحمه مع انجازات الاخرين، يعطي للحركة الثورية مردودا ايجابياً يعيد لها طريقها الى النصر.


11-تقييم التجارب :


ان اهمية النظرية الثورية، المستنبطة على اساس المنهج العلمي، هو انها ترفض الجمود والتحجر، وتخضع دائما الى التطور، حسب معطيات وانجازات الممارسة العملية.. ولهذا، فان الحركة الثورية تتطلب من اعضائها ان يطبقوا النظرية الثورية، ويضعوها على المحك اليومي للممارسة.. ولكن المهمات اليومية ودرجات الانجاز المختلفة التي تصادفها، سواء اكانت النتائج عائدة لخطأ في التخطيط أو تقصير في التنفيذ أو لعدم مطابقة الامكانات للمهمات، فان كل تجربة يومية يجب ان تقيم تقييماً صحيحاً، حتى ترسم خيوطا جديدة، تساعد على الممارسات المقبلة. ان الحركات الثورية تشجع اعضائها دائما على تنظير تجاربهم النضالية اليومية، وهم بذلك يغنون النظرية بالامثلة الواقعية المحسوبة. وتعطي التجارب الناجحة دفعا قويا للاعضاء، لتحقيق نجاحات اكبر، وفي نفس الوقت، فان التجارب الفاشلة تعطي للاعضاء حصانة من الوقوع في نفس الاخطاء وتدفعهم الى الاستفادة من اخطائهم واخطاء غيرهم، فتصبح خطوات المستقبل بالنسبة لهم اكثر تفهما لمواصلتها وتصبح نظراتهم ابعد وأوضح رؤية.
ان الحركات الثورية عندما تضع تجاربها اليومية للتقييم، فانها تعطي وتعمم دروسا كبيرة لكل اعضائها، تجعلهم يندفعون للتعلم من ايجابياتهم وسلبياتهم، وتجعلهم يقبلون على تنفيذ المهمات في المستقبل وهم يحملون في خلفياتهم الذهنية دليل عمل، يساعدهم على التصدي للمهمات بجدارة وثقة كبيرتين. ان الاعضاء الذين لم يتمرسوا على النضال، لا يستطيعون الانجاز بدون الوقوع في الاخطاء. ولكن الحركة الثورية يمكنها ان تقلل الاخطاء شدة وحدة، وذلك بوضع الاعضاء قبل ممارستهم في صورة التجارب المتراكمة للحركة الثورية الايجابية منها والسلبية، حتى يتمرس العضو نظريا بعقلية التصدي للمهمات وكيفية الخروج من المآزق. ان المعرفة النظرية تعطي للعضو دليلا للعمل، تزداد فعاليته يوميا عندما يحوله العضو من دليل عمل نظري الى دليل عمل تطبيقي، يعرف من ممارساته كيف ومتى وأين يجب ان يتحرك وينجز. وينتقل العضو من مرحلة النظرية الى مرحلة الممارسة بالتمرس الاكبر للتصدي للمهمات، فيرتقي الى درجة الابداع في العمل وصنع المبادرات، التي تعطي الحركة الثورية مزيدا من الانتصارات.


12-الاستمرارية وطول النفس :


ان أول ما يتعلمه الاعضاء قبل انتسابهم للحركات الثورية، هو ان طبيعة المهمات والاهداف، التي يسعى لتحقيقها، تتطلب جهدا عظيما وزمنا طويلا.. ان مفهوم الحرب الطويلة الامد هو احد المفاهيم الاساسية، التي تعتمد عليها النظرية الثورية، حيث انه الاسلوب الذي اثبت فعاليته لتحقيق اهداف الجماهير، التي تعاني من الاستعمار أو الاستغلال. ان الادراك الواعي من قبل اعضاء الحركة الثورية لصعوبة الهدف والمدى الزمني لتحقيقه، تجعلهم يتحملون المشاق والصعوبات المتراكمة عن طيب خاطر وبنفس وثابة ومستعدة دائما لتجاوز الصعوبات والقفز على الخطوات الى المستقبل، وامامها شعار واحد لا تحيد عنه الاستمرار.. استمرار الثورة.. استمرار الثورة.. استمرار الحركة الثورية وقيادتها للجماهير. ان الاعضاء الذين يعمدون داخل الحركة الثورية في نار الصعوبات والتضحيات الجسيمة، يتوجهون بثقة مطلقة نحو اهدافهم العظيمة، لا يقف في سبيلهم عائق ولا يوهن عزيمتهم مأزق أو عقبة، ويقتضي طول النفس من الاعضاء ان يتصدوا لكافة الاخطاء المسلكية المعيقة للمسيرة والعمل على تغييرها وتحويلها الى مسلكيات ثورية.
ان الهرب من الاخطاء والمسلكيات الانتهازية بسبب الشعور بعدم القدرة على الاستمرار في الاجواء الموبوءة، هو خروج عن المسلكية الثورية الحقيقية، التي تقتضي من العضو ان يتحلى بطول النفس وبالاستعداد الدائم لدفع الحركة الثورية الى الامام، في نفس الوقت الذي يركل فيها بقدمه كل من يحاول جر الحركة الى الخلف. ان الاستمرارية تتطلب من العضو ان يقدم دائما انجازات تؤكد ايمانه بحتمية النصر. وان العضو الذي يتمتع بدرجة عالية من طول النفس، هو الذي لا يتوقف ابدا عند اخطاء الآخرين، ويعتبر ان بينه وبين الممارسة سد قد وضع لتعويقه عن العمل. ان العضو الثوري يشعر دائما بدوره التاريخي في الحركة، ممثلاً لجيل مهمته الاساسية هي انجاح مرحلته التاريخية، ونقل الحركة الثورية الى الامام، حتى يتسلمها الجيل الآخر وهي اقرب الى تحقيق الهدف، ان لم تكن قد حققته فعلا. ان دور العضو هو النظر دائما الى الهدف الاستراتيجي ... البعيد المدى والعمل على انجاز كل ما يستطيعه من مهمات تدفع بنفس الاتجاه، فالاستمرار وحده هو الكفيل بالوصول الى الهدف.. ان البطء خير من التوقف.. والتوقف خير من التراجع.. ولكن المحصلة الاساسية، هي التي يؤكد الثوار الحقيقيون في الحركات الثورية، انها يجب ان تظل مشرعة كالسهم الثاقب نحو الهدف، لا يفصلها عنه الا الزمن، وهو بالنسبة لاعضاء الحركات الثورية مهما بعد .. فإنه بالاستمرار قريب...


13-المشاركة :


يؤكد خط الجماهير على ان مهمة الحركة الثورية هي قيادة الجماهير وتوجيهها، لتقوم بالمهمات اللازمة لانجاز طموحاتها الثورية. ان هذا الدور للحركة الثورية يتطلب من كافة اعضائها العمل معا بروح من التعاون والمشاركة في العمل، حتى يصبح التصدي للمهمات العظيمة مهمة الجميع، لكي تعود فائدته على الجميع. ان القدرة القيادية للحركة الثورية تتوقف على امكانياتها الذاتية وترابط اعضائها وشعورهم بالمسؤولية المشتركة وقدرتهم على العمل الجماعي. ان غياب روح العمل الجماعية وروح التعاون داخل الحركة الثورية، يحرمها القدرة على قيادة الجماهير بصورة فاعلة وموحدة. ان العمل الموحد المشترك، هو الذي يضمن النتائج الايجابية نوعا وكما لكافة المهمات. وهو الذي يؤمن للمستقبل مزيدا من التفاعلات الجماعية في العمل، والتي تعطي انجازات هائلة على طريق الانجاز العظيم..
ان عضو الحركة الثورية مطالب ان يميز سلوكه اليومي بالشعور الدائم بالانتماء للمجموعة، وبالاستعداد للعمل المشترك معها. هذا الشعور النابع، من ان جميع اعضاء الحركة هم مشاركون في اهدافها، وهم الذين يشاركون في التضحية لتحقيقق هذه الاهداف، وان على العضو ان يعبر عن هذا الشعور بالممارسة اليومية. وذلك من خلال بذل كل الجهد لجعل العمل المشترك والعمل الجماعي بديلا للعمل الفردي. ان الحركات الثورية، التي تجسد طموحات الجماهير، مطالبة ان تحدد ومنذ البداية، ان النصر الذي تسعى لتحقيقه هو في حقيقته انتصار للحق على الباطل.. انتصار لخط الجماهير على خط اعداء الجماهير. ولكن على الحركة الثورية ان تؤكد للجميع، ان النصر ليس هبة يعطى من العدو، وانما هو ثمن للتضحية والنضال.. وان الذين يستحقون التمتع بالنصر هم الذين ناضلوا وضحوا في سبيل تحقيقه، اما الذين كانوا يتفرجون ويعيشون لذاتهم فليس من حقهم الادعاء بحقيقة التمتع بالنصر. ان شعار(الارض للسواعد الثورية التي تحررها) هي دعوة ثورية صريحة لكل افراد الشعب، ليشاركوا في النضال ويقوموا بواجباتهم الثورية، حتى يستطيعوا التمتع بالانتصار. ان الشعور الذاتي لكل عضو بانه شريك لغيره من الاعضاء.. شريك للجماهير في الثورة، تجعله لا يحرص فقط على القيام بمهماته الفردية والواجبات الموكلة به شخصيا. وانما تجعله يحرص بنفس الدرجة على ان يقوم شركاؤه بمهماتهم وواجباتهم، حتى يصبح العمل الثوري المشترك هو الجسر الذي يعبر بالجماهير الى صنع النصر.


14-التكامل :


تتطلب المهمات الثورية لانجازها عددا من الكوادر والمنفذين يفوق دائماً، وفي كل مراحل نمو الحركة الثورية، عدد اعضائها. ورغم ذلك، فان روح التنافس العدائي تظل موجودة عند بعض الاعضاء والكوادر.. ويرجع ذلك الى شعور مريض بان الآخرين هم بديل للذات وان طموحاتهم هي نقيض بطموحاته. ان التكامل كقاعدة للمسلكية الثورية يفرض على العضو ان يفكر وان يتصرف دائما على اساس، انه جزء من الكل وانه ليس بديلا لاحد، كما وانه ليس هنالك بديل له كعضو في الحركة الثورية، حيث ان مجال الانتساب الى الحركة والانتماء لها مفتوحا للاعضاء، الذين يتمتعون بشروط العضوية، وهو يتنامى دائما ولا يفقد عضو موقعه بسبب وجود عضو آخر، ولكن القدرة والكفاءة المناسبة للعمل، هي التي احيانا تفرض التبديل. ان الشعور بالتكامل داخل الحركة الثورية، تجعل الفرد يتصرف على اساس انه مع الآخرين. يقومون بالمهمة المتكاملة.. وانه لا يمكنه ان يسمح لنفسه بالادعاء، بانه قادر على القيام بكل انواع المهمات.. ان غياب الشعور بالتكامل تجعل العضو يشعر ويتصرف على اساس انه هو فقط القادر على الانجاز، وان الاخرين يمكن ان يعاونوه ولكنهم غير قادرين على الابداع والانجاز الذاتي كما يستطيع هو، ان الشعور بالتكامل مع الحركة يعطي مسلكية ثورية حقيقية، ولكن الشعور بالتكامل مع الذات يعطي مسلكية مريضة تجعل صاحبها يتصرف وكأنه كل شيء.. الحامي والرامي.. المنتج والمبدع.. وتغلب فرديته وانانيته ليصبح مقتنعا بأن أي عمل لا يكون على راسه لا يمكن ان ينجح. وان أي محاولة لمشاركته في العمل، هي مؤامرة استعمارية تستهدف تقويض بنيان الحركة الثورية.. ان على الاعضاء جميعا ان يعمقوا مفهوم التكامل مع الحركة الثورية.. وان يشعر كل منهم انه جزء من كل. وان الجميع بعملهم المشترك يدفعون بالحركة الثورية الى انجاز مهامها، وان أي اختلال في فهم التكامل يؤدي الى تفشي امراض الفردية والانانية والغرور، أو الانعزالية والانطوائية والتقوقع. ومهمة الاطر التنطيمية هي خلق روح العمل الجماعي، الذي يجعل الخلية كوحدة حركية متكاملة تمثل صورة مصغرة عن واقع الحركة الثورية. وبهذا يصبح العضو المنضبط فاهما لدوره، منفذاً لمهماته، دافعا بانجازاته لتتراكم مع انجاز اخوانه المناضلين، ليتكون منها الانجاز الجماعي المتكامل.


15. التخصص والملاءمة :


يقابل تنوع المهمات في الحركات الثورية تنوع في امكانيات واستعدادات الاعضاء. وتصبح مهمة القيادات والكوادر هي اختيار العضو المناسب للمهمة المناسبة، ودفع الاعضاء الى التخصص في نوعيات محددة من المهام تتفق وميولهم ورغباتهم وهواياتهم، تجعلهم لا يقومون بالمهمات خير قيام فحسب، وانما يبدعون فيها ويطورون اعمالهم بالمبادرات الخلاقة. ان تكليف بعض الاعضاء بالقيام بمهمات لا تتفق وميولهم واستعداداتهم، تجعلهم يخفقون في الوصول الى النتائج المتوخاة، مما قد يجعلهم يفقدون الثقة بانفسهم ويتحولون الى مناضلين فاشلين.. لقد دلت التجارب، على ان كثيراً من الاعضاء، الذين فشلوا في مهمات محددة، ابدعوا في مهمات اخرى، وان القليلين فقط من الكوادر والقيادات هم الذين يتمتعون بقدرات على العمل المجدي في المجالات المختلفة.
ان المسلكية الثورية تفترض على العضو ان يتصدى للمهمات، التي يعرف مسبقا انه قادر على انجازها، كما ان مهمة المسؤول هي ان يكلف بالمهمة من يعرف مسبقا انه قادر على انجازها. ان الحركات الثورية مطالبة ان تصنف اعضاءها بناء على قدراتهم وميولهم واستعداداتهم، الى جانب تاريخ انجازاتهم النضالية. ان السجل الذاتي للعضو، هو الذي يوضح متى وكيف وأين استطاع ان ينجز مهامه بجدارة، ومتى وأين وكيف اخفق. ان هذه المعرفة لاعضاء الحركة تجعل من البناء التنظيمي خلايا مهمات متخصصة مضمونة النجاح. ان تعميق مفهوم التخصص لدى الافراد، بحيث ان لا تقلل روح البحث والتعرف على التخصصات الاخرى وتوسيع المفاهيم الثقافية والتكنولوجية للعضو. ان الكادر الواعي في الحركة الثورية هو الذي يستطيع ان يقوم بواجبه الاداري على اكمل وجه، الى جانب خبراته التنظيمية والعسكرية ونجاحه في العمل الجماهيري . ان تشجيع الاعضاء على التخصص، يجب ان يقابله في الحركة الثورية تشجيع للكوادر على توسيع الافق والمعرفة، حتى يستطيعوا توجيه الاعضاء كل في مجال اختصاصه، عن معرفة بالحد الادنى، الذي تتطلبه المهمة الموكلة للعضو، وكلما تصدى للمهمة من يلازمها، كلما ازدادت الانجازات في الحركة الثورية وكلما اقتربت من تحقيقها للنصر.


16-التعمق :


ان درجة الاهتمام والجدية، التي يوليها العضو للمهمة الموكلة اليه، هي التي تحدد قدرته على انجازها بكفاءة. ان معالجة المهمات والقضايا بشكل سطحي، لمجرد الازاحة عن الظهر وعن طريق لمسها دونما تفهم لجوهرها، يجعل اخطاء الحركة الثورية تتراكم وامراضها تتكدس، فيستفحل الخطر. ان المسلكية الثورية تقتضي من العضو، ان يعالج القضية بتعمق وفهم شديدين، وان يركز عليها كل مجهوده للتعرف على كافة جوانبها، حتى يستطيع انجازها كاملا. ان نظرة الاستصغار لبعض القضايا البسيطة ووصفها بالتافهة، التي لا تستحق، يجعل من هذه القضايا تتراكم وتشكل خطرا على الحركة. ولهذا، فان عضو الحركة الثورية مطالب بالتصدي للقضايا الصغيرة وحلها بنفس الجدية، التي يتوجه فيها لحل القضايا الكبيرة. ان النظرة السطحية للعمل، تجعل اسلوب العمل الشكلي يسيطر على مؤسسات الحركة الثورية، فتستفحل فيها روح البيروقراطية، التي تحاسب الامور بروتين قاتل ابعد ما يكون عن الثورة وعن الثورية. ولكي تتجنب الحركة الثورية الوقوع في مرض البيروقراطية القاتل، عليها ان تنمي لدى اعضائها روح التعمق في النظرة الى الامور، ودراسة القضايا بموضوعية، والتصدي للمهمات باهتمام وجدية، حتى تضمن النتائج الثورية من جهة، وتضمن تاكيد المسلكية الثورية لدى الاعضاء من جهة اخرى. ان المسؤولين مطالبون دائماً، بان يكونوا أول المتعمقين في معرفة الامور، لانهم بذلك يكرسون منهجا يرفض العمل من وراء الظهر والتبجح بالعلم والمعرفة عن غير علم ولا معرفة.
ان التعمق، كقاعدة للمسلكية الثورية، يحتم على الاعضاء ان يرفعوا من قدراتهم الذاتية وكفاءاتهم النضالية، حتى يصبحوا اهلا للبحث والاستقصاء وسبر اغوار المهام النضالية والتعرف على كافة ابعادها. ان الفرق بين العضو الثوري الاصيل والعضو المزيف هو بالضبط كالفرق بين النظرة المتعمقة الفاحصة وبين النظرة السطحية، تماما كالفرق بين اللب والقشرة.


17-الصدق والامانة :


يعتمد البناء التنظيمي للحركة الثورية على الاعضاء كأفراد، والذين يشكلون لبنات الهرم التنظيمي. ان صفات الافراد تعكس على الهرم بعضا منها، وكلما ازدادت الصفات الثورية في الاعضاء، كلما ازدادت بشكل عام في الهرم. كما وان وجود أي من الصفات المرضية قد يجد له مجالا للتفشي في الهرم، اذا لم يحارب بشدة وبدون هوادة. ويتطلب البناء التنظيمي من الاعضاء، كصفات أولية اساسية، ان يتمتعوا بالصدق والامانة. وهاتان الصفتان كقاعدة للمسلكية الثورية، تحتم على العضو ان يمارس داخل اطر الحركة الثورية وخارجها بصورة تعمق الصواب وتحارب الخطأ، تقول الحق وترفض الباطل. تتحمل المسؤوليات فتؤديها بأمانة واخلاص. وتقف دائما موقف الصدق، حتى لو كان الموقف يدينها. هذه الصفات الثورية في العضو، هي التي تضمن سلامة العلاقة بين الاعضاء بعضهم بعضا من جهة وبين الاعضاء والجماهير من جهة، اخرى. ان التبجح والمزاح والادعاء، هي صفات متفشية في المجتمعات، وقد يحولها بعض خفيفي الظل الى صفات مستحبة، فتصبح مباريات الكذب والفشر تعبر عن عقد النقص المتفشية في المجتمع. ولكن الحركات الثورية، التي تسعى لتغيير الواقع الفاسد، وتسعى لتطهير المجتمع من كل الامراض، ترفض ان ينقل اعضاؤها مرض الكذب الى داخل صفوف الحركة الثورية. كما وانها تصر على ضرورة ان يضع العضو المريض نفسه للاطر التنظيمية لتساعده في عملية التنقية الذاتية، حتى يكتسب قاعدة اساسية من قواعد المسلكية الثورية. ان كل ما تملكه الحركة الثورية من اسرار واخبار وامكانيات، يكون تحت تصرف الاعضاء، وهم وحدهم الذين يحافظون على ممتلكات الحركة الثورية، مدفوعين بروح الامانة الثورية. ان طبيعة العمل السري في الحركة الثورية، يتيح للاعضاء التملك المادي دون وثائق، وتكون امانتهم هي الضمانة الوحيدة على حفظ اموال الحركة وممتلكاتها.
18. المساواة :
يتساوى كافة اعضاء الثورة امام النظام. امام القانون الثوري. وهم وان اختلفت مراتبهم التنظيمية ومسؤولياتهم، فانهم يحاسبون على اساس واحد ايجابيا وسلبيا. ولهذا، فان على العضو ان يعمق الشعور بالتساوي مع الآخرين من الاعضاء، وان لا يسمح لنفسه بالتعالي على من هم دونه مرتبة أو مسؤولية أو الشعور بالنقص ممن هم اعلى منه مرتبة ومسؤولية. ان المساواة تجعل العضو واثقا من قدرته على الانجاز والقيام بالمهمات بفعالية، وهو واثق انه سيثاب على انجازاته.
ان الحقوق التي يتمتع بها عضو الحركة الثورية، تعطي له المجال الرحب لانجاز مهامه، كما وانها تعمق الشعور بالمسؤولية لدى العضو. ان ما يدفع العضو لمزيد من الانجازات الثورية، هو، شعوره ان انجازات الحركة الثورية هي مجموع انجازات كل اعضائه، وانهم جميعا متساوون في الحقوق وفي الواجبات، دون أي استثناء لمرتبة أو صفة. ان فقدان بعض الاعضاء لشعور المساواة داخل الحركة الثورية، يجعلهم يتصرفون كالاغراب داخل الاطر، وتربي لديهم روح النقمة على الحركة وعلى كوادرها وقياداتها. ان مهمة التنظيم الثوري، ان يعمق لدى كل اعضائه بالمساواة، عن طريق الفهم الواعي للنظام الداخلي واللوائح التنظيمية وقوانين العقوبات. ان شعور العضو بان من حقه، ان ينتخب وان يعطي رأيه وان ينتقد رأي الاخرين بصراحة ودون تحفظ. كما ان من حقه ان يساهم ويشارك في الاجتماعات الحركية والمؤتمرات، وان يقدم التقارير والاقتراحات. كل هذه الحقوق المشتركة تفرض على العضو ان يجعل من المساواة قاعدة لمسلكيته داخل الحركة الثورية وخارجها، وان تجعله يمارس في حياته العامة وكأنه المسؤول عن الحركة امام الجماهير، وهذه هي نفس المسؤولية، التي يجب ان يتمتع بها كل اعضاء التنظيم، حتى تصبح الجماهير هي القاعدة الثورية الملتصقة بالحركة والمتلاحمة معها، فكراً وممارسة.


19-النقد الثوري :


ان تميز الحركة الثورية عن الواقع بالنظرية وبالممارسة، تتطلب من عضو الحركة الثورية ان يتميز عن غيره من الافراد، وذلك بان يتمتع بصفات لا يحملها الانسان العادي.
والصفة الاساسية، التي تميز الاعضاء عن غير الاعضاء، هي النقاء الثوري.
ان كثيراً من الصفات، التي تشكل قواعد المسلكية الثورية في المجالات المختلفة، يمكن وجودها خارج الحركة الثورية، ولكن النقاء الثوري هو صفة ملازمة للاعضاء الاصليين، الذين يتسامون على كل شوائب الحياة، ويجعلون من الحركة الثورية كل حياتهم، ويعطونها كل اهتمامهم، فتنمو فيهم روحية الاخلاق الحميدة السامية ويتشكل لديهم قانون الثورة، الذي يفيض بالمحبة والتعاون والاخلاص والشرف والبساطة ونكران الذات والتواضع والتضحية والأيمان بقدرة الجماهير وقدرة الحركة الثورية. هذا الشعور لدى الاعضاء، هو الذي يجعلهم يمثلون طليعة الجماهير، ويجعلهم يشكلون الروابط، التي تجمع الجماهير مع بعضها البعض متجهة بقيادة الحركة الثورية الى دروب الحرية والنصر.
ان الشعور بالارتياح الذي، تحسه الجماهير لدى احتكاكها بالاعضاء الثوريين، يرجع الى احساسهم بالنقاء الثوري الذي يتمتع به هؤلاء الاعضاء. وان تحكم هذه الصفة في مسلكية العضو، تجعله اكثر التصاقا بالجماهير وتلاحما معها وتفهما لها، فيصبح كذائب عشقا بالعطاء من اجل الجماهير ومن اجل التنظيم.
ان درجة النقاء الثوري تتفاوت في اعضاء الحركة الثورية بدرجات عالية. فهي اكثر قواعد المسلكية الثورية حساسية من وجود امراض الواقع الفاسد. ولهذا، فان النقاء الثوري والامراض لا يمكن اجتماعهما في عضو واحد. ولهذا، فان هذه القاعدة ليست متواجدة عند كل اعضاء الحركة الثورية. انها تتواجد فقط عند اكثر الاعضاء تخلصا من امراض المجتمع واكثر امتلاكا لقواعد المسلكية الثورية في المجالات المختلفة.


2.-العلاقات الاخوية :


تأتي الحركات الثورية لتحدد علاقات جديدة، تربط مجموعة من افراد المجتمع بعضهم ببعض، بروابط جديدة تفوق في قوتها الروابط الاجتماعية السائدة. ان اعضاء الحركة الثورية، الذين تجمعهم فكرة واحدة ويتوجهون نحو هدف محدد ويختارون اسلوبا موحداً، يجدون انهم يتمازجون روحا وتظللهم في احلك الظروف اجنحة قانون المحبة، فينتزع من بينهم، كل الشوائب وتعمق روح الاخوة فيما بينهم وتجعلهم يسمون على جراحاتهم الذاتية في سبيل الهدف المشترك، وتصبح صورة القوى المعادية الرامية لافنائهم والبطش بهم جميعاً، هي التي تجذب ابصارهم وتشدها نحو التناقض الرئيسي. ان الحركة الثورية تفرض على كل اعضائها ان يحلوا ما ينشأ بينهم من مشاكل وخلافات، بالحوار الهادئ اللطيف والنقد والنقد الذاتي. ان العلاقات الاخوية داخل اطر الحركة الثورية، تنعكس بصورة دائمة على العلاقات، التي تنشأ بين الحركة الثورية والمجتمع، وكلما سادت هذه العلاقات روح الاخوة والرفاقية، كلما اجتمع حولها مزيد من الجماهير. ان طبييعة العلاقات، التي تنص عليها اللوائح والانظمة الحركية، والتي يتوجب على الاعضاء التمسك بها واحترامها، ليست هي فقط التي توطد علاقات الترابط والتلاحم داخل الحركة الثورية.
ان روابط الممارسة اليومية، التي يعمدها الجهد والعرق والدم، هي التي تجعل الاعضاء ينظرون الى بعضهم بعضا كقوة متلاحمة تشد أزر بعضها، ولا يستطيع أي منهم الاستغناء عن الاخر. ان تعميق هذا الشعور بالتكامل الحركي والمشاركة الثورية، يمتن الروابط والعلاقات بين الاعضاء، ويجعل الحركة كالبنيان المرصوص، ولا تستطيع كل القوى ان تلحق به أي اذى. ان نقطة الضعف في الحركات الثورية، هو قدرة اعدائها على تصديعها من الداخل.. وتشتيتها وتشرذمها تمهيدا لشقها.. ان سيادة قانون المحبة داخل الحركة الثورية هو الذي يضمن تماسكها وتلاحمها ورأب أي صدع فيها باسرع مما يتوقع الاعداء، حيث ان الشعور بالمحبة والاخوية داخل الحركة الثورية، يجعل كل الاعضاء يفهمون ان خلافهم.. وتشتتهم لا يفيد الا اعداءهم.. وان امراضهم لا يستطيع ان يعالجها الا هم، بالصبر.. والحزم.. والمحبة.
ان العلاقات الحركية الاخوية، هي البديل الامتن عن كل انواع العلاقات الاخرى. وهي التي تحارب كل انواع العلاقات المرضية الشاذة داخل صفوف الحركة الثورية. ان دور العلاقات الاخوية في تعميق مفهوم الشعور بالمحبة بين الافراد واعتزاز بعضهم ببعض، يلتحم مع الشعور بحرصهم وحمايتهم لبعضهم البعض من كل منزلق أو خطر أو خطأ. ان المناضلين الاقوياء، الذين يتميزون بالثقة العميقة بانفسهم وبحركتهم هم الذين يعمقون مفهوم الروح الاخوية. وينطلقون من مبدأ الوحدة الدائمة للحركة. ويشعرون ويتصرفون على اساس، ان الحركة لجميع المناضلين من ابنائها. وان الاخوة التي تربط بين الجميع هي أواصر المحبة الحركية.
وان أي تكتل أو تشرذم يقلل من دور الروابط الحركية ويعمق مفاهيم الشللية والاستلزام، أياً كانت الدوافع له. انما هو خروج عن مفهوم الخط الثوري وتحطيم العلاقات الاخوية.
ان المناضلين الاكثر وعيا وايمانا بحتمية النصر، وشجاعة واستعداداً للتضحية، هم الذين يناضلون من اجل تعميق مفهوم العلاقة الاخوية، والروابط الحركية.
اما الاعضاء الضعفاء الانتهازيون المتسلقون، فانهم يلهثون جريا وراء من يستزلمهم، ويجعلون من أوهى الروابط الذاتية والمصلحية بديلا للروابط الحركية والعلاقات الاخوية.
ولنتذكر دائماً، انه بالمناضلين الاقوياء الشرفاء فقط، نستطيع ان نناضل، وبالمناضلين الاقوياء الشرفاء فقط، نستطيع ان نبني التنظيم الثوري الصلب القادر على حماية الحركة وتصعيد نضالها حتى النصر.


 

كلمات دالّة: