• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

السرية الطلابية : التأسيس والمؤسسون كما يكتب د .شفيق الغبرا

السرية الطلابية : التأسيس والمؤسسون كما يكتب د .شفيق الغبرا

فتح  ميديا – متابعات


 


تعمقت معرفتي باثنين من القياديين في فتح في ما كان يُسمى «القطاع الغربي المسؤول عن المقاومة في الداخل. لكنهما في الوقت نفسه رمزان أساسيان للتيار اليساري الطلابي والمجدد في حركة فتح. الأول هو أبو حسن قاسم واسمه الحقيقي (محمد بحيص) وسبق أن التقيته إبان قيادته العسكرية لمنطقة جامعة بيروت العربية في أثناء متاريس الطلاب العام 1973.


عندما تلتقي أبو حسن قاسم، لا بد أن تلتقي شخصية أخرى أصبحت مع الوقت الرمز الثاني لهذا التيار: حمدي، واسمه الحقيقي باسم سلطان التميمي.


 


ما يهمّنا أن حمدي وأبو حسن، إضافة إلى عملهما في الأراضي المحتلة، كانا من الأساسيين في هذا التشكيل الطالبي الجديد، ذي المنحى القتالي والمنحى اليساري في حركة فتح.


 سعد (عبد القادر جرادات)


 


عندما التقيت سعد في ذلك الربيع المتفجر في لبنان كان في أواخر العشرينيات من عمره. سعد من قرية سعير المحتلة قرب الخليل في الضفة الغربية، وهو يمثل شخصية أساسية في التيار الطالبي، توازي قدراته قدرات كل من حمدي وأبو حسن.


عمل سعد في الأردن مدرساً، وأدى دوراً قيادياً في تنظيم فتح. أكمل دراسته الجامعية في لبنان في جامعة بيروت العربية التي وصلها العام 1973 بعد أن مارس نشاطاً مع فتح من سوريا. وقد فضّل أن يبقى في الجامعة ويؤخر تخرّجه لمصلحة العمل السياسي الطالبي، خاصة أنه نائب رئيس الاتحاد العام لطلبة فلسطين. سيكون سعد أول قائد للسرية الطالبية، وهي التشكيل العسكري لهذا التيار الطالبي ولتنظيم فتح الطالبي.


 


علي أبو طوق


 


في تلك الفترة تعمّقت معرفتي بعلي أبو طوق. وفي تلك الفترة قاد علي ومعه سعود المولى التنظيم الطالبي لفتح في المدارس الثانوية. كان ذلك التنظيم مكوّناً من المئات من اللبنانيين والفلسطينيين في طول لبنان وعرضه، وفي المخيمات وخارجها. ومن غرائب الصدف أن أنيس النقاش، الطالب الجامعي، هو الذي تحمّل مسؤولية التنظيم الطالبي لفتح في الثانويات قبلهما.


 


 


ولا يمانع علي لو أعلن كل من حوله مسؤوليتهم الكاملة عن كل ما قام به، فهو في المقدّمة أثناء العمل، وفي المؤخرة أثناء التحدّث عن العمل بعد إنجازه. هذا النكران للذات وجدته على أعلى المستويات عند حمدي وأبو حسن وسعد، لكنه يصل إلى حد القداسة والتقديس عند علي أبو طوق. سيكون علي في يوم من الأيام أسطورة على كل لسان. ولو كان علي أبو طوق في ثورة أخرى، في ظل ظروف مختلفة، لكان في مكانة غيفارا وقدسيته. امتلك إشعاعاً فيه من الخلود وصفو النفس وجمالها، ما يصعب وصفه. فهو لا يغضب من أحد، ولا يحمل في صدره ضيقاً من أحد. كتب الروائي اللبناني الياس خوري رواية بعنوان «مملكة الغرباء» كان علي أبو طوق محورها، فخوري عرف علي في تلك الأزمان ولازم فعاليته وقدراته وأفرد له مكاناً في أكثر من رواية.


 


شباب التيار


 


الشبان الأكبر سناً مثل أبو حسن قاسم (محمد بحيص) وسعد (عبد القادر جرادات) وأبو خالد جورج (جورج عسل) ومنير شفيق، امتلكوا وعياً لأخطاء الحركة الوطنية الفلسطينية في الأردن، لهذا صمّموا في أعمالهم الجديدة على أن يتجاوزوا تلك الأخطاء، من خلال سياسة مختلفة تجاه القوى الوطنية المحلية، وتجاه تفادي التورط في الحرب الأهلية وتجاه احترام الناس ورغباتهم واحتياجاتهم. رأوا أن حركة فتح طاقة كبيرة توفر موقعاً وفرصة للعمل السياسي والكفاحي. لهذا نقل هؤلاء لعلي ولحمدي ولمعين ولعشرات من الشبان الذين أسسوا السرية الطالبية في ما بعد تجاربهم بانفتاح كبير.


 


 


استمر تعرّفي إلى الكثير من الشبان الحالمين بتحرير الأرض وإحقاق واقع عربي جديد من خلال التصدي لإسرائيل واحتلالها. أحد هؤلاء كان عادل عبد المهدي. واسمه الحركي أبو أمل من العراق. وهو الآخر مفكّر يساري متميّز، لديه أحلامه في التغيير العربي، من خلال نصرة القضية الفلسطينية. أبو أمل امتلك قدرات ثقافية متميّزة، وقدرات على التحليل والتنظير. فمجرد الاستماع إليه، أفادنا وأغنى تجاربنا. لكن أبو أمل (عادل عبد المهدي) سيغادر، باحثاً عن حلم التغيير في العراق.


 


 


وتعرّفت إلى عشرات الشبان، منهم ربيع من جبل لبنان، ومصبح اللاذقي ونديم وعبدو ورضوان وسامي عبود من البقاع من مؤسسي السرية (كان يغدق علينا سامي من العسل الذي ينتجه في مزرعته من حين لآخر). والتقيت أيضاً من المثقفين المؤثرين في التيار مثل ميشيل نوفل (أبو زياد) وأبو وسام وأم وسام. والتقيت، لقاءات قيّمة القيادي في التيار أبو محمود (هلال رسلان). وأبو محمود شخصية سورية فريدة من جبل العرب، أدت دوراً أساسياً في تأسيس تيارنا، وجلب قواعد لا بأس بها من مناطق الشوف وجبل لبنان وسوريا لدعم التيار، أبو محمود عمل في أوائل الستينيات محافظاً لمدينة حلب، وهو سفير سابق لسوريا في الصين. غادر سوريا إلى لبنان كما غادرها سياسيون سوريون كثيرون من كثرة الانقلابات فيها وخاصة بعد انقلاب حافظ الأسد العام 1970، ولكن هلال رسلان هو الآخر مرّ بتجارب العرب، مرحلة وراء أخرى، ونضجت معها تجربته السياسية بمصاعبها وأخطائها. بحث رسلان عن حلمه في التغيير العربي الأوسع وفي بلده سوريا، فوجد في القضية الفلسطينية والسعي إلى نصرتها مدخلاً إلى الأمل.


 


 .وفي هذه الفترة التقيت أيضاً الدكتور عصمت مراد المتخرّج الجديد والطبيب الآتي من فرنسا. د. عصمت أسس الشبيبة الوطنية في الشمال، التي هي الأخرى مكونة من مجموعات طالبية ذات بُعد يساري تؤمن بالتغيير، ستنضم هذه المجموعات في ما بعد، إلى الجهد التأسيسي للسرية الطالبية، أسوة بمجموعات أخرى هنا وهناك، وسيشكلون مع الوقت الأساس الجماعي للسرية الطالبية التي سيعرف اسمها أيضاً في مرحلة لاحقة «بكتيبة الجرمق» وذلك عندما ترابط الكتيبة على التلال المطلة على فلسطين المحتلة وتخوض معارك بطولية لسنوات طوال النصف الثاني للسبعينيات إلى أوائل الثمانينيات من القرن العشرين.


 


أصبحت السرية الطالبية بعد استشهاد سعد تحت قيادة معين الطاهر، القائد الطالبي الذي تخرّج حديثاً من الجامعة. لكن السرية في الوقت نفسه اقتربت من أسلوب القيادة الجماعي، وذلك من خلال جهود المجموعة القيادية مثل أبو حسن وأبو خالد وجورج وحمدي ومروان وعلي أبو طوق ومحمود العالول ونظير الأوبري ورمضان وقياديين من الجبل ومن الشمال ومن بيروت وآخرين. وبسرعة وقعت إصابات كادت تودي بحياة علي أبو طوق وحمدي في حي البرجاوي.


 


أصبحت السرية من أكثر الأطراف وعياً لأهمية عدم قصف المناطق المسيحية، وعدم استهداف المدنيين، والحفاظ على الأملاك العامة للناس، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهوداً لبنانيين. وأصبحت السرية في الوقت نفسه من أكثر المجموعات في فتح وفي ساحة العمل الفدائي عملاً على جمع فلسطينيين ولبنانيين وعراقيين ويمنيين، وسنّة وشيعة ودروز وموارنة.


 


ولتوضيح موقف السرية الرافض للتطهير الديني والطائفي، نأخذ على سبيل المثال واقعة معروفة وهي قيام السرية الطالبية بالانسحاب بقيادة أبو الراتب قبل استشهاده بفترة وجيزة إبان معركة الدامور في كانون الثاني/ يناير 1976، وذلك بعد قيامها بجهود كبيرة لحماية أسر مسيحية كثيرة في تلك المنطقة. حينها اتهمتها أطراف، وخاصة القائد العسكري للهجوم في الدامور أبو موسى وهو قائد منطقة الجنوب عن فتح والمقاومة، اتهمت السرية الطالبية بالتخلي عن واجبها العسكري أثناء المعركة.


 


لكن أبو إياد (صلاح خلف)، الذي حقق في الأمر، اكتشف أن السرية انسحبت بعدما أدت واجبها العسكري كاملاً وبعدما بذلت جهوداً جبارة لمنع الاعتداءات على المدنيين المسيحيين ولمنع السرقات الجنونية التي عمّت الدامور والجية، بما في ذلك حرق كل منزل فيهما بعد نهبه كاملاً. وصف أبو إياد سلوك المجموعة الطالبية بأنه «ضمير الثورة المحافظ على قيمها».


 


ما بقي من ذلك الجبل


 


سيعود محمود العالول إلى نابلس ضمن اتفاقات السلام الموقعة العام 1994، ولكنه سوف يفقد ابنه جهاد ابن الـ20 عاماً في الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي بدأت العام 2000. وقد أصبح العالول وزيراً في حكومة الوحدة الوطنية، وقبل ذلك محافظاً لمدينة نابلس، وانتخب العام 2009 في عضوية أعلى هيئة قيادية في حركة فتح: اللجنة المركزية.


 


أما أبو الفتح (اللواء ذياب العلي) فبعد عمر مليء بالكفاح سيدخل الأراضي الفلسطينية، ثم يصبح منذ العام 2004 قائد قوات الأمن الوطني في السلطة الفلسطينية. أما أبو حديد (العقيد سليمان عمران) فأصبح قائداً لمناطق عدة في الضفة الغربية بعد قيام السلطة الفلسطينية، وأبو رحمة (محمد القاروط) مستشار وزير الحكم المحلي للتنمية الإدارية في السلطة الفلسطينية. عبد الفتاح في الضفة الغربية مع أسرته وشيرين، أما عمار (اللواء عاطف بدوان) فبقي في فتح وانتقل إلى الضفة الغربية وتوفي العام 2011.


 


شريف انضم إلى مؤسسة دولية مهمة بعد نيله شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، وحسام بنى مكتبة ودار نشر، ومحمد الذي قاتل في بحمدون تخرّج مهندساً وأصبح خبيراً مالياً. نديم رجل أعمال. رياض أنشأ شركة كمبيوتر، ويوسف من بنت جبيل افتتح مصنع منتجات استهلاكية في أوروبا وعاد أخيراً إلى الجنوب، وخالد ومعه زوجته بهية افتتحا شركة تعمل في الموانئ خارج لبنان بينما هاجر أدهم إلى أفريقيا. وسعود المولى الذي عرفته في فترات البداية من مصياف إلى البرجاوي والمراحل الأولى في الجنوب بات يمثل تياراً مستقلاً في الوسط الشيعي بين أمل وحزب الله وأميل إلى الوسطية الليبرالية.


 


انتقل ربحي إلى أوروبا لسنوات ليعمل منسقاً في إحدى المؤسسات الدولية، وانتقل بعد ذلك إلى بيروت لعمل خاص. وحسام الذي كان في أحيان كثيرة ظلاً لمعين، أصبح رجل أعمال متميزاً في إحدى دول الخليج، وأحمد وهو الجريح الأول الذي شاهدته في بداية الحرب، أصبح أستاذاً جامعياً متميزاً في جامعة عالمية، أما يزيد صايغ فامتهن العمل الأكاديمي بامتياز، بينما عدنان أبو الهيجا الجريح الذي قاوم الموت لزمن طويل بعد إصابته برصاصات عدة فأصبح سفيراً لفلسطين. وينطبق الأمر ذاته على شبان بيروت وشاباتها المناصرين للكتيبة، من رمضان ومصباح إلى عبدو ونديم وأمل ورجاء وسامية وآمنة، فكل منهم امتهن عملاً جديداً في التدريس أو الصحافة أو الإعلام. لم أذكر الكثيرين منهم مثلاً من البقاع سامي ورضوان، ومن الجبل ربيع وأبو عفيف والشاعر المغني حاتم ومنير الجبل ووجيه ابن الشهيد أبو وجيه العنداري وعشرات الشبان والشابات ممن أفنوا شبابهم في هذا الجهد المنظّم.


 


استمر السيد هاني فحص روحاً متميزاً. لقد دفعت التطورات الجسام السيد باتجاه التعمّق في الطرح المنفتح ثقافياً بين المذاهب الإسلامية وبين الشيعة والسنة وبين الشيعة والشيعة أنفسهم وبين الإسلاميين وغير الإسلاميين. ظل السيد صوتاً عقلانياً وحيوياً ووطنياً حتى يومنا هذا.


أما عادل عبد المهدي الذي أتى إلى لبنان لمساندة المقاومة في السبعينيات وعمل عن قرب مع السرية الطالبية ومجموعاتها ومع منير شفيق في بدايات التشكيل في أواسط السبعينيات، فقد عاد وغادر باحثاً ليكمل مشروع التغيير في العراق وليكون نائباً لرئيس جمهوريتها بعد تغيير النظام.


 


مع فقدان معين لأهم الشبان الذين كوّنوا معه ما بقي من العمود الفقري لتجربة السرية الطالبية وكتيبة الجرمق، ومع دخول القضية الفلسطينية في نفق جديد بعد احتلال صدام حسين الكويت وتحول الوضع إلى انقسام عربي واسع النطاق، قرر الاستقالة من حركة فتح وجناحها العسكري. لكن معين بقي في نظر كثيرين كادراً أساسياً من كادرات فتح، وإن كان في موقع الاستقالة.


 


ومنير شفيق المفكر الذي أثّر في معظمنا، استمر بطريقة متبنياً خط المقاومة انطلاقاً من فكر إسلامي جديد آمن به وتفاعل معه. سيستمر في العمل العام مفكراً وكاتباً ومؤلفاً، وسيكون في السنوات القليلة الماضية أميناً عاماً للمؤتمر الإسلامي القومي وهو مستمر اليوم كاتباً ومعلقاً وناشطاً سياسياً مؤمناً بالتغيير العربي الأكبر وبالثورة وتحرير الأرض. أما محجوب عمر فقد استمر في عمله وعطائه وحلمه الأوسع إلى أن استقر في مصر وأقعده المرض عن القيام بالدور الذي تميز به في مسيرة الكفاح الفلسطيني. تأتي تطورات مصر والعالم العربي الأخيرة والثورات ونجاحها لتريح محجوب في مرضه وتريح الشهداء الذين حلموا منذ سبعينيات القرن العشرين بعالم عربي يثور على القمع والفساد ومصادرة الحريات.


 


أما أم أحمد القرى التي بلغت الثانية والسبعين من العمر العام 2011 فبقيت تعيش على ذكرى كل من مر عبر منزلها من الأحياء والشهداء. ما زال منزلها في مكانه في رأس النبع ومعها ابنتها آمنة القرى. يعج منزلها بالزوار. من خلال أم أحمد يتواصل عشرات الشبان من الذين قاتلوا في السرية الطالبية وكتيبة الجرمق.


 


أم أحمد مستمرة بلا انقطاع في رعاية مقبرة شهداء فلسطين في بيروت. فكل أسبوع وعند كل مناسبة وكل عيد ورمضان تذهب إلى مقبرة فلسطين حيث ابنها أحمد وكل أصدقائه الشهداء وتضع الزهور. ففي المقبرة محمد علي (يوسف إسماعيل)، ومحمد شبارو، وطوني النمس، وجواد أبو الشعر، ومروان كيالي وأيمن البرقاوي، وأبو خالد جورج، ومجاهد الضامن وديب فرح ومحمد شحادة ومحمد أمين حسنين والبقية. وأخيراً انضم رفات دلال المغربي التي كانت أم أحمد آخر من التقاها قبل أن تذهب إلى فلسطين في عمليتها المعروفة.


 


أما صديقي د. حاتم الذي بدأت معه تجربتي في جورج تاون فاستمر رمزاً للالتزام، سيعود إلى فلسطين مع عودة السلطة الفلسطينية لتحمل مسؤولية رئاسة جامعة القدس. لكنه سيموت جراء المرض في أرض فلسطين، بينما سيموت صديقه وصديقي خالد عبدو إبان الجزء الأخير من الحرب الأهلية اللبنانية على أحد الحواجز.


 


لمزيد من التفصيلات، راجع: شفيق الغبرا، حياة غير آمنة، بيروت: دار الساقي، 2012.