عاجل
عاجل
  • فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

كهرباء غزة 2 من 4

كهرباء غزة 2 من 4

 لم يكن متنفذو تطبيقات أوسلو في سنواتها الأولى، معنيين بمراكمة العناصر الاقتصادية للخروج من دائرة التبعية للاحتلال. ربما العكس هو الصحيح، أي إن بعضهم، أو حتى معظمهم، كانوا يحلمون بفردوس الشراكة التجارية مع المحتلين. ويصح القول إن هذا الانحراف تحديداً، قد تسبب في كارثة، على صعيد المشروعات الأساسية في بلادنا. كان الأجدر بالسلطة أن تراكم العناصر المادية للاستقلال الوطني، بدءاً بتأسيس قطاع خدمات قوي، لكيان يُرجى أن يصبح مستقلاً.


في هذه الحال، تكون السلطة نواة الدولة، هي من تتبنى المشروعات الأساسية الضرورية لحياة الناس، لا أن تجعلها غواية للطفيليين الذين يتطلعون الى أكل السُحت، من خلال الرُشى، واقتسام ملايين الأسهم فيما بينهم، على أن يكون المطلوب من السلطة، هو تأمين الربح لهم، ما يضمن أيضاً ارتفاع قيمة السهم،  سواء أدت المنشأة الخدمية الاقتصادية وظيفتها أم لم تؤد!


 كان ذلك نمطاً غريباً وغير مسبوق في تاريخ بناء الكيانات وفي تجارب حركات التحرر، أن يهجم المتربحون، فيزيحون السلطات الوطنية جانباً،  قبل تحصيل الاستقلال، لكي يفتحوا لأنفسهم مسارب للسحب من مقدرات شعبهم المالية، التي يُفترض أن تكون متكأ الحركة الوطنية، للشروع في عملية التنمية، التي تراعي ضرورة توفير الضرورات الأساسية، من كهرباء ومياه نقيه ومشروعات صرف صحي ومنشآت لمعالجة المياه العادمة، والحفاظ على البيئة العامة. ذلك لأن هذه مسؤولية وطنية، تليق بالقائمين على المشروع الوطني، ولا تليق بمتطفلين في إهاب رجال أعمال أو مسؤولين بلا ضمير!


وبالنظر الى كون فلسطين، تتمتع  بعلاقات دولية واسعة؛ فقد كان أمامها خياران لتنفيذ مشروع توليد الطاقة الكهربائية، وحتى في مشروع إعادة بناء شبكات التحميل، وتأسيس شركة عامة للتوزيع. الخيار الأول، أن نستعين بمجموعة دول صديقة وشقيقة، لتقديم محطة التوليد لشعب فلسطين، وكان ذلك متاحاً، أو أن يصار الى رصد جزء من رأسمال المشروع، من المعونات، مع اتاحة الفرصة للمواطنين بأن يشاركوا،  من خلال اكتتاب شعبي، ثم اعتماد الخيارات التي تؤكد دراسات الجدوى على صوابها. أما الكارثة، فقد كانت بإحضار شركة غير ذات اختصاص، لكي يجري التربح عبرها، بعد أن يتقاسم أشخاص محددون، أسهم الشركة الناشئة. وهؤلاء جميعاً يتقاطعون مع المتنفذين الذين لا زالوا حتى الآن، في دائرة البطانة، وليس أدل على ذلك من كون أحدهم هو اليوم وزير المالية الفلسطيني، أو من كون أن الأسهم يرتفع سعرها بينما غزة مظلمة!


فلو اتُبع المنطق الوطني الصحيح، لكانت السلطة قد اعتمدت الخيار المحترم، وتولت القيادة السياسية، الاستعانة بطرف دولي صديق، لتنفيذ المشروع الذي تؤكد الدراسات على جدواه، بشروط ميسرة!


غير أن ما حدث باختصار، هو أن متنفذي السلطة انفسهم، الزموا سلطتهم بدفع مبلغ سنوي مقطوع، مقابل إنتاج 140 كيلو وات كهرباء، مع الزامها أيضاً، بتزويد محطة التوليد، بوقود "الديزل 2" الذي اعتمدوه تحت عنوان أنه وقود مؤقت، لحين تشغيل محطة الغاز. معنى ذلك أن السلطة تقدم المبلغ المقطوع، مع "ديزل 2" للشركة لكي تنتج 140 ميغا وات.


غير أن المفارقة المثيرة للسخرية، تكمن في كون السرقة البذيئة، ظلت معطوفة على الفساد الفاجر، بطريقة لا تحتملها المسرحيات الكوميدية. سلطة تدفع وتستمر في الدفع، وتقدم وقوداً وتستمر في التقديم، لكي تنتج الشركة 140 ميغا وات، بينما متوسط حجم الانتاج ظل طوال السنوات، في معدل 40 ميغا وات طوال السنوات، بينما النقص الهائل، بحجم كلفة انتاج 80 ميغا وات، يُترجم الى أرباح للعصابة!


حكاية عجيبة فعلاً. هم يعرفون أن الانتاج أقل من ثلث المتفق عليه، لكن السلطة تستمر في الدفع وفي تقديم الوقود،  لأن الأرباح ستذهب الى المعنيين بطواعية السلطة للشركة.


ولكي تظل السلطة، تدفع أكثر من كلفة التشغيل بحجمة الضئيل، قام المتنفذون من الدائرة نفسها، بإحباط المشروع النرويجي لإعادة بناء شبكات التحميل، التي كانت ستحبط التذرع بضعف شبكات التحميل. لقد فعل الأوغاد كل ما من شأنه تخويف وتطفيش النرويجيين. والجدير بالتنويه هنا، الى أن هذه هي الجنايات التي يجب أن يتقصى القضاء الشريف والوطني مرتكبيها، وليس تلفيق قضايا لأبرياء وحبسهم طويلا الى أن يرق قلب الدكتاتور الرعديد، فيأمر قضاءه بالإعلان عن البراءة في الوقت الذي يريد، مثلما فعلوا مع المناضل رياض الحسن!


في حكاية شعبنا مع الكهرباء، ثمة فاعلون ليسوا طلقاء وحسب، وإنما مستمرون في التربح تحت عناوين شتى، ولهذا الحديث صلةٌ.

كلمات دالّة: