• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

تركيا دخلت النفق المعتم

تركيا دخلت النفق المعتم
ياسر عبد العزيز

كان بمقدور الرئيس أردوغان أن يدخل التاريخ من أبوابه الواسعة، وأن يسكن صفحاته الأكثر إشراقاً، سواء لكونه صانع نهضة تركيا فى مطلع الألفية الثالثة، أو لأنه دليل حى على إمكانية أن  تزدهر الديمقراطية فى مجتمع إسلامى، لكنه قرر، عوضاً عن ذلك، أن يضرب بإنجازاته الكبيرة عرض الحائط، وأن يضع كل ما حققته بلاده، على مدى أكثر من 15 عاماً، فى مهب الريح.


يعرف كثيرون أن تركيا استهلت العام الجديد بحادث إرهابى بشع، خلّف نحو 40 قتيلاً وعشرات الجرحى، وأن وقوع مثل ذلك الحادث يبدو مفهوماً فى ظل تصاعد المخاطر الإرهابية فى العالم، وقدرة الإرهابيين على ضرب عواصم ومدن كبرى، فى أكثر الدول تقدماً، وأعرقها ديمقراطية، لكن ما لا يدركه البعض أن تركيا دخلت «حزام الإرهاب»، وباتت مرشحة بقوة لتكرار وقوع الحوادث الإرهابية.


فكما بدأ العام 2017 بحادث إرهابى كبير، أوقع نحو 40 قتيلاً فى ملهى ليلى باسطنبول، بدأ العام 2016 بحادث مماثل، حينما فجر انتحارى عبوة ناسفة فى منطقة «السلطان أحمد» السياحية، فى قلب المدينة نفسها، فقتل وأصاب نحو 25 من السياح الأجانب والمواطنين الأتراك، وبين الحادثين وقع نحو 30 هجوماً إرهابياً، بحصيلة بلغت نحو 400 قتيل، ومئات الجرحى.


تشير تلك الجردة الضخمة إلى أن تركيا باتت فى مرمى الخطر الإرهابى، هدفاً ثابتاً على «لوحة التنشين»، وعنواناً دائماً فى الأخبار العالمية، ليس فى زوايا الإنجاز الاقتصادى، ولا النفوذ السياسى، ولا المزايا السياحية، ولكن، للأسف، فى زاوية الجرائم والحوادث الإرهابية، والارتباك والتقصير الأمنى.


تواجه تركيا إذن موجة إرهابية عاتية، تحول صورة البلد الذهنية من موقع للانتعاش الاقتصادى والازدهار السياحى إلى وجهة دائمة للأنشطة الإرهابية، بما يعنيه ذلك من تراجع فى شتى المجالات، وتكاليف أمنية وسياسية واجتماعية واقتصادية.


بموازاة هذا الخطر الكبير، تعانى تركيا من تراجع اقتصادى واضح، فقد انخفض سعر العملة الوطنية بواقع 20% تقريباً خلال ستة شهور، وهو الأمر الذى ترافق مع تراجع مؤثر فى عدد السائحين وعوائد السياحة ، وانخفاض النمو فى قطاعات مختلفة، على رأسها القطاع العقارى. ليست تلك هى كل الأخبار السيئة، فثمة تداعيات خطيرة للمحاولة الانقلابية الفاشلة التى وقعت فى 15 يوليو الماضى، وهى المحاولة التى استغلها أردوغان استغلالاً واضحاً لتصفية خصومه ومناوئيه.


من أكبر التحديات التى تواجهها تركيا حالياً الانعكاسات السلبية للمحاولة الانقلابية، التى استطاع أردوغان تذرعاً بها أن يعتقل أكثر من 40 ألف مواطن، ويطرد مائة ألف من الخدمة بالجيش والشرطة والقضاء والتعليم، ويسجن أكثر من مائة صحفى، فضلاً عن إغلاق مئات المدارس والمنظمات الأهلية، ونحو 45 جريدة، و16 محطة تليفزيون، وثلاث وكالات أنباء، و15 مجلة، و23 إذاعة، و29 دار نشر.


باتت تركيا عنواناً ثابتاً فى تقارير المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، وعُرفت بوصفها «أكبر سجن للصحفيين فى العالم»، وأخذ النسيج الاجتماعى فى البلاد يتململ جراء التداعيات السلبية لتشريد عشرات الآلاف واعتقالهم وطردهم من الخدمة.


يتجه النظام السياسى التركى فى ظل سلطة أردوغان الاستبدادية إلى مزيد من الانغلاق، وتنحو اللغة السياسية منحى أكثر حدة باطراد، وتضيق فرص التوافق المجتمعى، والحوار السياسى، وتقل الرغبة فى التفاوض والحلول الوسط.


ثمة تحد آخر لا يقل خطورة عن تلك التحديات، ويمكن تسميته بـ«الاستنزاف السورى»، فقد كان أردوغان صديقاً لنظام بشار الأسد، قبل أن ينقلب عليه، ويضع هدف إطاحته على رأس قائمة أهدافه الإقليمية، وفى سبيل تحقيق هذا الهدف حول تركيا إلى معبر آمن لجنود «داعش»، كما أتاح حدود بلاده لنقل الأسلحة والمعدات إلى الفصائل التى تحارب الدولة السورية.


الآن، بقى عدد من «الدواعش» فى تركيا، وقد انقلب التنظيم على أردوغان، ودخل معه حرباً علنية، وهى حرب استنزاف طويلة، إضافة إلى ذلك فثمة ثلاثة ملايين سورى يعيشون فى تركيا، وهم يشكلون ضغطاً على المرافق والخدمات. كما يثور النقاش والجدل مع بعض دول الاتحاد الأوروبى حول سياسة أنقرة بخصوص اللاجئين السوريين. لا يستطيع أردوغان أن يخسر استثماره الكبير فى الملف السورى وينقلب على السوريين الذين يستضيفهم، كما لا يستطيع أن يواصل سياساته نفسها، وتتفاقم خسائره.


العلاقات التركية مع الاتحاد الأوروبى متوترة بكل تأكيد، والخلافات تكاد تقع كل يوم مع هذه العاصمة أو تلك، كما أنها أيضاً تمر بفترة صعبة مع الولايات المتحدة، وحالة الحرب مستمرة مع الجار العراقى، وعدم التفاهم والارتياب يهيمنان على العلاقة مع إيران، والعداء مستمر مع الدولة المصرية، والحرب شعواء مع سوريا بطبيعة الحال.


وهكذا يجد أردوغان نفسه فى «محيط من المشاكل»، بدلاً مما أعلنه نظامه، على لسان وزير الخارجية الأسبق أحمد داوود أوغلو، فى منتصف العقد الفائت، عن تحويل المحيط السياسى لتركيا إلى محيط صديق ومتعاون، تحت عنوان «صفر من المشاكل».


وإضافة إلى «خسار السمعة»، وتفاقم الميل إلى الاستبداد، وتكاليف الانغلاق السياسى، يظهر تحدٍ أكثر خطورة، وهو التحدى الخاص بتهديد الوحدة الوطنية، وخسارة السلم الأهلى.


لا يتعلق هذا الأمر فقط بالصراع المرير مع جماعة «فتح الله جولن»، وهى جماعة تحظى بتاريخ ومكانة، وذات تمركز جيد فى الأوساط الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية، ولكنه يتعلق كذلك بالصراع مع الأكراد.


فخلافاً لخطته المبدئية التى انطوت على صنع السلام مع الجانب الكردى، تحول أردوغان إلى سياسة استهدافية، للتضييق على حزب الشعوب الديمقراطى الكردى انتخابياً، ولاستخدام الأدوات الأمنية فى قمع الاحتجاجات السياسية للأكراد، وصولاً إلى تقويض الحل السياسى معهم.


يشكل الأكراد نحو 20% من سكان البلاد، وهى نسبة مؤثرة، تجعل من الانسداد السياسى فى ملفهم أحد عوامل عدم الاستقرار فى البلاد، خصوصاً أنهم منظمون سياسياً، ولديهم بعض الأذرع العسكرية الفعالة، كما تقوم بعض فصائلهم بتنفيذ عمليات إرهابية، فضلاً عن تنسيقهم الخارجى مع جماعات كردية أو دول إقليمية، كما أن قضيتهم تحظى باهتمام عالمى، وتحصل على دعم من بعض القوى الكبرى.


من الإنصاف القول إن أردوغان يمتلك قاعدة جماهيرية صلبة، خصوصاً فى أعماق البلاد، كما يتعزز سجل خدمته بإنجازات اقتصادية وخدمية وتنموية مبهرة تحققت فى سنوات حكمه، التى امتدت من 2003 إلى 2014 كرئيس للوزراء.


لكن هذا الرجل رهن كل إنجازاته، ومصالح بلاده، ليبقى مستمتعاً بالسلطة، وهو بذلك قامر بكل ما صنع، وقامر أيضاً بمستقبل شعبه، وأخذ تركيا إلى نفق طويل معتم.


 


 

كلمات دالّة: