• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

رامي الغف يكتب.. «فتح» النشأة والجذور

رامي الغف يكتب.. «فتح» النشأة والجذور

فتح ميديا - رام الله


تمر هذه الأيام الذكرى الثانية والخمسون على انطلاقة حركة «فتح» وثورتها في وجه الاحتلال المغتصب، وفي هذه السطور نسنعرض سويًا تاريخ ونشأة وجذور حركتنا العريقة، وما هي التداعيات التي أدت إلى ظهور «فتح».. والدعوة للتحرير الفلسطيني؟.


فلم يبدأ المخطط المعد لاغتصاب فلسطين مع صدور قرار التقسيم ومن ثم إعلان دولة «إسرائيل» في العام 1948،  وإنما يعود هذا المخطط لسنوات بعيدة من تاريخ الحركة الإسرائيلية، وخاصة منذ فترة تشكيل (إحباط صهيون) (1882- 1895) ووصول أول دفعة هجرة إسرائيلية منظمة من روسيا في العام 1882، وتواصلا مع الصهيونية الهرتزلية (1795-1905) وحتى انتخاب ديفيد بن غوريون في العام 1937 لتدخل الحركة الإسرائيلية في طور الحركة الإسرائيلية المقاتلة وحتى العام 1948 وبرعاية ومساعدة القوى الاستعمارية العالمية.


وقعت «النكبة» والشعب العربي في كل مكان يعيش تحت ظروف قاسية من تسلط الحكام والمستعمرين وكانت الحكومات العربية أداة طيعة في أيدي الاستعمار والإسرائيلية، وقعت الكارثة في غفلة من الأمة العربية ولم يكن أبناء فلسطين غافلين عن قضيتهم مطلقًا، كانوا متيقظين، فقد صارعوا الانتداب البريطاني والإسرائيلية العالمية وصمدوا أعوامًا وقفوا فيها وحيدين في المعركة وذاقوا خلالها كل ألوان الاضطهاد الاستعماري وقدموا آلاف من الشهداء الأبطال والضحايا الأبرياء بثوراتهم العديدة وأيام كفاحهم الطويل، وحينما انتزعت الدول العربية زمام المبادرة من الشعب الفلسطيني بامر من المستعمرين، فتحوا النافذة للاستعمار والإسرائيلية فحولوا شعب فلسطين الى طوابير من اللاجئين البائسين، وبعدها منعت الحكومات العربية جميعها ايضا شعب فلسطين العربي من التجمع والتكتل للاستعداد لاستعادة وطنهم وكقناع وضعت هذه الدول فئات متنافرة تتحدث باسم شعب فلسطين كما يريد الحكام او ما يطلب المستعمر منهم، ومع التشتت الفلسطيني والنزوح بسبب الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والارهاب المسلط وغياب القيادة ونقص الاسلحة وانتشار الفوضى والخوف، اضافة لتدخل الجيوش النظامية العربية والتي رفضت ضم جهودها لجهود الجماهير الفلسطينية كما ساهمت عوامل تواجد هذه القوات في مناخ القومية الحماسي، والثقة الزائدة بالوعود العربية الزائفة "بانقاذ" فلسطين والمبالغة في تقدير القوة العسكرية المتوفرة والعجز عن رؤية اسوا الامور قبل وقوعها اسهمت كل هذه العوامل في حدوث النزوح، وللتدليل على الواقع العربي السياسي انذاك فقد كانت كل محاولة يقوم بها الفلسطينيون للحصول على دعم عربي ملموس تواجه من جانب الحكومات العربية بالتهرب والتفاخر. لقد زجت الحكومات العربية شعبنا في خلافات ضيقة تخدم أغراضا انتهازية كان آثارها تحقيق مآرب الإسرائيلية والاستعمار من تشتيت ومطاردة وملاحقة لشعبنا بأسلوب نازي ادى للحط من معنوية وعزيمة هذا الشعب والذي أصبح محاطا بنظرات قاسية حتى من افراد الشعب العربي، وقد غطى الحكام العرب واقع القضية أمام شعوبهم بمعارك وهمية وصيحات تحذيرية امتدت بالنكبة هذه السنين الطوال، وايا كانت الأسباب التي ادت لاحتلال فلسطين فقد استمرت أوضاع الشعب الفلسطيني تسير من سيء إلى أسوأ حيث اختنق شعبنا برائحة الياس والخيانة ورائحة البؤس والمرض، ورائحة الضياع المر والشقاء الأليم، وقفد الكثيرون الثقة بأنفسهم ومن حجبوها عن الجميع وتبعثرت الجهود واختنقت معاني التضحية والفداء وازدحمت المنابر بعد ان اقفرت الميادين، ورغم التشرد فقد ترسخ الاحساس بالظلم والبغي والعدوان لدى الشعب الفلسطيني وازداد هذا الشعور شدة ووطأة لدى نفر قليل من هذا الشعب والذين تناسوا ذاتهم ومصالحهم وركنوا لقوة ايمانهم الذي طغى على ضعفهم وارتقى بهذا النفر الذي شكل (الطليعة الثورية) الى امكانية توجيه الشعب وتعبئته للثورة التي استقرت في وعيهم وفكرهم منذ العام 1948 لتعلن عن نفسها مدوية في 1-1-1965.


 الوضع الاجتماعي والاقتصادي الفلسطيني بعد النكبة:


 بعد العام 1948 اتخذت عملية طرد الفلسطينيين بعدا جديدا بعد ان كانت تتم بصورة بطيئة منذ بداية الانتداب، حيث اصبحت بعد العام 1948 القوة العسكرية والسياسية "لاسرائيل" العامل الحاسم في المنطقة، حيث ترافق استمرار الطرد الصهيوني للمواطنين الفلسطينيين مع عجز الحكومات العربية عن منع الطرد او العكس الاتجاه مما شكل اوضاعا اقتصادية واجتماعية جديدة للشعب الفلسطيني تمثلت بالتالي:


1ـالتوزع الجغرافي وتفتت الاسرة.


حيث تبعثر الشعب الفلسطيني في تجمعات سكانية متمايزة في ظل انظمة عربية مختلفة وغالبا ما كانت هذه المجتمعات على هامش المجتمعات العربية وخاصة في "الخمسينات" والتي ظهرت كوحدة (جغرافية – اجتماعية) ضمنها اصبح ما تبقى من العائلة الكبيرة والقرية تمثلان المؤسستين الاجتماعيتين البارزتين بعد تبعثر وتفتت كيان الاسرة والقرية والمدينة والعشيرة بالوفاة او التشرد والتوزع.


2-تحطم البيئة الاجتماعية وظهور خصائص سلوكية جديدة.


حيث انعدمت المؤسسة السياسية الواحدة، والبنيان الاجتماعي الواحد، وقد ولد التوزع وتحطم البيئة الاجتماعية خصائص سلوكية وبنيوية جديدة من الانشداد للخلاص من الواقع السيء والاحباط الموضوعي وتولد ظاهرة سلوكية في الحياة الفلسطينية بعد النكبة تميزت بالحماس السريع والاندفاع حتى الذروة لدى كل بارقة امل في العودة، وبالخمود السريع والانكماش حتى الانطواء، اعقاب كل صدمة.


3--التفكك الشرائحي (الطبقي).


وكانت من نتيجة التشرد والنزوح والسياسات على التجمعات الفلسطينية المتناثرة ان انتشرت الانقسامات داخل الوحدة الجغرافية- الاجتماعية في هذه التجمعات وخاصة في "المخيمات حيث برزت (الطبقة) وتعمقت الفجوة بين الشرائح المتوسطة المتعلمة، وغير المتعلمة من فلاحين وبدو وعمال.


4- الضغوطات النفسية.


وانتشر في التجمعات الفلسطينية الشعور بالاحباط والاقتلاع والعزلة الاجتماعية، والغربة، والشعور بعدم احترام الاخرين، والبؤس وغيرها من مشاعر القهر والظلم والاضطهاد.


5- دور الدول العربية والانروا.


قامت الانظمة العربية بعملية قمع وسحق للتجمعات الفلسطينية واقلها كانت عمليات رقابة مشددة على اماكن تواجدهم ومارست ضدهم التمييز في العمل واستخدامهم في الوظائف والقطاعات الاهلية والخدمات وغيرها بأصعب الشروط واسوأ الظروف، ومنعت اي تحرك اقتصادي مستقل لهم ووجهتهم للاعتماد على وكالة غوث اللاجئين، مما ولد حالة الاستقرار وعدم الطمأنينة الاقتصادية لديهم.


 الوضع السياسي:


 1-عملت الانظمة العربية على طمس الشخصية (الكيانية) الفلسطينية:


أما عن طريق السحق بتقييدهم وقمعهم عبر سياسة " كل ما عليكم ان تفعلوه هو ان تأكلوا وتناموا والأنظمة العربية سوف تستعيد لكم بلادكم" واما من خلال محو احساسهم بهويتهم وارتباطهم بفلسطين عبر دمجهم وبعثرتهم ضمن المجتمع كما حصل في عملية "الاردنة".


2-قامت السياسة العربية تجاه شعبنا على وجهين:


أ‌- الحقن بالروح القومية مع الحذر، فقد كان النشاط الهادف للتحرير يلقى تشجيعا في فترات التنافس او التناحر الحزبي او بين الانظمة لخدمة هذا الحزب او ذاك النظام ويلقي قمعا في غير هذه الحالات.


ب‌-حصر النشاط الفلسطيني ضمن نطاق النظام او الحزب الحاكم.


ج-الاحزاب العربية:-


بعد العام 1948 نشطت الاحزاب المختلفة في رفع رايات الثأر والحديد والنار وتحرير فلسطين على اسس اشتراكية او قومية او اسلامية من مثل "حزب الاخوان المسلمين" و "حزب التحرير" والاحزاب الشيوعية بين صفوف أبناء الشعب الفلسطيني، وانخرط في هذه الاحزاب والحركات وفي التيار الناصري العديد من ابناء شعبنا على امل ان تعمل هذه الاحزاب لتحقيق شعاراتها التي رفعتها انذاك بالعودة والثار والتحرير، ولكن شعبنا وطليعته الثورية لم تجد في كل هذه الاحزاب والحركات السياسية من يضع فلسطين رقما اولا في عمله القومي، لم تكن الاولوية لفلسطين وهنا ادركنا كما يقول الاخ القائد العام ياسر عرفات "ادركنا ضرورة وحتمية بلورة نشاط محدد مكرس لهم الفلسطيني، في دائرة المنطق القومي، لم تكن الاقليمية هي التي تنشط حوافزها الوطنية بل ادراك جوهر الصراع على المستوى الحضاري والقومي المتمحور في القضية الفلسطينية فلا بد للشعب الفلسطيني ان يؤسس اطاره التنظيمي في سياق حركة النهوض العربي، لتلبية المهام الوطنية الفلسطينية المباشرة، تصوروا الان لو ان الثورة الفلسطنيية لم تبدا، اكانت فلسطين قادرة على اعلان انها الجوهر؟ وهكذا تمت بلورة فكرة البحث عن الخاص الفلسطيني في العام القومي وولدت المسيرة بزخم متناسق في جدلية العلاقة بين الخاص والعام".


 البدايات:


ان بدايات حركة فتح او نشاتها مرت بمراحل عديدة من الحمل والمخاض والولادة يمكننا ان نقسمها الى اربعة مراحل على الشكل التالي:


 مراحل نشاة حركة فتح:


 (1)مرحلة الوعي الوطني 1948- 1956.


(2)مرحلة التكوين 1956 – اواخر 1957.


(3)مرحلة النمو و (البناء) بداية 1958 الى 1964.


(4)الانطلاقة 1-1-1965.


اولا: مرحلة الوعي الوطني:


كان المسار التاريخي الذي حدده الكبار لاقتسام النفوذ في منطقة الشرق الاوسط يقضي بتصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي عن طريق دعم وتأييد اقامة دولة "اسرائيل" على الجزء الاكبر من فلسطين والعمل على منع تنفيذ الشق الثاني من قرار التقسيم (181) القاضي بانشاء دولة فلسطين وكانت مشاريع توطين (اللاجئين) هي الحل الذي طرحته القوى الكبرى لتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية بشكل نهائي لان هؤلاء اللاجئين حسب شهادة "جورج ماك" مساعد وزير الخارجية الامريكي عام 1950 (هم اعظم خطر قائم يهدد امن المنطقة) ولم يخب توقع "جورج ماك" حيث اخذ النهوض الوطني الفلسطيني يبرز من بين ركام الاضطهاد والقمع والقهر الاجتماعي والسياسي العربي والعالمي، فتوجه الشباب الفلسطيني نحو الاحزاب العربية المختلفة وعمل فترة من الزمن من خلالها، ولما لم يجد البوصلة فيها تشير الى فلسطين تركها اغلب هذا الشباب وارتبط مع الشباب الاخر غير المتحزب في الرؤية الوطنية الفلسطينية للقضية وبدات تتخذ لنفسها جذورا بانتقالها مع شخص لاخر ومن تجمع فلسطيني الى اخر وتميزت هذه الفترة بعمل فلسطيني مسلح من جهة وعمل سياسي ونقابي من جهة اخرى قادته الطليعة المؤسسة لحركتنا العسكرية (الفدائية) والمحدودة وخاصة من قطاع غزة وبقيادة الشهيد القائد خليل الوزير وخاصة ما بين عامي 1954 -1955 واستطاع هذا الاطار بالعمل العسكري ان يستقطب العديد من البؤر والحلقات التي كانت موجودة في القطاع انذاك لانه كان يتميز الى جانب الحماس والاندفاع الوطني بالخبرة العملية التنظيمية والعسكرية فضلا عن التجانس المسلكي والفكري، وعلى الصعيد السياسي والنقابي قد لعبت رابطة الطلبة الفلسطينيين في القاهرة منذ العام 1951 دورا كبيرا في الاستقطاب للفكرة الوطنية الفلسطينية وكانت الرابطة بمثابة الجنين البكر لاول تجربة كيانية فلسطينية علنية تتمتع بهامش واسع من الاستقلالية بفضل الروح الوطنية التي سادت بين قيادتها والعديد من اعضائها، ولعبت الرابطة دورا هاما على متسوى (الوعي) والتنظيم وخاصة في مرحلة ما بعد التخرج بعد العام 1956 وكان من ابرز قيادات الرابطة الاخ ابو عمار والاخ ابو اياد والاخ ابو الاديب والشهيد عبد الفتاح حمود والاخ زهير العلمي وعدد اخر كبير من الرعيل الاول لقيادة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.


 ثانيا: مرحلة التكوين:


 منذ سنة 1956 وما تلاها، بعد العدوان الثلاثي على قطاع غزة وبعد حرب السويس وبما كانت تحمله من نهوض عربي على المستوى القومي، لم يكن على مستوى البعد الوطني الفلسطيني اي عمل قومي ملموس ينسجم مع النهوض الذي عقب هذه الحرب، وظل العمل القومي العربي يضع فلسطين في المرتبة الدنيا من الاولويات وكانت اللحظة الفارقة عندما قال الرئيس جمال عبد الناصر لوفد من قطاع غزة انه (لا يملك خطة لتحرير فلسطين، والذي يقول انه عنده خطة يضحك عليكم) وهكذا ولعوامل حتمية بدا التجمع نحو فتح- الفكرة دون رابط وذاك في مختلف البؤر التنظيمية التي انتشرت في كافة اماكن الشتات الفلسطيني في سوريا ولبنان والعراق والكويت والسعودية وقطر والاردن وليبيا واوروبا، وفي الضفة والقطاع بطبيعة الحال.


وفي ظل الاحتلال الصهيوني لقطاع غزة تداعت مجموعة من الشباب الفلسطيني الى تكوين مقاومة شعبية للمحتل وقامت الدعوة على اساس جديد هو ترك الحزبية، لان المرحلة هي مرحلة تحرير وطني واتفق هؤلاء الشباب في اجتماع سري عقدوه في شهر نوفمبر 1956 في بيت في حارة الزيتون بغزة المدينة على مبادئ جديدة يمكن القول انها انتقلت بالتدريج الزمني الى حركة فتح عند انشائها في اواخر 1957 وكان من اسس هذا الاتفاق انه لا بد من خلع الرداء الحزبي، والارتباط بتراب الوطن لان الاحزاب هي وسيلة التفاعل الديمقراطي الذي يؤدي الى ان يمارس الشعب حقه في مسؤولية الحكم، اذا طبقنا ذاك على فلسطين نجد ان الشعب بكامله غير موجود لانه ممزق في كل مكان والارض غير موجودة تحت سيادة هذا الشعب، فبالتالي فان الممارسات الحزبية سابقة لا وانها في هذه المرحلة والمرحلة تتطلب الارتباط بالوطن وخلع الاردبة الحزبية وتشكيل وحدة وطنية حقيقية تستهدف تحرير فلسطين وان تكون الارض هي الحزب الذي تصب فيه جهود الجميع.


وحصل لقاء بين هذه المجموعة وبين مجموعة رابطة الطلبة الفلسطينيين في القاهرة وذاك في اجتماع عقد في حي الدقي بالقاهرة في ينانير آب 1957 وتلاقت افكار المجموعتين، ولم تكن هذه الافكار بعيدة عن افكار المجموعات المتفرقة التي انتشرت في معظم اماكن التركيز السكاني الفلسطيني في الضفة والشتات وعن تجربة المقاومة الشعبية في غزة فلقد قضى عليها بزوال الاحتلال في مارس 1957 نتيجة الظروف السياسية الدولية والعربية والتي سنذكر بعضا منها فيما بعد ، ولجوء عدد من الشباب للعمل الحزبي ثانية فاجهضت الفكرة وانتقل الشباب الذي استمر مؤمنا بالفكرة الى الشتات ليقيم او يدعم البؤر الوطنية المنتشرة ولتتشكل النوبات الاولى لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح).


قبل العام 1957 لم يكن الوضع التنظيمي الذاتي قد نضج بالقدر الذي يسمح بتوحيد هذه القطرات المتناثرة هنا وهناك في نهر واحد وكان الوعي الفلسطيني بالذات المستقلة ما يزال في مراحله الجنينية الاولى، وكان الجيل الجديد من القيادة التاريخية للشعب الفلسطيني ما يزال في هذه الفترة يجاهد من اجل تثبيت اوضاعه المعيشية ويفتش عن مواقعه الجديدة على الخريطة السياسية التي كانت ما تزال تعج ايامها ببقايا عهد القيادة الفلسطينية التقليدية من سياسيين ومخاتير ووجهاء، ولقد اجهضت الكفاح المسلح في قطاع غزة بعد قرار عدم قيام اي عمل فدائي الا باشراف القيادة المصرية وتوجيهها وبقيام العدو الصهيوني بمطاردة ظاهرة المقاومة المسلحة ودفعها خارج الحدود وبعد ان نفذت سلسلة من الاجراءات القاسية. كما لم يكن الوضع الفلسطيني في الضفة الغربية هو الاخر يسمح ببلورة هذا التيار الذي اتخذ قراره في نهاية عام 1957 بالاعلان عن تأسيس حركة فتح، فالمواطنون الفلسطينيون فقدوا هويتهم وتحولوا الى "مواطنين" في المملكة الاردنية، وادى ذاك الى انغماس قطاعات واسعة في الحياة الحزبية الاردنية والتعلق باللعبة البرلمانية، وكان عام 1955 قد شهد عدة اجراءات اردنية مهمة من مثل تعريب الجيش الاردني وتوقيع اتفاقية تعاون عربي مع مصر وسوريا والسعودية وقرار انهاء المعاهدة الاردنية البريطانية عام 1957، وقد لعبت كل هذه العوامل مجتمعة الى جانب عوامل اخرى دورا لبروز وتبلور التيار الوطني الفلسطيني المستقل قبل هذا التاريخ.


وخلاصة القول ان الظروف الذاتية والموضوعية المحيطة بالعمل الوطني الفلسطيني لم تكن ناضجة بالقدر الكافي قبل نهاية عام 1957 لاتخاذ خطوة تاريخية بتأسيس اول حركة فلسطينية مستقلة. وبالمقابل لم يكن من الممكن ان يتأخر موعد ولادة حركة "فتح" عن هذه اللحظة التاريخية في نهاية عام 1957 لان ذاك كان يعني ضياع هذه الفرصة التاريخية واهدارها، خاصة في ظل الصعود الجارف للمد الناصري بعد الانتصار الاعلامي الذي تحصل عليه في اعقاب حرب 1956 حيث كان كعام 1957 نقطة انطلاقة للناصرية الى ما وراء حدود مصر، وشهدت المرحلة مدا بعثيا وقوميا، وكانت كل التحولات تشير الى فاتحة عهد جديد من الاستقطاب السياسي الحال على جميع المستويات، فمن هنا كان التأخير في اتخاذ القرار التاريخي لانشاء فتح يمكن ان يضع مستقبل الارادة الوطنية المستقلة في مهب الرياخ السياسية المتصارعة في هذه المرحلة.


 الاجتماع التأسيسي (الاول) وولادة حركة (فتح):


 قبل العام 1957 كانت هناك لقاءات عديدة بين القيادات التاريخية لحركة فتح يجمعها الهم المشترك والبحث عن الخلاص وضرورة ايجاد الشكل التنظيمي الانسب والمعبر عن مجموع حالتنا الفلسطينية ورسم خطوط التحرك المشترك، الا ان النصف الاخير من العام 1957 شهد الولادة الحقيقية لحركة فتح وذاك من خلال الاجتماع التأسيسي (الاول) للحركة في الكويت والذي عقده خمسة من الاوائل من بينهم الاخوان ابو عمار وابو جهاد وكان لتنظيم حركة فتح في الكويت دورا كبيرا في الحركة لانه كان الاقوى والاكثر متانة وله مرونة الحركة والدعم.


كما يقول الاخ القائد ياسر عرفات:


"هي حركة التحرير الوطني الفلسطيني، اختصارها حتوف وهي ليست كلمة مناسبة، حذفنا الواو، فصارت "حتف" وهي ليست مناسبة لان شعارنا "ثورة حتى النصر" وليست ثورة حتى الاستشهاد ولذلك قلبنا الحتف فصارت "فتح" اي قلبناها الى الفتح المبين".


 ثالثا: مرحلة النمو و البناء:


 وهي المرحلة التي تنامى فيها العمل التنظيمي والسياسي والتعبوي بقيادة رجال الحدث التاريخي الكبير، مرحلة بناء الكادر الفتحوي المنظم وتعبئته ليقوم بمهامه الاساسية في نشر فكر الحركة وفي الاستقطاب وزيادة عدد الانصار والاصدقاء والارتباط بالجماهير وتعبئتها مرحلة بناء العلاقات الجديدة والمتطورة للحركة الناشئة وفي ظل الظروف الارهابية والقمعية العربية، وعمل التنظيم في ظروف سرية شديدة، وفي هذه الفترة اصدرت الحركة مجلة خاصة بها تحت اسم (فلسطيننا) نداء الحياة من بيروت منذ اكتوبر 1959 وحتى العام 1964 وكان الاخ (توفيق خوري) مشرفا على المجلة وارادت قيادة الحركة لهذه المجلة وفق ما جاء في افتتاحية العدد الاول ان تكون "منبرا لشعبنا الشريد وصوتا مدوياً لقضيتنا العادلة الحقة، وكبرهان قوى ساطع على ان شعب فلسطين لم يستسلم ولم يخضع بل هو في طريقة الشاق الوعر يجتهد ويناضل لاستعادة الوطن السليب " " كما اننا عقدنا العزم والنية على النضال لتحرير بلادنا والعودة لاراضينا المغتصبة لنعيش كراما فوق ارضنا الحبيبة او نموت شرفاء فوق ثراها الطاهر".


ولقد تميزت المجلة عن سواها بالمقال السياسي الذي يحمل اسم "راينا" والذي اوضح بشكل علني وعلى اوسع نطاق ان هذه المجلة هي المنشور السياسي العلني لحركة فتح بتنظيمها السري وكانت "راينا" توقع باسم "فتح" وكما يقول الاخ ابو الاديب "كانت هناك حيرة في المنقطة حول هوية هؤلاء الناس الذين يصدرون "فلسطيننا" وبدأوا يتحركون باسم فتح هذه الحيرة كانت تجعل مخابرات المنطقة العربية تتخبط في معرفة هويتهم وكانت تحاول ان تسبغ عليهم الصفة التي تستطيع ان تعرفها عن انتماءاتهم السابقة. "ففي ليبيا عام 1963 اعتقل لنا شباب بتهمة البعث وليبيا انذاك كانت تكره البعثيين". وفي مصر كنا نتهم باننا اخوان مسلمين وفي لبنان كنا نتهم باننا شيوعيون. اذن كانت هذه المرحلة صعبة وشاقة ولكنها ايضا كانت غنية ببناء العلاقات للحركة غنية بالعمل واللقاءات وبناء الاطر والعلاقات مع الاحزاب والتيارات الفلسطينية والعربية ومع الدول العربية المختلفة، وكانت غنية ببناء العلاقات مع حركات التحرر العالمية ودول العالم وخاصة بعد افتتاح اول مكتب لحركة فتح من اول دولة ايدت الحركة وهي (الجزائر) وذاك في العام 1963 بادارة الاخ القائد الشهيد ابو جهاد، كما قامت الحركة بتشكيل وفود لزيارة الصين وكوريا الشمالية وفيتنام ويوغسلافيا والمانيا الديمقراطية في العام 1964، وجرت في هذه المرحلة محاولات للقاء مع الرئيس جمال عبد الناصر، ولقاءات مع الاخ احمد الشقيري ومع م.ت.ف وتعد المذكرة التي قدمتها الحركة لاجتماع الملوك والرؤساء العرب في القاهرة عام 1964 مذكرة تاريخية هامة كانت ومجمل تحركات الحركة التي ذكرناها من ابرز نشاطات هذه المرحلة والتي سبقت قرار الانطلاقة.


 رابعا: الانطلاقة:


 وكانت اللحظة الثورية الحاسمة وتقرر ان تكون ولادة عام 1965 هي ولادة الشعب المقاتل.. ولم تنطلق الرصاصة الاولى الا بعد ان كانت مشحونة بالاجابة على كل الاسئلة: سنحرر بلادنا بنضال جماهيرنا الفلسطينية والعربية من خلال حركة وطنية تستقطب الجماهير وتعبئها لاستعادة الوطن وتحرير الارض.


 اول معارك العاصفة قبل الانطلاقة:


  بعد ان استطاعت الثورة تأمين السلاح من مصدر داخلي ومصدر خارجي (خارج الضفة والقطاع) وبعد ان استكملت الخلايا السرية تدريباتها العسكرية، بدات القيام بعمليات استطلاع واسعة لدراسة الارض التي يحتلها العدو والتعرف على طبيعتها وتحديد المواقع الحساسة بالنسبة للعدو والتي من المقرر ان تستهدفها العمليات الاولى.


ووقع اول اشتباك بين قواتنا وجيش العدو قبل انطلاق الثورة بأكثر من اربعة شهور، وذاك عندما اصطدمت احدى وحداتنا الاستطلاعية مع دورية العدو ليلة 18-8-1964 عند بركة السمك في مستعمرة (جيشر) بغور بيسان وتمكنت وحدة الاستطلاع من الانسحاب دون اية خسارة ودون ان تترك أثرا يوحي بطبيعة مهمتها، وفرضت طبيعة مرحلة العمل ما قبل الانطلاقة المسلحة ان تستمد الحركة كامل نفقاتها من اعضاء الحركة حيث لم يكن واردا بالطبع اللجوء الى جمع التبرعات، وقد تحمل اعضاء الحركة الكثير في سبيل تأمين احتياجاتنا المادية ودفع جميع اعضاء الحركة كافة توفيراتهم الى صندوق الحركة لتتكمن من المضي في التجهيز للانطلاقة العسكرية بالاضافة الى التزامات شهرية عالية.


قرار الانطلاقة:


"كان من المفروض – كما يقول الاخ ابو عمار – ان نبدا في سنة 1964. كان في القيادة اتجاهان الاول يستعجل الانطلاقة والثاني: يدعو الى الانتظار ، وفي عام 1964 اجتمع المجلس العسكري سرا، في القدس مرة وفي عمان مرتين، وصوت اعضاء المجلس على عدم الموافقة على الانطلاقة سنة 1964. كان الوقت اواخر اغسطس وبداية سبتمبر حيث كان مؤتمر القمة الثاني منعقدا في الاسكندرية "ويقول الاخ ابو الاديب حول قرار الانطلاقة: وساعة الصفر، وكان يضم المؤتمر ممثلين عن القيادات العسكرية والسياسية في الحركة، في هذا المؤتمر انقسم الراس وكان الحضور بين 40 – 50 كادرا وظهر في المؤتمر انه كان هناك تهيب من تحديد موعد الانطلاقة، لان الحكم في الاردن والضفة كان قاسيا جدا، وعمليات التحضير لم تكن سهلة، وكذلك في غزة حيث وجود البوليس الدولي، فضلا عن ان لم يتم اي لقاء مع مصر حتى ذاك التاريخ وحتى الكوادر العسكرية المسؤولة كان معظمها يطلب امكانيات مادية كبيرة لم تكن الحركة قادرة على تامينها في ذاك الوقت من مثل 500 قطعة سلاح ومن 50 – 60 الف دينار وبحد ادنى 20 الف دينار.


ومع اصرار الأخ أبو عمار على ضرورة البدء بالعمل العسكري رغم حسابات الاقلية والاكثرية لان المنطلق الثوري له دوما حسابات مختلفة، ولدت فكرة (العاصفة) كحل وسط بين الداعين للاستعجال بالانطلاقة والقائلين بالتريث حيث اتفق ان تبدا الانطلاقة باسم (العاصفة) فاذا نجحت الانطلاقة كما ينبغي تكون هي النجاح العسكري لحركة (فتح) مستمرة ولن تتعرض الى الفشل، وصدر قرار القيادة بالانطلاقة في اجتماعها المنعقد بتاريخ 18- 12- 1964 .


وتقرر ان تصادف الانطلاقة فجر اليوم الاول من الشهر الاول من العام 1965 وتقرر كذلك ان تقوم عشرة مجموعات من قوات العاصفة لتنفيذ عشر عمليات ليلة الانطلاقة، تغطي بها معظم انحاء الارض المحتلة وذاك لتفشل اية محاولة العدو للتستر على الانطلاقة ومحاولة انكارها، وكان الهدف الرئيسي من ضمن الاهداف المنتقاه وهو ضرب نفق عيلبون في سهل البطوف وهذا النفق يعتبر المنشأة الرئيسية في مشروع العدو لتحويل نهر الاردن، وسيترتب على تدمير النفق توجيه ضربة قاصمة الى مشروع التحويل.


واتفق في الاجتماع كذلك على الخطوط الرئيسية التي ستبرز في البلاغ الاول الى جانب اعلان بدء العمل العسكري، واتفق كذلك على ان يعد البلاغ بصفته النهائية في القدس ويطبع بالستانسل في بيروت ومنها يوزع بالبريد على الصحف ووكالات الانباء.


ويقول الاخ ابو الاديب عن الانطلاقة "ان الطلقة الاولى كانت في الواقع طلقتين اي عمليتين، الاولى تمت في موعدها في 31-12-1964 في مستعمرة (ام القطن) لكن العملية الثانية التي كان ينبغي ان تتم في الوقت نفسه لكن في مكان اخر، تاخرت حوالي الاسبوع تقريبا حدث ذلك بسبب بعض العوامل ومنها ارتفاع منسوب مياه نهر الاردن في ذلك الحين مما اخر عبور الفدائيين للنهر، ووقعت العملية الثانية فعليا في 7-1-1965" وهي عملية نسف (نفق عيلبون) والذي يعتبر مع اهداف اخرى المنشات الرئيسية في مشروع تحويل نهر الاردن.


في الوقت المحدد تفجر النفق وانهار تماما وهكذا انسحبت عبر الليالي الطويلة قصة (البلاغ الاول) بالصبر الدءوب والصمت والتضحية والحذر والاصرار، واستطاعت الطلائع الثورية بالرصاصة الاولى التي فجرتها مع الفاتح من يناير 1965، أن تضع أقدام شعبنا في بداية الدرب الطويل والشاق والصعب...