• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

مديح الشاطر صائب

مديح الشاطر صائب

في توقيت ظنه مناسبًا، أجزل صائب عريقات المديح للموقف المصري، وأراده مديحًا معطوفًا على "إنجاز" في المنظمة الأممية، تحقق بجهود المادح، الذي يتواضع عند المقدرة، فيتطوع بإحالة الفضل في الإنجاز، إلى الجانب المصري.


حلقة العبابسة الضيقة، التي تختطف ملفات مصيرنا، أدمنت الكذب والاستهبال. ففي ثرثرته، يفترض صائب عريقات ــ وهو مخطيء ــ  أن مصر انتظرت عونًا أدبيًا منه، أي إن عبد المعين، العاجز عن إعانة نفسه، قد سنحت له الفرصة لإظهار المروءة في وقت عصيب، ويرد عن مصر كيد الكائدين!


واضحٌ أن هؤلاء القلائل، الذين حملوا كل الملفات الفلسطينية، فثقلت عليهم وصاروا يتخبطون؛ لا يقرأون التاريخ، أو إنهم بلا ذاكرة تساعدهم على معرفة أحجام الدول مهما صعبت أحوالها. فعندما قرر الرئيس المصري، في نوفمبر 1977 زيارة إسرائيل والتحدث أمام الكنيست؛ كانت أنظمة العالم العربي قوية، بل كانت كلها أقطاباً، وكان الاتحاد السوفياتي قائماً، وظل الاعتراض العربي على سياسة الرجل شاملاً ومديداً لعدة سنوات. لكن السادات مضى في سياقه، مدفوعاً بحسابات مصرية وبرؤيته للمشهد الإقليمي، دون أن يلوي على شيء. وعندما عاد العرب الى مصر، وجددوا التأكيد على أن أمنها من أمنهم ومصيرها من مصيرهم، استعاد العرب العلاقات بينهم بزخم جديد.


اليوم يقول المصريون، إن لمصر مصلحة في نهوض ووحدة القوى الوطنية الفلسطينية، وشاركتهم القناعة الدول الثلاث شريكة مصر في اللجنة العربية الرباعية، المنبثقة عن جامعة الدول التي هي مقصد عباس كلما طلب لنفسه تفويضاً. لكن موقف مصر أو الرباعية، قوبل بالتأويل والاتهام والعنتريات البائسة في غير موضعها. وجرى تسخيف موقف الرباعية، بمساعدة إعلام حاكم قطر، الذي اشتغل على نزع المقصد الاستراتيجي عن محاولة إنهاض حركة فتح وجمع صفوفها، وعلى تلفيق هدف آخر للمبادرة العربية، وهو فرض رئيس فلسطيني يخلف عباس، بمفاعيل "مؤامرة" إسرائيلية ــ أمريكية في هذه الاتجاه.


على هذا الصعيد، تكون حلقة العبابسة الضيقة، التي تختطف فتح وتستحوذ على ملفات المصير الفلسطيني، استهترت بالمصلحة الوطنية العليا، وبالحكومات الشقيقة التي أرادت وقف الانهيار، وتنكرت لاعتبارات الأمن القومي المصري والأردني والإقليمي، وجنحت الى المحور القطري ــ التركي، الى الدرجة التي جعلت جون كيري يوصي الشاطر صائب، بتعديل الوجهة قليلاً، مع الإشادة بعباس، الذي يعتبره الأمريكيون قد صمد في وجه محاولات إضعافه، عن طريق دحلان الذي لا تعرف الحواسيب المتطورة، كيف توفق بين أن يكون الرجل مع الأمريكيين ضد عباس، ويكون جون كيري مع عباس ضده!.


يأتي بعد ذلك، الشاطر صائب، لكي يحاول خداع المصريين بالامتداح العريض الذي يُعرف كذبه، من خلال المبالغة في صيغته. فلو كان الشاطر صائب، يرى أن مصر هي صاحبة الفضل في القرار الأممي، لكان سمع هو ومعلمه، نصيحة مصر التي من شأنها تهيئة الحركة الوطنية الفلسطينية، للعمل على الأرض، قبل وبعد القرار الأممي. والقرار أصلًا، ليس انجازًا لمجموعة العبابسة، وإنما هو محصلة تراكم إهانات ألحقها نتنياهو بالرئيس أوباما، فحاول الأخير، في ايامه الأخيرة، أن يرد لنتنياهو الإساءة بأقل منها، ضامنًا أن الامتناع عن التصويت على القرار الأممي ضد الاستيطان، لن يكون سياسة معتمدة لدى الإدارة القادمة، وإن كانت واشنطن ستظل ملتزمة بالفقرة التي ضد المقاومة!


إن ما فعله عباس في ألاونة الأخيرة، تجاوز كثيراً عن محض مخالفة النصيحة الاستراتيجية التي أسداها له العرب. فقد ذهب الى إيقاع المزيد من الفُرقة داخل  الفضاء الفتحاوي، ولفق مؤتمراً عاماً، اتسعت بعده دائرة الذين شعروا بالإقصاء والإهانة وبغياب المنطق وضياع البوصلة. ولم يكتف عباس بذلك، بل انتقل الى الإطار الوطني، فأشعل سجالاً مريراً داخل المجتمع الفلسطيني، بتلفيق محكمة دستورية، أعطته ما لا يحق له، وهو أن يرفع الحصانة عن نواب منتخبين من الشعب، في خطوة لم تتح مثلها دساتير الأنظمة الديكتاتورية، للممسكين بالسلطة التنفيذية، اتخاذها ضد برلمانيين يرتكبون أفعالاً جرمية، فما بالنا، عندما لا يكون من حق عباس، اتخاذ قرارات بحق السلطة التشريعية، وعندما لا يكون النواب المستهدفون من مرتكبي الأفعال الجرمية، وعندما لا يكون هو، يتوافر في حلقته الضيقة، على واحد ممن حصلوا على تفويض شعبي شبيه بما حصل عليه أي نائب، وعندما لا يكون العقد السياسي الاجتماعي الذي قام عليه النظام الوطني ديكتاتوريًا!


كان الأجدر بالشاطر صائب، بدل استهبال الأخرين بالمديح البليغ، أن يدعو أعضاء حلقته الى اجتماع مع عباس، لتعداد الخطايا التي اقترفها كبيرهم الواهم، الذي بلغت غطرسته ذروة الحماقة. فبدل الامتثال لتعليمات كيري، يتعين على هؤلاء أن يستفيقوا ويعلموا حجم الأذى الذي ألحقوه بحركة فتح، وبمؤسسات السلطة والمنظمة، وبالنظام السياسي، وبالعلاقة الفلسطينية مع الأقطار الشقيقة، وبالفصائل وبنواب الشعب، وبتقاليد الحياة الفلسطينية كلها.


هم، على الأغلب، لن يستفيقوا سريعاً. فلا زالوا يشعرون بنشوة النجاح في المؤتمر الملفق، الذي أصعدتهم فيه، كتلة التصويت الزنانيرية، الى لجنة عباس المركزية!

كلمات دالّة: