• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

التفجير في الكنيسة البطرسية

التفجير في الكنيسة البطرسية

من المؤكد أن المجرمين الذين أوقعوا التفجير والضحايا المصريين، في الكنيسة البطرسية في العباسية؛ ليسوا ذوي عقول وقلوب، لكي  يتأملوا صورة السيدة المسلمة، التي صرخت متفجعة على القتلى من أبناء شعبها، ورفعت يدها الى السماء، ضارعة الى الله أن ينتقم من هؤلاء الأشرار.


غير أن هناك قراءة أخرى، لمثل هذه الجرائم، تقول إن فعلها الشائن، ليس من تدبير وتنفيذ عتاة في الشر، متعطشين للدماء وحسب، وإنما هي من صنيع منظومات عصابية، تتفرع عن جذعها الرئيس، وهو ما يسمى الإسلام السياسي، الذي تداعى الى السياق العنفي، بفتاوى ظلامية وتكفيرية. فتلك المنظومات العصابية، يقوم عليها معتوهون من فاقدي الثقافة والاستنارة والعلوم الدينية، الذين يسعون عبثًا إلى بسط هيمنتهم على الناس، ويرون أن الدولة ــ أية دولة ــ هي أعدى أعدائهم، ذلك علماً، بأن الدولة التي تتوافق عليها الجماعة البشرية، لكي تكون حكماً نزيهاً بين الناس؛ هي التي تؤطر حياة الشعوب بالسلم الأهلي، وترعى الوطنيات، وتجترح ديناميات الانصهار الاجتماعي وتُعلي من شأن المصالح المشتركة بين خلق الله!.


ربما يمر وقت طويل، لكي يعرف المتطرفون أن سياقهم المستحيل، لن يصل إلى مرفأ، وأنهم لن يحصدوا سوى الخيبة إن أفلتوا من الموت والمشانق، وأن فكرة التنظيم الديني ــ السياسي ــ العنفي هي وصفة للخراب والفتنة والجريمة، فإن تسللت وكمنت في جسم شعب، مثلما يتسلل الفيروس، ستكبر وتفتك. وهكذا فعل فيروس ما يسمى تجملاً مشروع الحكم الإسلامي، في انتفاضة الشعب السوري المظلوم، وهكذا فعل في ليبيا. وجلب الحرب أيضاً، في العراق واليمن، حيثما ينقسم الفيروس الى أصوليتين إرهابيتين، واحدة تتلطى بأهل السنة وأخرى بأهل البيت، وأوغاد من كلا الأصوليتين، يطرحون أنفسهم مفوضين من الله، وهذا سياق لن يكون له حصاد إلا أعداداً مهولة من الضحايا الأبرياء!


لا مذاهب تتصارع في مصر. هناك ديانتان، أوصى فقه كلتيهما، أتباعه، بالترفق والتحابب والأخوة في الوطن. وظل الفقه الرديء، كلما تفشى لدوافع دنيوية، يسجل محاولات تسميم للمجتمع وضرب مصالح الناس والعلاقة بينها. لكن الثابت، أن أرادات الأمم لن تسمح لشراذم المرضى النفسيين، الذين يريدون تنصيب أنفسهم أوصياء على إيمان الناس، ويزعمون أنهم مكلفون شرعاً، بأن يهدموا الأوطان ويمزقوا النسيج الاجتماعي فيها.  فلا مستقبل للأحزاب الدينية التي تطلب الحكم والاستفراد بالعباد، وتتمنى أخذ المؤمنين جميعاً الى نزاع أهلي مفتوح.


إن فكرة الدولة نفسها، من حيث هي صيغة للتعايش الطبيعي بين مكونات الأمم وأطيافها؛ لم تنشأ إلا كرد فعل، سياسي وفكري، على ما كان يسمى دجلاً "الحق الإلهي للملوك" وهو نفسه الدجل الذي تغير اسمه عندنا، الى مشروع الدولة التي يقودها متحزبون ممثلون لما يسمى "الحاكمية" أي وكلاء رب العالمين في إدارة أمور العباد.


كان المفكران، توماس هوبز وجون لوك، هما اللذان وضعا عناصر صيغة الدولة وحددا وظيفتها وأهميتها، وهما اللذان استخلصا، بالتعاقب، منذ بداية القرن السابع عشر حتى نهايته؛ النتيجة التي لم يتوصل اليها المتخلفون حتى الآن، وهي أن إشهار ورقة الدين، والاتجار به في لعبة الحكم، لن يجلب سوى الكوارث والمتاهات التي لا نهاية لها. الأول، شَرح موضحاً ضرورة رفع سلطة رجال الدين عن كاهل الناس، لأن الدين هو الناظم لسلوك الإنسان، في حياته اليومية، الروحية والداخلية، أما الدولة، من حيث هي سلطة زمنية، فهي الناظمة لسلوك المجتمع لضمان السلم الأهلي ورعاية المصالح العامة، ولا صعوبة في التوفيق بين سيف الدولة ودرع الإيمان!


أما الثاني، جون لوك، الذي توغلت في قلبه الكراهية لعدم التسامح على إثر الحرب الأهلية في بريطانيا؛ فقد استكمل العناصر عندما اضطر للانكباب على الدراسة عشر سنوات، لكي يرد على كتاب لمفكر انجليزي يروج لــ "الحق الإلهي" للسلطة الدينية والملوك، أي  لفكرة حكم الناس باسم رب الناس. ولأنه يرى أن البشر أحرار متساوون في الحقوق والواجبات، وأن العقد الاجتماعي هو أساس التنظيم السياسي، الذي يكون جوهره التعاقد بين الشعب والسلطة، فقد انبرى يكتب عن محددات الدولة وسلطاتها، قائلاً إن أي إخلال بالتعاقد، من أحد الطرفين يجعل العقد لاغيًا!


إن ما يجري الآن، هو محاولات لإطاحة الدولة. فهذه مجموعات تعاقدت مع نفسها وأرادت الانقضاض على الحكم، بلا تفويض من الشعب، وقد اضمرت، أن يكون يكون العنف الأعمى، هو وجهتها، وإن لم يتسن لها تطمح اليه، تضرب عشوائياً وتقتل من السلطة ومن الشعب. بل إنها، في أقطار أخرى، عندما لم تظفر بالسلطة، وقد نافستها مجموعات أخرى "شقيقة" تشارك معها في قتال عدوها نفسه، تدور المقتلة بينهم، صراعاً على النفوذ قبل النصر، فيتذابح  أناس ذو مرجعيات فقهية واحدة مثلما حدث في سوريا!


أهل الشر هؤلاء، اختاروا الكنيسة البطرسية، في يوم الأحد، بحكم وجود احتشاد للناس يمكن الاندفاع اليه. فالمواطنون كلهم أهداف لجرائمهم، وغايتهم أن يبرهنوا من خلال سفك الدماء واستغلال تلقائية الناس في حياتها اليومية، على ترويج فكرة فشل الدولة، علماً بأن كل تفجير يؤدي الى نتائج عكسية، تدفع الناس الى المزيد من الإسهام في الدفاع عن الدولة الحامية، والى المزيد من القناعة بمخاطر الشر الذي يمثله المجرمون!