• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

خطان من الثرثرة المضلِلة

خطان من الثرثرة المضلِلة

استكمل واحدٌ من الجانب الحمساوي في غزة، حديث رئيس السلطة، عن بحبوحة الحال الفلسطينية ورخائها السنغافوري وقوة فريقها المتنافس في "عرب أيدول"؛ فغطى الرجل من الجانب الآخر، النقص بالإفصاح عن قدراتنا التصديرية من السلع العسكرية، وتحديداً من الصواريخ الباليستية. وبهذا القول الفصل، اكتملت رواية التضليل بالتفوق على كوريا الشمالية، لأن البلدان التي في مقدورها تأمين رغد العيش مع صناعة الصواريخ، ليست كالبلدان التي تنتج وتبيع الصواريخ ويعاني شعبها من المجاعة!


في خطاب الرخاء السنغافوي الذي تلاه عباس، ببهجة ظاهرة، تخللتها دعابات ثقيلة الدم للإيحاء بتحقيق الكفاية؛ لم تكن ثمة مصارحة أو إشارة، لما يفعله بنا بروتوكول باريس الاقتصادي، الذي يؤمن للاحتلال السيطرة الكاملة على السوق الفلسطينية ويُلهب الأسعار ويرهق المواطن الفلسطيني، ولم تُلاحظ أية إشارة، تتعلق ببؤسنا كلما تعثر حصولنا على حقوقنا من المقاصة عندما يُعلّق المحتلون صرفها، ولا إشارة أو مصارحة، للتذكير بنسب البطالة وتكدس الخريجين وانعدام التنمية، ولا بفشل الجهاز الطبي، بعد ربع القرن من قيام السلطة، في تأمين علاج المرضى، ولم يُسمع شيء عن الإصلاح الضريبي المرتجى، للإتكاء على الموسرين والتخفيف عن الفقراء، ولا عن تحسين الخدمات. فخطاب التضليل، لا بد أن يركز على سعادة رجال الأعمال وأن يزعم انتعاشاً للناس، بمحض مشروع هندي في أريحا، ذراً للرماد في العيون، وتبشيراً بنجاحات غنائية.


بدوره، أغفل خطاب الكفاية العسكرية، الذي زف بشرى التحول الى التصدير، كل جوانب البؤس التي تعيشها غزة. وحتى لو لم يكن لبائع الصواريخ، أي اكتراث لبؤس غزة، فإنه أغفل حقائق التصدير بشكل عام، وتجاهل أن مزارع انتاج الورود في غزة قد جفّت، لانسداد افق التصدير، ما يعني أن من يعجز عن إرسال سفينة ورد وعن استقبال سفينة دواء وغذاء، لن يسهل عليه تصدير الصورايخ، ولا إيجاد الشاري الذي يجرؤ ولا السفينة التي تنقل، ولا العدو الذي يتفرج، ولا الصديق الذي يخرق محملاً بالخبز والأدوية، فيُضرب قبل أن يخرق، ويُقتل رعاياه ثم يتصالح مع العدو!


لماذا، إذاً، هذه الثرثرة؟


لن نجتهد لوضع أية مقاربة للجواب، ونقول إن الشق السنغافوري من الخطاب، يقطع رزقنا، ويبرر احتباسه واستمرار سطوة العدو على اقتصادنا لكي لا تكبر معنا الأمور، فيصبح دخل الفرد عندنا أعلى من مثيله في اليابان. ولن نقول إنه لتخدير الناس لكي تظل واهمة بأن حياتنا ذاهبة الى فردوسها العباسي، وبالتالي فإن بروتوكول باريس صاحب فضل، وليس بالإمكان أبدع مما كان!


السؤال نفسه يوجه للمبشر بالصادرات الصاروخية: لماذا هذه الثرثرة؟ هل نقول مثلاً، إنك جاد في طرحك، وقد اتخذت كل الاحتياطات، مع "الأطراف الإقليمية" ضماناً لسلامة التصدير؟ وإن لم تكن جاداً في طرحك، هل تريد أن تقول للناس، على مسمع من العدو، أن في باطن أرض غزة، بُنية صناعية عسكرية، إن لم يهرع الغاصبون المحتلون إلى اقتلاعها بصورايخ تدمر العقارات، وتقتل الأبرياء الساكنين، وصولاً الى باطن الأرض؛ فعلى الأقل سيؤخذ حديث التصدير وفائض المنتوج الصاروخي، ذريعة لكل قصف ولكل جريمة؟


العجيب، أن الكلام الفلسطيني الحمساوي، عن وفرة الصواريخ الجاهزة للتصدير، يتمادى في التضليل، فيزعم أن صناعتنا أدق، وأن فنيينا أبرع. والكلام في هذا السياق، موجه للناس المحاصرين ــ ناسنا ــ وليس للأطراف الأخرى المنتجة والمصدرة، ولا للأطراف التي يفترض أنه ستشتري ولا التي ستراقب. فالدنيا كلها تعرف أن الجَد الكبير لهذه الصواريخ، هو "آر 17 ألبروس" الروسي الذي سماه الغرب سكود، وأن هذا الأنماط من القذائف، التي انتجت قبل سبعين عاماً، قد وصلت الى آخر مراحل تطويرها، وانتقلت الى الكوريين، الذين سموها "هوا سونغ" وباعها الكوريون للأيرانيين وسموها "شهاب" فما الذي تبقى للبائع الفلسطيني، كي يتفوق فيه؟!


لن نمضي في التأويل، لنقول إن من يلمح الى مخزون فائض من الصواريخ القابلة للتصدير من غزة؛ يكون ــ من جهة ــ إما أنه يعرضنا للدمار، ويتسبب في رفع العتب على العدو عندما يشن علينا الحرب، أو إنه ــ من جهة ثانية ــ يريد استهبالنا والقول إن العدو لا يعرف ماذا يجري في غزة، أو إنه ــ من جهة ثالثة ــ يريد الإساءة لحماس نفسها، بالإيحاء أن العدو قد تركها تنتج براحتها، وسيتركها تبيع براحتها وأن القشة معدن؟


إنهما خطان من الثرثرة المؤذية، التي لا تنطلي على أحد، وهدفها إدامة حال اختطاف السياسة والإرادة الشعبية، ومنع الناس من تفويض ممثليها في الحكم، أو حتى منع منتسبي الحركتين، من إحراز تمثيل حقيقي لأنفسهم في قيادة كل منهما!

كلمات دالّة: