• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

لكي لا تندثر الأمنيات

لكي لا تندثر الأمنيات

يخطيء من يفهم، أن البدائل الصحيحة، لنهج عباس، هي تلك التي من شأنها المزاودة وإهالة التراب على السياسية ودفنها. فما فعله عباس ويفعله، كان ولا زال هو إضعاف بنية العمل الوطني ومفاقمة عجزها وإفقادها عناصر القوة والمناعة. فمن حيث المبدأ، كانت ولا تزال التسوية المتوازمة التي يرفضها المحتلون، هي خيار شعبنا. لكن العدو يرفضها بل وبدأ في رفض التسوية بشروطه هو نفسه، ما يستدعي موقفين أساسيين. الأول، التراجع عن الاعتراف بشرعية وجود الكيان الغاصب، مع الكف عن محاباته ووصفه بالجار أو الشريك. والثاني التأكيد على أن التسوية التي تلائمنا ولا تعاند معطيات الواقع، تتطلب بُنية وطنية ديموقراطية قوية للنظام السياسي، جديرة بأن تجمع كل الأطياف الفلسطينية، وهذا ما يقف عباس عثرة في وجهه، ويتمسك ببنيته الفاسدة التي تحتقر القانون والمؤسسات.


في السياسة، لن يتبنى الفتحاويون الذين يعملون على خلاص الشعب الفلسطيني من كابوس عباس وتلامذته، منهجاً عدمياً، لأن الكيديات في السياسة، لن تجلب سوى المزيد من الخسارة. فالتسوية المتوازنة، هي ما نسعى اليه آخذين بعين الاعتبار معطيات الواقع. لكننا، في الوقت نفسه، على يقين، بأن العدو يريد أن يظل الصراع تناحرياً، لا ينتهي إلا بزوال أحد الضدين. لذا، فإن ما يجري اليوم، ويتعين على الفلسطينيين التنبه له ومقاومته، هو محاولة إزالة الحركة الوطنية، من خلال تجويفها وتحويلها الى شكل مشوه من الإطار الوظيفي المزدحم بأناس لا يعملون ولا يجرؤون على ممارسة السياسة، وينتظرون رواتبهم في بداية كل شهر، وجعل فتح صاحبة الإرث الكفاحي، ذات فاءات أربع: فوضى وفساد، وفلتان وفتنة،  حسب وصف الحقوقي والكاتب الفلسطيني مهدي عبد الهادي!


في الوقت نفسه، وعلى مستوى القناعات الراسخة في الوجدان الشعبي، فإن مُدركات القضية،  ترقى الى مصاف الأيديولوجيا، حتى وإن كان إنصاف المدركات الجغرافية والتاريخية،  وبناء الاستراتيجية الفلسطينية على أساسها، عصيّاً على التحقق في عالم السياسة ووقائعها.


ففلسطين، على المستوى الوجداني؛ هي كل فلسطين. والكيان الصهيوني لا شرعية له في الأيديولوجيا، وُوجهة التحرير، على هذا الصعيد، لا ينبغي أن تستثني موضعاً. غير أن حديث الخطابة والأيديولوجيا، لا يلائم ضرورات السياسة. ثم إن الممكن، وليس العسير الذي لن نطاله بالخطابة، هو الذي يبهج الناس، ويفتح أمامهم بوابة الأمل في الحرية والاستقلال والتحقق الوطني، وفق محددات التسوية، كما نراها ويراها المساندون لمشروعنا الوطني.


أما على صعيد المصالحة الفلسطينية، فلا زالت محمولات الخطاب الحمساوي في المناسبات، لا تتسق مع فحوى قناعات القيادة الحمساوية وقناعات أعز حلفائها. وفي مقدور كل من يدقق في فقرات أي خطاب، أن يتبين الاختلاف بين أجناس الإشارات، أي بين تلك الموصولة بالسياسة والأخرى الموصولة بالأيديولوجيا أو الأمنيات القصوي. فحق العودة مثلاً، مطلب لا بد من تلبيته في إشارة يتضمنها كل خطاب؛ وهذا يدخل على خط السياسة والتأسيس لمطالبة وطنية وفق القرار 194، بينما تصدر الإشارات عن تحرير كل فلسطين، وهو الذي يُقال في سياق آخر آيديولوجي!


إن عملية المصالحة ووحدة الكيانية الفلسطينية، لن تقوم الا على قاعدة الوضوح السياسي والتوافق على استراتيجية العمل الوطني الواحدة، مع ضمان الأسس الدستورية والقانونية الضامنة لقوة النظام السياسي وفاعليته. فإن لم نتفق على استراتيجية العمل الوطني ونحدد ماذا نريد، ستندثر كل الأمنيات، وسيكون المحتلون في موقف أفضل، يساعدهم على الإفلات من استحقاقات العملية السلمية بالصيغة التي يرفضونها، وسنكون نحن الطرف الخاسر والضائع!


غاية القول، إن ما يحتاجه الفلسطينيون في هذه الأثناء، ولكي لا تندثر الأماني، عنصران متلازمان، لن يلبي عباس أياً منهما، ولم تُظهر حماس حتى الآن، استعداداً لتلبية أيٍ منهما : استراتيجية عمل وطني مُحكمة وقوية وواقعية وملزِمة للجميع، وكيان سياسي ذو مؤسسات ديموقراطية، تضبط مساره وسلوكه ووجهته.

كلمات دالّة: