• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

في القلعة .. وفي المقاطعة

في القلعة .. وفي المقاطعة

ما أكثر المفارقات التي رآها الفضوليون والساخرون، جديرة بالتأمل، في نتائج مؤتمر عباس في "المقاطعة". لكننا معنيون هنا، بتناول القليل من دلالات النتائج التي مُني بها الذين خاضوا السباق للفوز بعضويات لجنة عباس المركزية، وهي المتعلقة حصراً بالذين صُدموا بالرسوب.


فهؤلاء تبدأ أسماؤهم من بعد ذيل أسماء الناجحين، وتمتد الى نهاية القائمة كلها. وهناك، من بين الذين خاب مسعاهم، من استحقوا نتائج أكثر إيلاماً، لأن مجرد ترشحهم لعضوية المركزية، يدل إما على عدم معرفتهم بما يمثله موقع عضو الخلية القيادية الأولى ودوره، أو يدل على تغاضيهم عن وقائع موصولة بأسمائهم. فلا تبرير لتجرؤهم، حتى مع الأخذ في الاعتبار، كون المؤتمر ملفقاً وفهلوياً.


أسماء عديدة، في قائمة الراسبين، تُذكرنا بقادة المماليك وأعيانهم، الذين أوقعهم محمد علي في فخ القلعة، وفتك بهم في الأول من مارس 1811. ففي فَخيْ القلعة والمقاطعة، أستخدم الفاتك، التطمينات والخدع لكي يجمع الأعيان ويقضي عليهم في يوم واحد. هناك فارق بسيط، نعتذر بسببه لراعي نهضة المصريين في النصف الأول من القرن التاسع عشر، الذي لا يصح أن نشبه به من يهدم صرح حركة الفلسطينيين الوطنية، ومن أجهز على كل قيمة في حياتهم النضالية، وعلى كل منجز لهم عبر تاريخ كفاحهم.


قبل واقعة القلعة، كان محمد علي قد تشبع من الوشايات، وتحول بكل كينونته الى أذن تسمع وأنف يشم وأعصاب تحترق، إذ وقف على مراسلات المماليك مع خصومه، وقد صدمته حتى المراسلات فيما بينهم. فهو يتوخى موالاة ورضوخاً ليس دونه رضوخ العبيد، بينما هم كانوا ثرثارين ومن عُتاة النميمة. ويصح الافتراض، أن الرجل لو كان عاش في زمن التنصت على الهواتف الذكية وصفحات التواصل الاجتماعي، أو استفاد من أجهزة المتابعة الممنوحة من الأمريكيين، لكانت المذبحة قد شملت الفسطاط كله. فضلاً عن ذلك كان الحاج محمد علي، كتوماً يلعب بالبيضة والحجر، وصاحب لغة مبطنة، يرمي المعنى في أسفل بطن الجملة .كان خصمه الأول هو الذي حلّ في الشام، سليمان باشا الكَرجي، الذي تتبعه عكا، وجعل غزة في جعبته. فقد رُسم كل تفصيل، لكي يُشفي غليله من الكرجي، الذي تقاس عليه درجات الحرارة. لذا، كانت تهمة التجنح، تصيب كل من أرسل لسليمان الكرجي التحية في الأعياد، أو كل من قيل إنه أرسل تحية، أو كل من ينشأ حوله انطباع باحتمال أرسالها. ذلك لأن الكرجي بدا راغباً في رفع المظالم عن الرعايا، ووقف إهانتهم!  


كان محمد علي، قد تلقى أمراً من الباب العالي، بالقضاء على الحركة الوهابية في نجد. وذاك هو المعادل الموضوعي في الرواية الحديثة، لعملية القضاء على الحركة الفتحاوية في الأرجاء!


في الفخ الأول، أقام الرجل الذي أمسك بتلابيب السلطة في مصر،  حفلاً وداعياً فاخراً، على شرف الجيش الزاحف الى نجد، ودعا المماليك لأن يكونوا في المقدمة، فجاؤوا بتمام زينتهم،  يتبخترون في حبور  على أحصنتهم متفائلين بالفوز. اختار لهم محمد علي ومعه لاظوغلي، وزير أمنه الأول، ومن ثم ماليته؛ ممراً صخرياً الى مدخل يسمى "باب العَزَب" وهو محاط بالصخور العالية، لكي يعبروا منه ولا يعودون. أُغلقت الأبواب وأطلقت رصاصة الإشارة، وبدأ الإجهاز على خمسمائة صديق وزميل وأخ قديم!


في الفخ الثاني، كان أسلوب جمع الأعيان، خياراً للفاتك. لم يشأ إظهار البغضاء استدراجاً لهم الى "باب العَزَب". وبالطبع لم يكن معنياً بتطيير رسالة تساعد على استنكافهم، وإنما تطيير إشارات ساعدت على ابتلاع الطعم والحضور، واشتغل عليهم الكذابون من فريق التنسيق الأمني. جاؤوا وهم لا يدرون أنهم يحرمون أنفسهم، من الحفاظ على القدر الأدنى من ماء وجوههم. وقد كان في وسعهم أن يظلوا كرماء،  باعتبارهم مبتعدين طوعاً وأن لهم ملاحظاتهم على التفرد واللعب العباسي بالبيضة والحجر!


في تراتبية الراسبين، يُمنى صاحب فجاجة سابقة، في لغته الاعتراضية، بأغلظ نتيجة، لكي لا يعاود الكَرّة، إذ يحل نصر يوسف في المركز الثامن والخمسين، وعلى مقربة منه، صديق وحليف قديم، تغالظت مطالباته فتغالظ مركزه. وتترى الدلالات كالعزف الجنائزي. أمانه سر الثوري، في منتصف قائمة الخاسرين: خذوا نصيبكم وتعلموا. وحصلت الأمانة العامة للرئاسة، على المركز الذي يعادل البرقية التي تقول: "لا تلعب معنا، لقد سئمناك، ثم إن المهمة تتطلب ولاء حصرياً، لجهة واحدة". أما باقي أعضاء المركزية المطرودين، فقد تراوحت برقياتهم بين لستم الأصلح للكومبارس، و"أولاد العم" لا يريدونكم!


كان مركز نبيل عمرو طريفاً: هناك بعض الرضا عنك، ولا زلت قريباً والباب موارب، عليك أن تسلك دورب الطاعة دون أن تلوي على شيء"!


غير أن حشدَ حاضري السامر، كلهم، سواء من نالوا التعويم،  أو جرى  تغطيسهم،  كانوا أشبه بالمماليك في حكاية القلعة.  انحشروا بين الجدران و"باب العَزب" للإجهاز على محض التوقعات بأن تزحف على عكا وغزة!

كلمات دالّة: