• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

لقطات التصفيق وحقائق المرحلة

لقطات التصفيق وحقائق المرحلة

أحس المصفقون في قاعة مؤتمر عباس الملفق، بالنشوة سعداء بإنجازهم التصفيقي الباهر. وكان للقطتهم البهيجة، التي اغتربت عن الواقع، صدى لدى بعض الحيارى. فهؤلاء وضعوا جانباً كل ما سبق السامر، من المخازي والسفاهات والتعديات الفظة على الفتحاويين، وانطووا على أنفسهم للحظات، يشاورونها، إن كان يتعين عليهم أن يفرحوا ويستبشروا خيراً أم يظلوا على رؤيتهم الأولى للمشهد المزري، الذي تكثفت فيه سيرة عباس كلها، بكل ما فيها من ممارسات جمعت كل شر!


غير أن مفارقة طريفة، نشأت بسبب الذاكرة القصيرة لدى بعض الحيارى. فمنذ أيام، اشتد ذعر عباس ومجموعة مساعديه، من احتمالات أن يدخل الى القاعة عضو مشكوك في تصفيقه عند التصفيق، أو مشكوك في صمته عند التدليس، فأُقصى عدد ممن شملت القائم أسماءهم، وجميعهم لم يكن سيمتنع عن التصفيق أو سيعترض، لكن الذعر طاوَلهُ وأقصاه. وأحس المرتعبون، بالحاجة، الى تقليص عدد المدعوين من غرة، تحسباً لأن يستأنسوا بكثرتهم، فيصدر صوت ولو بنقد بريء أو بتحية وثناء، يخالفان الصياغة المرتجاه. لذا كان الإقصاء، بذريعة أن المحتلين يرفضون، وكان من بين هؤلاء سيدات، لم يحملن السلاح لكي يرفضهم الاحتلال!


فمن ذا الذي كان يتوقع، والحالة هذه، ألا تضج القاعة بالتصفيق؟ صحيح إن عباس سيظل مأزوماً، لأنه يعرف أن القاعة ليست هي فلسطين، وأن من فيها ليسوا هم المجتمع الفلسطيني ولا حتى الإطار الفتحاوي، ويعرف أن أوراقه انكشفت، ويعرف أنه لن يستطيع أن يقدم للمصفقين شيئاً يُرضي أعماق ولغة وتطلع من يريدون فتح قوية. لكن الصحيح أيضاً أن الرجل يدرك أن التصفيق في قاعته تحصيل حاصل، لكن ذعره جعله يتخذ تدابيره لضمان اللقطة، وطبع لافتات الموافقة، لكي يرفعها الحاضرون. وفي الكلمة القصيرة التي افتتح بها المؤتمر، أشار الى رافضين استشعاراً لحقيقة أنهم الغالبية العظمى، وطيّر رسالة لكل واحد منهم بأن يختار إحدى اثنتين، إما أن يرضى بأن المتواجدين يمثلونه، أو أن "يِصطِفل" وهذا تعبير باللهجة الشامية، معناه أن ينخلع، مثلما تنخلع الجزرة (الإصطفلية، باللهجة الشامية القديمة) من مغرسها. معنى ذلك إن الواقف مزهوّاً بخيبته، على بعد أمتار من جنود الاحتلال، يدعو أحرار فتح وشرفائها والغالبية العظمى من الفتحاويين، الى الإنخلاع. فليس الإنزراع الا له ولأولاده، ولأصحاب أولاده ولندمائهم من السكاري والنصابين، ممن أدخلهم أعضاء في القاعة، وللطافين على سطح البحيرة الآسنة، من جنرالات التنسيق الأمني، والتغول على المخيمات والمدن، وعلى المجتمع، ومع هؤلاء جميعاً واهمون أو ضعفاء، كان الاستنكاف عن الحضور أكرم لهم.


إن ما يجري في المقاطعة، هو محاولة لتدوير الحال الفتحاوية والوطنية، التي أوصلها عباس الى أزمتها العميقة الراهنة. ومعلوم، أن فتح، على مر تاريخها، كانت تستقطب الى داخلها وتدفع الى خارجها، بمفاعيل المآثر وبتداعيات الأخطاء. لكن ما حدث في السنوات العشر الأخيرة، أن الحركة افتقرت الة الحيوية، ولم تعد تستقطب، وتراكمت في اجنابها وفي خارجها، قيادات وكوادر وقدرات علمية وفكرية المعية غير راضية عن السياق، وزادها فجور عباس غضباً. لذا فإن نقاشات هؤلاء، كلها، لا تنفتح على المسألة الوطنية، سواء على راهنها أو على آفاقها. فالفاعلون القائمون على الأمر، إما يحملون تجاربهم في السلطة التي آلت الى حال التجويف السياسي وانهيار المؤسسات والى فساد مشهود، أو يحملون خطاياهم ويريدون الاستمرار في قيادة الحركة، أو ممن تقدم بهم العمر ولن يستطيعوا أخذ الحركة الى أبعد مما أوصلوها اليه، أو حتى إرجاعها عن طريق خاطيء توغلت فيه، على أصعدة السياسة والأمن والإدارة.


وإن كان المصفقون، قد تجاوزوا عن الحقائق المريرة، وأقاموا السامر وسموه مؤتمراً سابعاً، ستنفجر في ختامه دموع الفرح بالفوز بعضويات المركزية والمجلس الثوري؛ فإن الفلسطينيين جميعاً، والفتحاويين بحكم مسؤوليتهم التاريخية، مطالبون باجتراح وسائل الخروج من المأزق، إذ بات مشروع الدولة الفلسطينية على أساس حل الدولتين مهدداً، وبات ممنوعاً على ساكن المقاطعة أن يتحدث عن حق العودة. أما الكلام عن التمسك بالثوابت، فهو المعادل الموضوعي لتبرير التسكين وإبقاء الحال على ما هو عليه، وذر الرماد في العيون، من خلال التذكير بالإرث السياسي. فليس الكلام عن التمسك بالثوابت، عنواناً لبرنامج سياسي عملي، أو مشروع للنضال الفلسطيني مستقبلاً. فبحكم واقع سلطة عباس ومعطيات انعقاد مؤتمره الملفق، لن يُصغي حشد المجتمعين في المقاطعة، إلا لصوت نفسه، ولن يرى الحشد إلا غالبيته في القاعة. ففي رؤيته ليس لفتح أغلبيتها، ولا للفلسطينيين أغلبيتهم. أما المتواجدون من أصحاب الحق النظامي في عضوية مؤتمر عام، فسيجدون أنفسهم ميالين الى المسايرة والمحاباة، وشخصنة المسألة وكأن القضية تتركز في عباس ومصيره. لذا بات على الفتحاويين الاستمرار في استجماع إرادتهم، والاحتشاد في الفضاء الفلسطيني الرحب، لقراءة المشهد قراءة موضوعية، وأخذ المقتضى الذي تمليه عليهم ضمائرهم الوطنية!