• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

بكر أبو بكر يكتب: في الرد على "حاكمية" الأسطل

بكر أبو بكر يكتب: في الرد على "حاكمية" الأسطل



على محطة أجيال الاذاعية بتاريخ 3/8/2016 نقل قول القيادي في فصيل حماس يونس الأسطل حول الشروط الواجب توافرها في المرشحين للانتخابات: "إن الانتخابات اذا ما جرت بجو نزيه وحر وشفاف ونتائجها تخرج بكل أمانة ومصداقية للناس (؟!) فهي واجبة شرعا،وعلى الناس أن يؤدوها ولا يتخلفوا عنها، وأن الشرع واضح في من هو أحق بالانتخاب من قبل الناس (؟!) والأدلة الشرعية مفسرة لصفات الواجب انتخابه(؟!)، كما أضاف: "ان الديمقراطية بتعريفها التقليدي مرفوضة." (؟!) مكررا فهم سيد قطب حول ما يسمى "الحاكمية" الذي استند لرأيه ورأي حزبه في الآيات التي تتعرض وفق مفهوم أن لا حكم الا لله وحيث ذكر نصا حسب المقابلة المرفقة صوتيا: (الديمقراطية التي تعني أن الناس أحرار في أن يشرعوا لأنفسهم ما يشاؤوون من خلال ممثليهم مرفوض في الاسلام (؟!) معللا ذلك (لأنه لا حكم الا لله) (؟!).


هل من جديد؟


والى هنا نقف مع هذا المفهوم القديم الجديد أي مفهوم "الحاكمية" الذي أجّجه سيد قطب منذ افترض "جاهلية" المجتمعات الاسلامية باستثناء جماعته، مع ربط ذلك بمفهوم "الحاكمية"، وبالتالي تجويز التكفير والخروج على الدولة وقتالها وقتال المسلمين الآخرين، وهو ما كان استنساخا من سيد قطب لفكر الخوارج بجزئية التعالي أو القصورعن فهم الانسان وغمط قدرته-وقدرتهم- على التعاطي مع الشأن الدنيوي السياسي انتصارا لرأيهم المغلق بافتراض أن رأي علي بن أبي طالب كان باطلا بل وكان كافرا كما سيرد، وهؤلاء أي الخوارج هم أول من اخترع هذه الفكرة المسمومة التي قال فيها الامام علي أنها (كلمة حق يراد بها باطل) فهم لا يفقهون الآيات ولا يفهمون ما يقولون. وعموما فإن كل هذا الفكر الاقصائي الذي ينادي به الأسطل اليوم قد كنسه تاريخ المسلمين الحديث وطار من الأدبيات بعد دخول الفكرالاسلامي المستنير معترك السياسة والمجتمع، فلم يعد لمثل هذا الفكر القديم المجدد الا عقل بعض التنظيمات الاسلاموية الاقصائية او تيارات في الاخوان المسلمين وفي كتب التاريخ الصفراء التي سيعفو عليها الزمن الى غيررجعة.


تكفير الخوارج لعلي تحت بدعة أن لا حكم الا لله


نعود الى الخلف، الى التاريخ حيث تقول المصادر عن دراسة للكاتب الاسلامي جمال البنا استنادا لكتب التاريخ: لما اعتزم الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه أن يبعث أباموسى للتحكيم، جاءه اثنان من الخوارج فقالا: تُب عن خطيئتك، وارجع عن قضيتك، واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم... فقال: " قد كتبنا بيننا وبينهم كتاباً وعاهدناهم " فقال أحدهم: ذلك ذنب ينبغي التوبة عنه. فقال عليّ: " ليس بذنب، ولكنه عجز في الرأي وقد نهيتكم " فقال الثاني: لئن لم تدع تحكيم الرجال لأقاتلنّك أطلب بذلك رحمة اللّه ورضوانه... فقال له: "تباً لك ما أشقاك كأني بك قتيلا تسفي عليك الريح..." فقال: وددت أن قد كان ذلك.. فقال له الإمام علي: "إنك لو كنت محقاً كان في الموت تعزية عن الدنيا.. ولكن الشيطان قد استهواكم.." فخرجا يتناديان: "لا حكم إلاّ للّه". فقال الإمام علي: "كلمة حق أُريد بها باطل، إنّ لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد اللّه أن تذكروا فيها اسمه، ولا الفيء ما دمتم معنا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا وننتظر فيكم أمر اللّه...".


وعندما غدر عمرو بن العاص بصاحبه أبي موسى وفشلت قضية التحكيم (بين علي ومعاوية)، قرّر الإمام علي أن يستأنف القتال، فكتب إلى الخوارج بالنهروان فاستحثهم على السير إلى العدو وقال: "نحن على الأمر الأوّل الذي كنا عليه" فكتبوا إليه: إنك غضبت لنفسك، ولم تغضب لربك، فإن شهدت على نفسك بالكفر وتبت نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلاّ فقد نابذناك على سواء واللّه لا يحب الخائنين. فيئس منهم، وقرّر أن يتركهم إعمالا لما وضعه من المواقف الثلاث التي أشرنا إليها آنفاً... وكان منها "أن لا نقاتلكم حتى تبدؤونا" وأمر بالرحيل إلى الشام.


في النهروان سيدخلون بعلي بن أبي طالب الجنة!


حين حربه لهم بالنهروان كما ينقل آية الله محمد تقي المدرسي خطب علي بن أبي طالب بالخوارج قائلا:" أيها العصابة، ، إنِّي نذير لكم أن تصبحوا لعنة هذه الأمة غداً وأنتم صرعى في مكانكم هذا بغير برهان ولا سنَّة ".وحاجّهــــم - مرة أخرى - ونصحهم بأن ينضمّوا إليه لقتال معاويــة ، وهو هدفهم المعلـــــن ، فقالوا : كـــــلا لابد أن تعترف أولاً بالكفر ، ثم تتوب إلى اللـه كما تبنا حتى نطيع لك ، وإلاّ فنحن منابذوك على سواء .فقال لهم : " ويحكم ، بم استحللتم قتالنا والخروج عن جماعتنا ".فلم يجيبوه وتنادوا من كل جانب : الرواحَ إلى الجنة !


رد ابن عباس على الخوارج المتدينين


يذكر الكاتب معن عبدالقادر في مقال له تحت عنوان "مناقشة ابن عباس للخوارج" التالي عن ابن عباس أنه قال :دخلت عليهم وهم قائلون (من القيلولة نائمون) في نحر الظهيرة. قال: فدخلت على قوم لم أر قط أشد اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل (أي غليظة)، وجوههم معلمة من آثار السجود، عليهم قمص مرحضة، وجوههم مسهمة من السهر. قال: فدخلت. فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس! ما جاء بك؟ وما هذه الحلة (كانت ملابسه جميلة)، قال: قلت ما تعيبون علي؟ لقد رأيت على رسول الله أحسن ما يكون من هذه الحلل، ونزلت ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق)) قالوا: فما جاء بك؟ قال: جئت أحدثكم عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن عند صهر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليهم نزل الوحي، وهم أعلم بتأويله، وليس فيكم منهم أحد، فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشاً فإن الله تعالى يقول: ((بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ))، وقال رجلان أو ثلاثة لو كلمتهم.


قال: قلت أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وختنِه، وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله معه؟ (يقصد علي بن أبي طالب)


قالوا: ننقم عليه ثلاثاً.


قال: وما هنّ؟


قالوا: أولهن أنه حكّم الرجال في دين الله، وقد قال الله: ((إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ))، فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل.


قال: قلت وماذا؟


قالوا: وقاتل ولم يَسْبِ ولم يغنم، لئن كانوا كفارًا لقد حلت له أموالهم ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم.


قال: قلت وماذا؟


قالوا: محا نفسه من أمير المؤمنين. فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.


قال: قلت أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبنا هذا.


قال: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ما لا تنكرون [ ينقض قولكم ] أترجعون؟


قالوا: نعم.


قال: قلت أما قولكم: حكّم الرجال في دين الله، فإن الله تعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ))، إلى قوله: ((يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ)). وقال في المرأة وزوجها: ((وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا)). أنشدكم الله أحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم، وإصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم، وفي بضع امرأة. وأن تعلموا أن الله لو شاء لحكم ولم يصير ذلك إلى الرجال.


قالوا: اللهم في حقن دمائهم، وإصلاح ذات بينهم.


قال: أخرجت من هذه؟


قالوا: اللهم نعم.


قال: وأما قولكم قاتل ولم يسبِ ولم يغنم، أتسبون أمكم عائشة، أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها، فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست أم المؤمنين فقد كفرتم، وخرجتم من الإسلام، إن الله يقول: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ))، فأنتم مترددون بين ضلالتين، فاختاروا أيهما شئتم، أخرجت من هذه؛ فنظر بعضهم إلى بعض.


قالوا: اللهم نعم.


قال: وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعا قريشًا يوم الحديبية أن يكتب بينه وبينهم كتابًا فكاتب سهيل بن عمرو وأبا سفيان. فقال: اكتب يا علي هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال: والله إني لرسول الله حقًا وإن كذبتموني، اكتب يا على: محمد بن عبد الله ، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان أفضل من علي -رضي الله عنه- وما أخرجه من النبوة حين محا نفسه. أخرجت من هذه؛ قالوا: اللهم نعم. فرجع منهم ألفان، وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا على ضلالة.


علي يستنطق القرآن أمامهم فلا ينطق!


في الدرر السنية للمفكر الاسلامي علي السقاف يذكر : "لقد جاء علي رضي الله عنه بالحجة المقنعة فجاء بالمصحف فوضعه بين يديه وجعل يصكه بيده ويقول: أيها المصحف حدث الناس! إن كل من له عقل يعلم أن المصحف لن يرد ولن يتحدث أو يحكم، وإنما الحكم بكتاب الله يكون بالرجوع إلى العلماء الحافظين له العاملين بمعانيه ومقاصده، وهذا ما فعله علي رضي الله عنه من تحكيم صحابيين جليلين، واشترط عليهما تحكيم الكتاب والسنة، فيرجع إلى مقتضى النصوص لا إلى الأهواء والمصالح الشخصية."


سيد قطب وقصر الفهم


أما حديثا وتأصيلا لفكر "الحاكمية" للخوارج فلنا التأمل في ما قاله المسلمون المستنيرون إذ أن المفكر الاسلامي د.فاروق حمادة في مقال هام له تحت عنوان: («الحاكمية» في فكر «الإخوان».. منطلق التطرف والعنف) أشار أن : "سيد قطب لا يفرق بين الأصول الاعتقادية والإيمانية وبين الفروع الفقهية ولا بين ما هو من صفات الله وما تركه لعباده من اجتهاد في أمور دنياهم ومعاشهم، فكلها يجمعها بكلام عام مطلق تحت عنوان "الحاكمية"، ويقول في تفسير سورة الأنعام: (إنها القضية الأساسية في هذا الدين قضية الحاكمية لمن تكون وبالتعبير المرادف قضية الألوهية والربوبية لمن تكون... وقضية التشريع هي قضية الحاكمية وقضية الحاكمية هي قضية الإيمان)"، ليعلق حمادة بالقول متعجبا من ذلك: (هذا الخلط طارئ وغير مسبوق عند علماء الإسلام ومفكريه ولم يستعملوا كلمة الحاكمية إلا في الدلالة على الفرقة المنسوبة للحاكم بأمر الله الفاطمي، وجاءت مرة واحدة في سياق آخر عند نجم الدين الطرسوسي من القرن التاسع الهجري، أو تكون بمعنى القضاء بين الناس وفصل الخصومات)


وعن ياسين الأسطل وما قاله نقول أن فكرة "الحاكمية" لدى الكثير في "الاخوان المسلمين" المستمدة من فكر قطب المتطرف هي فكرة تخلط بين القطعي الايماني من عقائد وعبادات وبين الامور السلطانية بالمصطلح الاسلامي أي السياسية الدنيوية ما هي متغيرة (في الشريعة) ولا تخضع لقداسة القسم الاول وهي متروكة حكما للناس كما أوضح بجلاء علي بن أبي طالب قبل ذلك، وهي المساحات الأجدر أن يحدد بها الناس شؤون دنياهم حيث تجمعهم القيم والقوانين كما ذكر في ذلك عديد المفكرين أمثال راشد الغنوشي وحسن الترابي ومحمد عمارة الخ ما يناقض كليا الفهم القاصر لسيد قطب وناقل فكره الأسطل.


الغزالي ود.عمارة : حكم الامة هو حكم الله


قال الشيخ الغزالي في (محاوراته): "إنني لم أسمع بفكرة الحاكمية إلا بعد موت حسن البنا، الذي كان في فكره أشبه بعلماء الأزهر، عندما يصورون فكرة الحاكمية يتكلمون بعقل وبدقة منطقية، وأكاد أقول إن الإسلام الذي يدرس في الأزهر من أدق المدارس لتصوير الإسلام، فالحاكمية كلمة دخيلة، فإذا كان لا حكم إلا لله، فهي كلمة حق أريد بها باطل".


نقول أن لا فرق هنا بين فهم الأسطل وفهم قطب وفهم الظواهري بقوله : "هؤلاء الحكام خارجون عن الشريعة الإسلامية لاحتكامهم إلى قوانين ودساتير وضعية مخالفة للشريعة الإسلامية ... وهؤلاء لا يعتبرون حكومات إسلامية بل حكومات علمانية لا تحتكم إلى الشريعة".


بالرجوع الى د.محمد عمارة المفكرالاسلامي الشهير يقول (أرجع الشيخ الغزالي خطأ الأستاذ سيد قطب، فيما كتبه عن الحاكمية، إلى سببين: أولهما: الظلم الذي وقع عليه من قبل نظام ثورة يوليو1952، الأمر الذي جعله "ينفرد برأي أملته عليه ظروف المحنة التي وقع فيها، والسبب الثاني للخطأ في تفكير الأستاذ سيد: "أن الرجل من الناحية الفقهية كان ضحلا، ليس متعمقا أو جامعا لما لابد منه من الأحكام الفقهية"


وقال الإمام ابن حزم الأندلسي (384 - 456هـ/ 994 - 1064م)، "إن من حكم الله أن جعل الحكم لغير الله"


ويضيف د.محمد عمارة في مقاله السابق القول: (الله سبحانه وتعالى قد استخلف الإنسان في الحياة، والاستثمار والانتفاع والاستمتاع بالأموال والثروات، ومع ذلك فمن البشر من هم أولوا الأمر، طاعتهم في الحق من طاعة الله ورسوله، فلا تناقض إطلاقاً بين حاكمية الله وسيادة شريعته، وحكم الأمة التي هي مصدر السلطات.)


المرجعية الدستور وليس فهم الأسطل "لا حكم الا لله"


يضيف عمارة في لقاء معه في صحيفة المجتمع 11/11/2015 :"إن الاستفادة من آليات الديمقراطية - مع نشأتها خارج عالم الإسلام - هي استلهام للحكمة التي هي ضالة المؤمن بصرف النظر عن أهلها وعن الفضاءات الفكرية والسياسية التي نشأت فيها".


بل ويشير عمارة: "إن البلاد الإسلامية التي استلهمت هذه الديمقراطية تؤكد دساتيرها أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس والرئيس لتشريعاتها وقوانينها، ومن ثم فهي محمية من أي مفاهيم فلسفية مخالفة للشريعة الإسلامية عرفتها وتعرفها بعض المجتمعات الديمقراطية الغربية."


بعد انتقاده لبعض الآراء في الفكر الإسلامي السياسي المعاصر، يطرح محمد عمارة الحاكمية من زاويتها السياسية، انطلاقا من اعتبار "حق الله" يعني في المجال السياسي "حق المجتمع" و "حكم الله وسلطانه" يعني في السياسة"حكم الأمة وسلطانها"، وبالتالي ينتهي إلى خلاصة تقول: "ليس هناك تناقض هنا بين أن يكون الحكم لله، وبين أن تكون السلطة السياسية والحكم في المجتمع الإسلامي لجماهير المسلمين". بل ونضيف أنه إذا أردنا أن نتحدث بلغة الفقه الدستوري، فإن "الحاكمية" يقول محمد سليم العوا يقول: "هي السيادة"، وهذه الأخيرة لله سبحانه وتعالى، وهو من منح للإنسان حق الحاكمية على مصيره الاجتماعي، انطلاقا من الحرية المقررة في الدين نفسه."


الترابي :"الحاكمية" إرادة الامة


يقول الكاتب خالد بايموت في دراسة هامة له أن (حسن الترابي، يقدم تصورا يذهب إلى تفسير الحاكمية لله في المجال السياسي، تفسيرا جديدا يرتبط أولا بإرادة الأمة، وثانيا بالدولة، ويمكن تلخيص رأي الترابي فيما يلي:


1- الدولة وممارستها السياسية تتحول إلى مشرع أي إلى رافد من روافد الشريعة/ القانون، ويدل على ذلك تاريخيا اعتبار علماء الأمة الممارسة السياسية لدولة الخلافة الراشدة بمثابة سوابق قانونية.


2- إن الإجماع الذي يعتبر مصدر من مصادر التشريع، لم يعد مقبولا أن يكون في المجال السياسي هو إجماع القلة. فإجماع علماء الدين المتخصصين في المجال الديني المحض يعتبر إجماع. أما اليوم فإن الإجماع في السياسة هو: الرأي العام، أي رأي جمهور المسلمين، لا رأي قلة من المتخصصين، النتيجة إذن أن الرأي العام هو الحاكم في شؤون الأمة، ومنها القرارات التي تلزم الدولة.


3- إن الاختيارات التي تختارها الأمة تصبح جزءا من الشريعة، وهذا يعني أن الأمة تشرع لمصالحها، المتحولة عبر الزمان والمكان. فإذا كانت القاعدة أن التشريع لإرادة الله " فإن للأمة - بتعبير راشد الغنوشي- مشاركة فعالة في ذلك".)


الغنوشي: "الحاكمية" هي حكم الناس بمرجعية القانون


أيضا اعتبر الشيخ راشد الغنوشي في لقاء له في 25/3/2015 (ان مرجعية الحكم يجب ان تكون لله ليس عن طريق نزوله عز وجلّ بنفسه إلى عالم البشر ليحكم بينهم حكما مباشرا، ولكن عن طريق حكم الناس لبعضهم استنادا لتلك المرجعية) أي استنادا لقانون البلد وبرلمانه بكل وضوح.


من حاكمية الله الى حاكمية البشر


يقول المفكرأبوالقاسم الحاج حمد في تفسير جديد للحاكمية من إلهية الى استخلافية الى بشرية (تقتضي الحاكميّة البشرية -وهي الطورالثالث- أن يمارس الإنسان مسؤوليته الوجوديّة بأقصى ما لديه من قدرات الوعي، سمعاً وبصراً وفؤاداً، وأن يسعى إلى رؤية فعل الله في حركة الطبيعة والتاريخ، فعلاً غير مباشر، ولكنّه كامل التأثير.) مضيفا (إنها مرحلة جديدة في تاريخ البشرية، تتدامج فيها جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، فلا يتحوّل الغيب إلى لاهوت يستلب الإنسان والطبيعة، ولا يتحوّل الإنسان إلى وجوديّة عبثية إباحيّة فردية، ولا تتحول الطبيعة إلى جَبْرية مادّية)


استنتاج وخلاصة


نتستنتج من كل ما سبق هو أن فكرتي "الجاهلية والحاكمية" هما فكرتان مترابطتان، وهما فكرتان اقصائيتان أدتا الى افتراض العصمة والقداسة لفئة محددة كانت الخوارج قديما، ثم مثلتها فئات أخرى عبر التاريخ، وصولا للفهم القطبي بالاخوان المسلمين الذي انتقل للتنظيمات الاسلاموية المتطرفة الحالية، ولن نعدم أن نجد من بين الاخوان المسلمين خارج تيار قطب الرسمي من هم متأثرين بالفكر الحاكمي التجهيلي الاقصائي للغير، فكما لا يستطيع الأسطل في غزة أن يفهم الحرية والإرادة الا وفق ما يضع عقله هو من قوانين يظنها الفهم الوحيد المكتمل للاسلام الحنيف، فإنه بذلك يعبر جهرا عن رفضه لمفهوم الديمقراطية وقدرة الناس على رؤية مصالحهم، ولذلك يتمسك تياره في فصيل "حماس" اليوم بالحكم في غزة، فكيف لها أن تفهم تداولا للسلطة بعد أن افتكتها بالانقلاب والقتل والدم؟! وكيف لمثل هذا الرجل أن يفهم أنه من الممكن أن يسقط بالانتخابات؟! إنه إذ يسقط فهو يتأهب منذ الآن بالتنظير المسبق إن ذلك إن حصل "لجماعته المؤمنة حصريا" فهو لسبب أنها غير نزيهة قطعا، وعندما ينجح فقط فهي نزيهة! وكيف له ولحماس أن تعطي الحكم لمن لا يجوز أن تكون لهم حرية وإرادة وقرار؟ ولمن هم لا يمثلون شرعا الصفات الواجب توفرها كما يغمز الأسطل، وكيف تثق تعبئة "حماس" الداخلية بمن هم قاصرين عن الخيار؟ فلا الأمة لها الحق ولا الانسان مخير بما يرى إلا وفق الفهم المحدد الذي يفترض الأسطل أنه المستمد من الدين الاسلامي حصريا وفق ما يرى، ما أثبت مختلف العلماء المسلمين المستنيرين قصوره وعجزه عن فهم الاسلام ومقاصده بالعدل والحرية والانسانية.