عاجل
عاجل
  • فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

خطاب ياسر عرفات أمام الجمعية العامة للامم المتحدة في 13 نوفمبر عام 1974

خطاب ياسر عرفات أمام الجمعية العامة للامم المتحدة في 13 نوفمبر عام 1974

فتح ميديا - متابعات 


سيدي الرئيس ..


أشكر لكم دعوتكم منظمة التحرير الفلسطينية لتشارك في هذه الدورة من دورات الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة . وأشكر كل الأعضاء المحترمين في هيئة الأمم المتحدة الذين أسهموا في تقرير إدراج قضية فلسطين على جدول أعمال هذه الجمعية وفي إصدار قرار بدعوتنا لعرض قضية فلسطين .


إنها لمناسبة هامة أن يعود بحث قضية فلسطين إلى هيئة الأمم المتحدة . وأننا نعتبر هذه الخطوة انتصار للمنظمة الدولية كما هو انتصار لقضية شعبنا . وإن ذلك يشكل مؤشراً جديداً على أن هيئة الأمم اليوم ليست هيئة الأمم أمس ، ذلك لأن عالم اليوم ليس هو عالم الأمس .


فقد أصبحت هيئة الأمم اليوم تمثل 138 دولة وأصبحت تعكس بصورة نسبية أوضح إرادة المجموعة  الدولية ، ومن ثم فقد أصبحت أكثر قدرة على تطبيق ميثاقها ومبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وأكثر قدرة على نصرة قضايا العدل والسلام .


وهذا ما بدأ يلمسه شعبنا وتلمسه شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ، الأمر الذي أخذ يعلي مكانة هذه المنظمة الدولية في عيون شعبنا وعيون بقية الشعوب ، ويزيد من الآمال التي تعلقها شعوب العالم على مساهمة هيئة الأمم المتحدة في نصرة قضايا السلم والعدل والحرية والاستقلال ، وتشييد عالم خالٍ من الاستعمار والإمبريالية  والاستعمار الجديد والعنصرية بكافة أشكالها بما فيها الصهيونية .


 سيدي الرئيس ...


 إننا نعيش في عالم يطمح للسلام والعدل والمساواة والحرية ، يطمح إلى أن يرى الأمم المظلومة الرازحة تحت الاستعمار والاضطهاد العنصري وهي تمارس حريتها وحقها في تقرير المصير ، يطمح إلى أن يرى العلاقات الدولية بين الدول كافة تقوم على أساس المساواة والتعايش السلمي وعدم التدخل في الشؤون  الداخلية ، وتأمين السيادة الوطنية .


وما زالت دول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تواجه اعتداءات ضارية على نضالها من أجل تغير النظام الاقتصادي العالمي الحالي بنظام اقتصادي عالمي جديد أكثر معقولية ومنطقية ، وقد عبرت هذه البلدان عن ذلك في مؤتمر (( المواد الأولية والتنمية )) حيث لابد أن يوضع حد لعمليات النهب والاستغلال  وامتصاص ثروات الشعوب الفقيرة وعرقلة جهودها من أجل التنمية والسيطرة على ثرواتها ورفع الحيف عن أسعار موادها الأولية .


وكذلك فإن هذه الدول ما زالت تواجه عراقيل أمام مطالبها العادلة المعبر عنها في مؤتمر البحار في كرا كاس ، ومؤتمر السكان ، ومؤتمر التغذية ، ولابد للهيئة الدولية من أن تقف بحزم إلى جانب النضال من أجل إحداث تغيرات جذرية في النظام الاقتصادي العالمي لأن ذلك وحده يتيح للشعوب المختلفة إمكانية التقدم بسرعة . ولابد لهذه الهيئة من أن تقف بحزم ضد القوى التي تحاول تحميل مسؤولية  التضخم المالي على كاهل البلدان النامية ، خاصة البلدان المنتجة للبترول ، وأن تشجب التهديدات التي تتعرض لها هذه البلدان بسبب مطالبها العادلة .


سيدي الرئيس ...


ما زال السباق على التسلح على أشده في العالم ، الأمر الذي يهدد العالم بضياع ثروته وتبديد جهوده على هذا السباق ، فضلاً عن إبقائه في خيار انفجارات مسلحة خطيرة . إن الحد من السباق على التسلح ، وصولاً إلى تدمير الأسلحة النووية وتخصيص ما يصرف من مبالغ طائلة على مجالات التقنيات العسكرية في ميدان تقدم العلوم وزيادة الإنتاج وتحقيق الرفاه للعالم . هذا ما تتوقع الشعوب إن تعمل هيئة الأمم المتحدة باتجاهه . وما زال الاضطراب على أشده في منطقتنا . فالكيان الصهيوني مثبت بالأراضي العربية التي احتلها ويتابع عدوانه علينا بجانب استعداداته العسكرية المحمومة بشن حرب عدوانية جديدة ستكون الخامسة كم سلسلة حروبه العدوانية ولنا أن نتحسب مع ما يصدر من إشارات عنه من أن تكون حرباً نووية تحمل الفناء والدمار .


 سيدي الرئيس ...


 إن العالم بحاجة إلى أقصى الجهود من أجل تحقيق مطامحه في السلم والحرية والعدل والمساواة والتنمية وفي مكافحة الاستعمار والامبريالية والاستعمار الجديد والعنصرية بكافة أشكالها بما فيها الصهيونية لأن هو الطريق الوحيد لتحقيق آمال الشعوب كافة بما في ذلك شعوب الدول التي تعارض هذا الطريق . أنه طريق لتكريس مبادئ ميثاق هيئة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان . إما بقاء الوضع الحالي فلن يفعل أكثر من أن يبقى العالم معرضاً لأخطر الصراعات المسلحة ، للكوارث الاقتصادية والإنسانية والطبيعية .


 سيدي الرئيس ...


رغم هذا الوضع المتأزم الذي يسود العالم برغم ما في عالمنا من قوى ظلام وتأخر فإن عالمنا اليوم يعيش أياماً مجيدة . أنه يشهد انهيار العالم القديم عالم الاستعمار والامبريالية والاستعمار الجديد والعنصرية بكافة أشكالها وأبرزها الصهيونية ويشهد الاتجاه التاريخي العظيم لشعوب العالم نحو انبثاق عالم جديد تنتصر فيه القضايا العادلة ، وأننا واثقون من انتصار هذه القضايا.


سيدي الرئيس ...


إن قضية فلسطين تدخل كجزء هام بين القضايا العادلة التي تناضل في سبيلها الشعوب التي تعاني الاستعمار الاضطهاد ، وإذا كانت الفرصة قد أُتيحت لي أن أعرضها أمامكم فإنني لن أنسى أن مثل هذه الفرصة يجب أن تتاح لكل حركات التحرر المناضلة ضد العنصرية والاستعمار . في تقرير مصيرها ، أدعوكم أن تعيروا قضاياهم ، كما قضيتنا ، من همومكم واهتمامكم الأولوية ذاتها مما يشكل مرتكزاً أساسياً لحماية السلم في العالم وتكريس عالم جديد تعيش الشعوب في ظلاله بعيداً عن الاضطهاد والظلم والخوف والاستغلال ، ولهذا فإنني سأعرض قضيتنا ضمن هذا الإطار وفي سبيل هذا الهدف .


وإننا حين نتكلم من على هذا المنبر الدولي فإن ذلك تعبير في حد ذاته عن إيماننا بالنضال السياسي والدبلوماسي  مكملاً معززاً لنضالنا المسلح وتعبير عن تقديرنا للدور الذي يمكن للأُمم المتحدة أن تقوم به في حل المشكلات العالمية ، بعد أن تغيرت بنيتها في صالح أماني الشعوب وفي حل مشكلتنا التي تتحمل فيها المؤسسة الدولية مسئولية خاصة .


إن شعبنا يتكلم وهو يتطلع إلى المستقبل أكثر مما هو مقيد بمآسي الماضي وأغلال الحاضر. وإذا كنا، ونحن نتحدث عن الحاضر نعود إلى الماضي فلأننا نريد أن نوضح بداية الطريق الذي نشقه إلى المستقبل المشرق مع كل شعوب العالم عامة ، وحركات التحرير خاصة. وإذا كنا نعود إلى جذور قضيتنا فأنه ما زال بين الحاضرين هنا من يحتل بيوتنا ويرتع في حقولنا ويقطف ثمار أشجارنا ويدعي أننا أشباح لا وجود لها ولا تراث ولا مستقبل. وأن هناك من كان يتصور،  وإلى وقت قريب، وربما حتى الآن، أن مشكلتنا هي مشكلة لاجئين، أو أن مشكلة الشرق الأوسط هي مشكلة خلاف على حدود بين الدول العربية وبين الكيان الصهيوني أو يتصور أن شعبنا يدعي حقوقاً ليست له ويقاتل دونما سبب معقول ومشروع إلا الرغبة في تعكير السلام وإرهاب الآخرين . ولأن هناك بينكم وأعني الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من يمون عدونا بطائراته وقنابله وكل أدوات الفتك والتدمير ويقف منا موقف العداء ويعمد إلى تشويه حقيقة المشكلة، كل ذلك على حساب الشعب الأمريكي وعلى حساب رفاهيته وعلى حساب الصداقة التي نتطلع إليها مع هذا الشعب العظيم الذي نكن له ولتجاربه في النضال من أجل حريته ووحدة أرضه كل تقدير .


وأنني لانتهز هذه المناسبة لا توجه إلى الشعب الأمريكي وأُخاطبه من مكاني هنا أن يقف مع شعبنا الشجاع المناضل . أن يقف مع الحق والعدالة . أن يتذكر بطله جورج واشنطن الذي ناضل لاستقلال أمريكا وحريتها . ويتذكر أبراهام لنكولن الذي وقف مع المحرومين والمعذبين ويتذكر وصايا ويلسون الأربع عشرة والتي يتبناها شعبنا إيماناً بهذه المبادئ الإنسانية العظيمة.


وأتوجه إلى الشعب الأمريكي وأتساءل  هل هذه التظاهرات المعادية التي تنطلق في الخارج هي وجهه الحقيقي . وما هي الجريمة التي ارتكبها شعبنا ضد الشعب الأمريكي . . .


لماذا هذا الوجه المعادي . هل هو لصالح أمريكا . هل هو لصالح الجماهير الأمريكية . حتماً لا . وأرجو أن يتذكر الشعب الأمريكي أن صداقته مع  أُمتنا العربية هي أهم وهي أبقى وهي أنفع .


سيدي الرئيس ...


  إن شرحنا لجذور قضيتنا نابع من إيماننا بأن العودة إلى أُصول القضايا التي تشغل العالم أمر ضروري عند تلمس الحلول لها . وهذا منهج نطرحه على السياسة الدولية لتأخذ به بعد أن عانت الكثير وعانت الشعوب معها من المحاولات تجاهل الأصول والقفز عليها أو إنكارها رضوخاً واستسلاماً للأمر الواقع .


ترجع جذور المشكلة الفلسطينية إلى أواخر القرن التاسع عشر أو بكلمات أُخرى إلى ذلك العهد الذي كان يسمى عصر الاستعمار والاستيطان وبداية انتقال إلى عصر الإمبريالية حيث بدأ التخطيط الصهيوني_ الاستعماري لغزو أرض فلسطين بمهاجرين من يهود أوُروبا كما كان الحال بالنسبة للغزو الاستيطاني لإفريقيا . في تلك الحقبة التي توطدت فيها سطوة عتاه الاستعمار القادمين من  الغرب إلى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية للاستيطان وإقامة المستعمرات وممارسة أشد أشكال الاستغلال والاضطهاد والنهب لشعوب القارات الثلاث . إنها الحقبة التي ما زلنا نشهد آثارها العنصرية البشعة في الجنوب الإفريقي وكذلك في فلسطين .


وكما استخدم الاستعمار والمستوطنون أفكار ((التمدن والتحضر)) لتبرير الغزو والنهب والعدوان في إفريقيا وغيرها . كذلك استخدمت هذه الذرائع لغزو فلسطين بموجات المهاجرين الصهاينة . وكما استخدم الاستعمار والمستوطنون الدين واللون والعرق والغة لتمرير عملية استغلال الشعوب وإخضاعها بالتمييز والتفرقة والإرهاب في إفريقيا ، كذلك استخدمت هذه الأساليب لاغتصاب الوطن الفلسطيني واضطهاد شعبه ومن ثم تشريده .


وكما استخدم الاستعمار ، وقتئذ ، المحرومين والفقراء والمستغلين كوقود لنار عدوانه ، ومرتكزات الاستيطان ، كذلك استخدم الاستعمار العالمي والقادة الصهاينة اليهود المحرومين والمضطهدين في أُوروبا كوقود للعدوان ومرتكزات للاستيطان والتمييز العنصري .


إن الإيديولوجية الصهيونية التي استخدمت ضد شعبنا لاستيطان فلسطين بالغزاة الوافدين من الغرب استخدمت في الوقت ذاته لاقتلاع اليهود من جورهم في أوطانهم المختلفة ولتغريبهم عن الأمم.


إنها أيديولوجيا استعمارية استيطانية عنصرية تمييزية رجعية تلتقي مع اللا سامية في منطلقاتها، بل هي الوجه الآخر للعملة نفسها. فعندما نقول أن تابعي دين معين هو اليهود، أياً كان وطنهم، لا ينتسبون إلى ذلك الوط ولا يمكن أن يعيشوا كمواطنين متساوين مع بقية المواطنين من الطوائف الأخرى، فإن تلك اللقاء مباشر مع دعاة اللاسامية، وعندما يقولون أن الحل الوحيد لمشكلتهم هو أن ينفصلوا عن الأمم والمجتمعات التي هم جزء منها عبر تاريخ طويل، ثم يهاجرون ليستوطنوا أرض شعب آخر ويحلوا محله بالقوة والإرهاب يأخذون من غيرهم الموقف نفسه الذي أخذه دعاة اللاسامية منهم.


ومن هنا نلاحظ مثلاً العلاقة الوثقى بين ردوس وهو يبسط استعماره الاستيطاني في جنوب شرقي القارة الإفريقية وبين هرتزل الذي راح يخطط ويصمم لاستعماره الاستيطاني على أرض فلسطين.


وعندما حصل هرتزل على شهادة حسن سلوك استعماري استيطاني من رودس قدمها للحكومة البريطانية ليستصدر منها قرار التأييد والدعم مقابل أن يبني على أرض فلسطين قاعدة للاستعمار تؤمن مصالحه في أهم النقاط الاستراتيجية في الشرق الأوسط.


وهكذا باشرت الحركة الصهيونية متحالفة مع الاستعمار العالمي غزوتها لبلادنا. واسمحوا لي أن أوجز بعض الحقائق التالية حولها:


كان عدد سكان فلسطين عند بداية الغزوة عام 1881 وقبل قدوم أول موجة استيطان  حوالي نصف مليون نسمة كلهم من العرب، مسلمين ومسيحيين ومنهم حوالي عشرون ألفاً من يهود فلسطين يعيشون جميعاً في كنف التسامح الديني الذي اشتهرت به حضارتنا.


وكانت فلسطين أرضاً خضراء معمورة بشعبها العربي الذي يبني الحياة في وطنه ويغني ثقافته.


وعمدت الحركة الصهيونية إلى تهجير حوالي خمسين ألف يهودي أوروبي بين عامي 1882 و 1917 لاجئة إلى شتى أساليب الاحتيال لتغرسهم في أ{ضنا. ونجحت في الحصول على تصريح بلفور من بريطانيا، فجسد التصريح حقيقة التحالف الصهيوني الاستعماري، وعبر هذا التصريح عن مدى ظلم الاستعمار للشعوب حيث أعطت بريطانيا وهي لا تملك وعداً للحركة الصهيونية وهي لا تستحق. وخذلت عصبة الأمم بتركيبها القديم شعبنا العربي وتبخرت وعود ومبادئ ويلسون في الهواء وفرضت علينا قسراً الاستعمار البريطاني بصورة الانتداب، وتعهد صك الانتداب الذي أصدرته عصبة الأمم المتحدة صراحة بالتمكين للغزوة الصهيونية من أرضنا.


وعلى مدى ثلاثين عاماً بعد صدور تصريح بلفور نجحت الحركة الصهيونية مع حليفها الاستعماري في تهجير مزيد من يهود أوروبا واغتصاب أراضي عرب فلسطين. وهكذا أصبح عدد اليهود في فلسطين عام 1947 حوالي ستمائة ألف يملكون أقل من 6 % من أراضي فلسطين الخصبة. بينما كان تعداد عرب فلسطين حوالي مليون وربع المليون نسمة.


وبفعل تواطؤ الدولة المنتدبة مع الحركة الصهيونية ودعم الولايات المتحدة لهما صدر عن هذه الجمعية وهي ف يبداية عهدها التوصية بتقسيم وطننا فلسطين في 29 نوفمبر 1947 وسط تحركات مريبة وضغوط شديدة، فقسمت ما لا يجوز لها أن تقسم: أرض الوطن الواحد، وحين رفضنا ذلك القرار فلأننا مثل أم الطفل الحقيقية التي رفضت أن يقسم سليمان طفلها حين نازعتها عليه امرأة أخرى. ومع ذلك فقد منح قرار التقسيم المستوطنين الاستعماريين 54 % من أرض فلسطين. وكأن ذلك لم يكن كافياً بالنسبة إليهم، فشنوا حرباً إرهابية  ضد السكان المدنيين العرب واحتلوا 81 % من مجموع مساحة فلسطين وشردوا مليون عربي.


مغتصبين بذلك 524 قرية ومدينة عربية. ودمروا منها 385 مدينة وقرية تدميراً كاملاً محاها من الوجود. وحيث فعلوا ذلك أقاموا مستوطناتهم ومستعمراتهم فوق الانقاض وبين بساتيننا وحقولنا.


ومن هنا يبدأ جذر المشكلة الفلسطينية، أن هذا يعني أن أساس المشكلة ليس خلافاً دينياً أو قومياً بين دينين أو قوميتين وليس نزاعاً على حدود بين دول متجاورة، انه قضية شعب اغتصب وطنه وشرد من أرضه لتعيش أغلبيته في المنافي والخيام.


وقد استطاع هذا الكيان الصهيوني وبدعم من دول الاستعمار والامبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية أن يتحايل على هيئة الأمم لفبوله في عضويتها ومن ثم على شطب قضية فلسطين من دول أعمالها، وتضليل الرأي العام العالمي بتصوير المشكلة كمشكلة لاجئين بحاجة إلى عطف المحسنين أو إعادة توطينهم في بلاد الآخرين.


على أن هذه الدولة العنصرية التي قامت على أساس الاستعمار الاستيطاني لم تكتف بكل ذلك حيث جعلت من نفسها قاعدة للإمبريالية وراحت تتحول إلى ترسانة من الأسلحة لإكمال مهمتها في إخضاع الشعوب العربية والعدوان عليها طمعاً في المزيد من التوسع على الأرض الفلسطينية والأراضي العربية. فإلى جانب عشرات الاعتداءات التي شنتها هذه الدولة ضد البلاد العربية قامت بحربين توسعيتين كبيرتين عام 1956 وعام 1967 عرضت خلالهما السلم العالمي لخطر حقيقي.


فقد كان من نتائج العدوان الصهيوني في حزيران 1967 أن احتل العدو سيناء المصرية حتى مشارف السويس، واحتل الجولان السورية فضلاً عن احتلاله للأرض الفلسطينية حتى نهر الأردن، الأمر الذي شكل وضعاً جديداً في منطقتنا وخلق ما يسمى بمشكلة الشرط الأوسط. ومما جعل الوضع يتفاقم أكثر إصرار العدو على استمرار الاحتلال وتكريسه، مشكلاً رأس حربه للاستعمار العالمي ضد أمتنا العربية، وقد ضرب عرض الحائط بكل قرارات مجلس الأمن ونداءات الرأي العام العالمي للانسحاب من الأراضي التي احتلها بعد حزيران ولم تجد كل المساعي السلمية والدبلوماسية لردعه عن هذه السياسة التوسعية، فما كان أمام أمتنا العربية وفي مقدمتها دولتا مصر وسوريا إلا أن تبذل الجهود المضنية في الاستعداد العسكري من أجل الصمود في وجه هذه الغزوة الهمجية المسلحة بالقوة، وثانياً من أجل تحرير تلك الأراضي واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني بعد استنفاذ كل الوسائل السلمية، وضمن هذا الإطار اندلعت الحرب الرابعة، حرب تشرين لتؤكد للعدو الصهيوني عقم سياسته الاحتلالية التوسعية واعتماده على شريعة القوة العسكرية، ولكن رغم ذلك فإن قادة الكيان الصهيوني مازالوا بعيدين عن الاتعاظ بهذه الدروس، فهم يعدون العدة للحرب الخامسة، ليعودوا من جديد إلى سياسية مخاطبة العرب بلغة التفوق العسكري سياسة العدوان والإرهاب والإخضاع للحرب.


سيدي الرئيس...


لشد ما يتألم شعبنا حين يسمع تلك الدعايات التي تقول أن أراضيه كانت صحراء فعمرها المستوطنون الأجانب، وأن وطنه كان خالياً من السكان، وأنه لم يتضرر أحد من بني البشر نتيجة قيام هذا الكيان الاستيطاني، لا .. يا سيدي الرئيس، يجب أن تدحض هذه الأكاذيب من على هذا المنبر العالمي، ويجب أن يعرف الجميع أن فلسطين كانت مهداً لأقدم الحضارات والثقافات استثمر شعبها العربي ينشر الخضرة والبناء والحضارة والثقافة في بروعها طوال آلاف السنين ويرفع لواء التسامح الديني ضارباً المثل على حرية العقيدة وحارساً أميناً على مقدسات جميع الأديان في ظنه.


وأنني كأحد أبناء بيت المقدس احتفظ لنفسي ولشعبي بذكريات جميلة وصور رائعة عن مظاهر التآخي الديني التي كانت تتألف في مدينتنا المقدسة قبل حلول النكبة بها, ولم ينقطع شعبنا عن ذلك إلا بعد تمكن الغزوة الصهيونية الهمجية من إقامة دولة إسرائيل وتشريده.


ولكنه مازال مصمماً على الاستمرار ف أداء دوره الحضاري والإنساني على أرض فلسطين، ولا يسمح بأن تتحول هذه الأراضي إلى بؤر للعدوان على الشعوب، وإلى معسكر عنصري ضد الحضارة والثقافة والتقدم والسلام. ولهذا فإن شعبنا لا يستطيع إلا أن يواصل تراث أجداده في الكفاح ضد الغزاة وأن يحمل شرف المسؤولية في الدفاع عن وطنه وعن أمنته العربية وعن الثقافة والحضارة ومهد الديانات السماوية، وتكفينا نظرة سريعة لمواقف إسرائيل العنصرية عندما دعمت منظمة الجيش السرية في الجزائر، وفي دعمها للمستعمرين في أفريقيا سواء في الكونغو وانغولا وموزمبيق وزمبابوي وفي وقوفها إل جانب حكومة فيتنام ضد الثورة الفيتنامية، فضلاً عن مواقفها المتتابعة في هذا السياق إلى جانب الاستعماريين والعنصرين في كل مكان وعرقلتها لعمل لجنة تصفية الاستعمار ورفضها التصويت لمصلحة استقلال بلدان أفريقيا ووقوفها ضد مطالب بلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وبلدان عديدة أخرى في مؤتمرات " المواد الأولية والتنمية" و"قانون البحار" و "السكان" و "التغذية". كل ذلك يعطي دليلاً إضافياً على صورة العدو الذي اغتصب بلادنا، ويكشف عن شرف النضال الذي نخوضه ضده. اننا ندافع عن حلم المستقبل، وهو يدافع عن أساطير الماضي.


سيدي الرئيس...


 إن لهذا العدو الذي نواجهه سجلاً حافلاً ضد اليهود أنفسهم فهناك في داخل الكيان الصهيوني تمييز عنصري بشع ضد اليهود الشرقيين. وإذا كنا ندين بكل ما أوتينا من قوة مذابح اليهود تحت الحكم النازي، فإن القادة الصهاينة كما يبدو أن همهم الأكبر حينذاك هو استغلالها لتحقيق الهجرة إلى فلسطين.


 سيدي الرئيس...


لو كان تهجيرهم إلى فلسطين بهدف العيش كمواطنين متساوين معنا بالحقوق والواجبات لكنا أفسحنا المجال لهم ضمن إمكانات وطننا، كما حدث مع عشرات الآلاف من الأرمن الشركس الذين ما زالوا بيننا أخوة مواطنين مثلنا تماماً، أما أن يكون هدف ذلك اغتصاب أراضينا وتشريدنا وتحويلنا إلى مواطنين من الدرجة الثانية وإنزال المعاملة نفسها بنا فهذا ما لا يمكن أن ينصحنا أحد القبول به أو الإذعان له. ولهذا فإن ثورتنا منذ البداية لا تقوم على أسس عرقية أو دينية عنصرية، وليست موجهة للإنسان اليهودي من حيث كونه إنساناً وإنما هي موجهة ضد العنصرية الصهيونية وضد العدوان. وبهذا المعنى فإن ثورتنا هي أيضاً من أجل الإنسان اليهودي. إننا نناضل من أجل أن يعيش اليهود والمسيحيون والمسلمون بمساواة في الحقوق والواجبات وبلا تمييز عنصر أو ديني.


أ‌. إننا إذن يا سيادة الرئيس نفرق بين اليهودية وبين الصهيونية. وفي الوقت الذي نعادي الحركة الصهيونية الاستعمارية، فإننا نحترم الدين اليهودي وإننا نحذر اليوم، وبعد قرابة قرن من بروز هذه الحركة العنصرية، من أن خطرها يتزايد ضد اليهود في العالم، وضد شعبنا العربي وضد أمن العالم وسلامته، فالصهيونية لا تزال متمسكة بتهجير اليهود من أوطانهم واصطناع  قوميه لهم يستبدلون بها قومياتهم الأصلية. إن الصهيونية تتابع نساطها التخريبي هذا على الرغم من ظهور فشل الحل الذي قدمته، وأن ظاهرة النزوح من التجمع الإسرائيلي المستمرة منذ قيامه والتي ستقوى مع سقوط قلاع الاستعمار الاستيطاني العنصري في العالم، لدليل على هذا الفشل.


ب‌. إننا ندعو جميع الشعوب والحكومات لمجابهة مخططات الصهيونية الرامية إلى تهجير مزيد من يهود العالم من أوطانهم ليغتصبوا وطننا. وندعوهم ف يالوقت نفسه للوقوف في وجه أي اضطهاد للإنسان بسبب دينه أو جنسه أو لونه.


ت‌. وإنني أتساءل يا سيادة الرئيس، لماذا يتحمل شعبنا ووطننا مسؤولية مشكلة الهجرة اليهودية إذا كانت لا زالت مثل هذه المشكلة في مخيلة البعض؟ وأتساءل لماذا لا يتحمل المتحمسون لهذه المشكلة إن وجدت، المسؤلية فيفتحوا بلادهم الكبيرة الرقعة والقادرة لاستيعاب هؤلاء المهاجرين ومساعدتهم؟


سيدي الرئيس ...