• فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

في فسحة الزمن القصيرة

في فسحة الزمن القصيرة

كأنما يلوح لهؤلاء، المٌبشَرين بمؤتمر "المقاطعة" في رام الله، أن الزمن ليس إلا يومين أو ثلاثة، يتبدد فيها إحساسهم باللا وزن، ويستشعرون أهميتهم، ما وسعهم الاستمتاع بهكذا شعور، ويتمدد في سطح وعي واحدهم وباطنه،  إحساس بأنه قد سجل حضوراً ذا قيمة، في حضرة عباس، الذي حرمه من حقه السياسي في اختيار أي شيء، أو الإسهام في تغيير أية حال، أو إعطاء أي رأي في أية قضية، فيما هو يتربع على كرسيه، كواحد من الطواطم التي تحدث عن عجائبها وعن غرائب مسلكها، أحد الرحالة في كتاب"رحلات مترجم هندي وأسفاره"!


المشهد الآن، في طور التشكل، لا يُخطئه بصر ولا تتجاهله بصيرة. يتكثف فيه كل ما فعله الغول الشَرِه، الذي صادر السياسة لسنوات مديدة، وظل يلعب بالمال، ويمنع أدنى التعابير عن الاختلاف. وتلك، كما هو معلوم، تعابير  تحتقن في صدور المدعوين لمؤتمر عباس، الآتين من مجالس النميمة، ومن مراكز انتاج الدسائس والنعرات، ومن منافذ تسويق الأكاذيب، للضحك على الذقون، والتعمية على المخاطر الحقيقية.


ولعل من أطرف مفارقات مؤتمر عباس، أن الطارئين وغير ذي الصلة، الذين استدعتهم مصالح أمن الطوطم، لكي يأخذوا عضويات غيرهم فيحضروا ويصفقوا؛ هم الأقل خطورة على الرغم من التركيز عليهم بالهجاء في الفضاء الفتحاوي الشاسع. ذلك لأن المشكلة، تكمن في جميع الذين استقرت لواحدهم، منذ سنين، عضوية المؤتمر العام لحركة فتح، فأصبح واحدهم، إما من وكلاء الطوطم وخدم المعبد، أو من فئة المناضلين السابقين، الذين آثروا الصمت، تجنباً  لمصير الأسرة التي حُرم عائلها من راتبه، ففقد واحدهم ظله ووزنه لكي لا يفقد خبزه، ولم يقوَ على إسماع صوته للمطالبة بمؤتمر عام حقيقي، ذي تمثيل صحيح، يتوّج مرحلة النهوض والوحدة، وطي مرحلة الإقصاء والعبث وفساد الغول الخائب!


خُدام المعبد الجاهلي، لا يجدون مثالاً لهم إلا في المستبد الرعديد، الذي يطاوعونه ويكرهونه، ويذمونه همساً، ويبجلونه صراخاً وتصفيقاً، ويعترضون عليه ويتمنى واحدهم لو إنه يحل محله ويأخذ ذوره. لذا فإن الباحث عن عناوين تلخص المشهد الذي أمامنا، سيقع على الكثير منها في مؤتمر المقاطعة. وربما يكون أسوأ هذه العناوين، هو تنامي ظاهرة الرغبة في العَبسنة، لدى مجموعة معتبرة من المتنفذين فاقدي المناقب والمواهب، الذين يريدون تكرار تجربة عباس من بعده، وإدامة التردي الذي راق له وأودعه أمانة في أعناقهم. فهؤلاء لا يريدون إصلاحاً، ولا اعترافاً بقطاعات شبابية فتحاوية، عقدت العزم على بث الحياة في الحركة الوطنية الفلسطينية. ولا يريدون مؤسسات، بل ليس لديهم ثقافة ولا قناعة، تأخذهم الى معرفة ما ينبغي أن تكون عليه الحركة الوطنية في أواخر العشرية الثانية من الألفية الثالثة، بحيث تستوعب تعدد الآراء، وتُبدد أوهام التمايزات المناطقية بين الإخوة والأهل، وتصنع وحدة الوجدان الشعبي!


هؤلاء، عندما كانوا يُفصحون عن اعتراضات على عباس، في المجالس المغلقة، لم يكن ذلك الإفصاح، إلا لتحويل الأنظار عن أنفسهم ورفع مسؤوليتهم عما هم وحدهم مسؤولون عنه!           


غير أن ما ينبغي قوله بصراحة، لا سيما وأن شباب حركة فتح وعقلائها وشجعانها، باتوا على قناعة، بأن مرحلة المداراة لا بد أن تنتهي، فلا ينبغي أن يتاح للخائبين اختطاف حركة فتح. إن "المقاطعة" ليست بيت المقدس، ولا خُدام الطوطم، من حراس الفضيلة وقارئي النجوم، ولا المناضلين الذين يحترمهم المجتمع الفلسطيني، ضعاف الإرادة لكي يجري عليهم الاستبعاد الفج والإقصاء، ولا المقدرات المالية هي دراهم عباس وإنما كثير منها دراهم مستحقة لنا في ذمة عباس، ولا خُدام المعبد الجاهلي هم أولياء نعمتنا. فأحرار فتح، وأحرار فلسطين كلها، لن يصمتوا منذ الآن، على اختطاف عناوين نضال الناس وعذاباها وتاريخها، واختطاف المؤسسات والمقدرات والسفارات، ولن يكون منذ الآن، صمت على الحال التي أصبحت فيها السياسة والسلطة، صنو الفساد الفادح، والسياسي أو المسؤول صنواً للفاسد.


فلا يصح أن ندع هذا السياق الموبوء، يستكمل وظيفته حتى يصبح الفلسطيني غريباً عن الفلسطيني، فيضمحل الوطن في الوعي الجمعي وتندثر القضية.


في فسحة الزمن القصيرة، التي يتشكل فيها مشهد مؤتمر عباس، هذه هي بعض المخاطر التي لا يُخطئها بصر ولا تتجاهلها بصيرة!

كلمات دالّة: