عاجل
عاجل
  • فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • قوقل + Google
  • يوتيوب Youtube
  • أر أر أس Rss
آخـر الأخـبار

أبو عمار بعد إثني عشر عاماً على الحضور

أبو عمار بعد إثني عشر عاماً على الحضور

كأنما "أبو عمار" اليوم، وبعد إثني عشر عاماً على محاولة تلفيق غيابه؛ يُطل من فوق شاهق، ليقول للماكثين في المقابر الشاسعة، التي يضطجع فيها الأحياء العاجزون عن تحريك ساكن، ممن خذلوه، في أماسيه الأخيرة، وممن حاصروه بصمتهم المعيب؛ إنه سيظل حياً في التاريخ، بعد أن استكمل قوساً مدهشاً، من حياته الأسطورية!


إثنا عشر عاماً مرّت على تغييب حماّل الأسيّة، الذي أورثنا سعة قلبه وسماحته وعناده وكبريائه الإعجازي. ذاك الذي عض على الجرح الراعف، فلم ينبس ببنت شفة، فيما هو القادر على فضح كل الذين غدروا به أو تخلواّ عنه، على الملأ، أكثر مما هم مفضوحون.  كأنه، رحمه الله، يعرف أن من سيواصلون المسيرة بعده، سيقرأون جيداً، سر موته الملحمي، ولن يُخطئوا القراءة: يا بني صهيون، ويا أذناب بني صهيون، ويا كرازايات أوقاتنا الفلسطينية والعربية، يا من كنتم ترونه خارج الحكاية، وغير ذي صلة، وعقبة؛ ها هو لا يزال، بعد إثني عشر عاماً، هو الصلة الماكثة أبداً في قلب الموضوع، وهو أيضاً، الممكن الفلسطيني الذي تسمونه اعتدالاً، وهو المستحيل الفلسطيني الذي تسمونه تشدداً، أو عقبة، أو إرهاباً. لقد تهاوى كل الذين زاودوا عليه، وباتوا في قبضة الأوصياء عليهم، أو في قبضة مخابرات الآخرين، أو قلبوا الموجة لكي يهاجموا الرجل الذي حمل أمانة ثقيلة تنوء بها الجبال!  إثنا عشر عاماً على فراق "الختيار" وعلى فقداننا السمة التي ظلت غالبة على أوقاتنا طوال عقود.   غاب حامل الأختام ومدون الحكايات كلها وخزانة أسرار كل مشاوير أيامنا، الذي عشناه وعاشنا، كعلامة روحنا، ورفيق أحلامنا الجميلة.                           غير أن الثائر الذي غاب بجسده، أودع قلمه الأحمر، وخطه الأحمر، أمانة في أعناق الأحرار الأوفياء، الذين ظلوا يحفظون له هيبته ميتاً مثلما حفظوها له حياً . ومع القلم الأحمر والخط الفاصل بين الممكن والمستحيل، أودعنا "الختيار" أو بث فينا تفاؤله وقدرته على الاحتفاظ بالأمل المضيء، حتى وإن كان خافتا كضوء شمعة أو كشعاع سراج صغير، وسط عتمة طاغية. علمنا أبو عمار، الصبر على النفق الطويل المظلم، وعلمنا أن نكون جديرين بالألم، مثلما نحن جديرون بالحياة وبالنصر. فهو الذي لم يقطع شعرة بين شعبه وأمته، على الرغم من كل خيبات أمله!


حسناً نفعل في ذكراه، حين نضع مطوّلات المراثي جانباً، ونتطرق الى أسباب بقاء الرجل حيّاً في التاريخ وفي الوجدان، بعد حياة مكللة بالجراح وبغبار المعارك في دار الدنيا. فقد انتهت محاولة الرجل، صنع السلام المعقول، بالوصول بعد "كامب ديفيد" (يوليو 2000) الى حافة اتخاذ القرار الأخطر في حياته قاطبةً: هل يخضع ويبيع التضحيات الجسيمة بثمن بخس، يعادل الهزيمة النكراء، أو يصمد المرة تلو الأخرى، إن كان في العمر بقية؟! اختار أبو عمار الصمود، وسرعان ما تبدلت المسائل على صعيد العدو، فيرتدي شارون عباءة بيرس، ويصبح بيرس شاروناً، ويلتزم الحاخامات بالتبادل، لكنهم لا يبتعدون. عوفاديا يوسف يستعير عباءة كاهانا، والضباط الصاعدون يلتمسون مجداً على أشلاء الضحايا الفلسطينيين العُزّل من السلاح، و"الليكود" يغطي العمل، والأخير يغطي الأول ويغطي "شاس" و "إسرائيل بيتنا" وتنتعش في مجتمع الدولة الاستيطانية عقدة "مسادا" وذاكرتها، وتتعالى صيحات الدفاع عن الذات اليهودية التي يتهددها ياسر عرفات، فيرتدي الكيان الصهيوني كله، دروع الحرب، ضارباً بعُرض الحائط كل المحرمات. ويسري الجنون كالنار في الهشيم، وبات رأس الزعيم مطلوباً. لم يعد هناك طرف يمكن أن يتفاهم معه أبو عمار على تهدئة، أو على عودة الى مفاوضات ربما تنظر في مقاربات أخرى للتسوية.


أطلقت على الرجل الجُرعة ـ الرصاصة، وسط "اطمئنان" الى استمرار عجزنا عن معرفة تاريخ إطلاقها واليد التي اطلقتها،  لأن المناخ الدولي لن يتقصى خيوط جريمة تطال ثائراً. كانت جرعة قَتَلت في الحال، لكنها أعطت البطل المغدور، حق الإطلالة على الناس، للمرة الأخيرة، من باب المروحية قبل إقلاعها به الى الخارج. وما هي إلا ساعات، حتى انزلقت بعض كلمات من أفواه الأمريكيين العارفين بالجرعة، وصدر نعي لرجل كان ما زال يتنفس، وسُمعت مقترحات لمكان وتاريخ دفن جسد ما زال ساخناً. هنا نحن بصدد حيثية ملحمية سوداء. ففي حسابات القتلة، مثلما في حسابات السم، كان ثمة حرص غادر، على أن لا يرتطم موت أبي عمار بأذهاننا ومشاعرنا دفعة واحدة، بينما نحن مسكونون بهموم ومرارات شتى. ولساعات ثقيلة وطويلة، أفسحوا مجالاً لنقاش وفتوى، حول "نزع الأجهزة" غايته التطبيع مع فكرة الموت، قبل إعلان المشفى عن هذا الموت عندما أدرك لرجل فأنهى حياته الأسطورية.. طوبى له في عليين!